مهدي عمار
06-29-2005, 10:46 PM
نظرة الإسلام إلى العمل
الشيخ حسين الخشن
على وقع المعاناة التي يتكبدها ملايين العمال في أرجاء المعمورة ومن وحي الامهم وجراحاتهم يفرض السؤال التالي نفسه: كيف ينظر الإسلام للعمل؟ وما هي حقوق العامل في المنظار الشرعي؟ وكيف يدافع النظام الإسلامي عن العمال؟ وما هي أشكال الرعاية والحماية التي يؤمنها لهم؟
العمل سر النجاح والتقدم :
لا يجانب الصواب من يقول: إن الأمة التي لا تعمل ولا تخطط ولا تطور أساليب العمل هي أمة محكوم عليها بالتراجع والفشل في ميدان التنافس بين الأمم، ومؤكد أنها ستظل عالة على الاخرين ورقماً هامشياً في سجل الحضارات، وانطلاقاً من ذلك فإن الأخذ بأسباب العمل والتطور لا يغدو خياراً من خيارات الأمة، إنه ضرورة وواجب مقدس وهو سر نجاحها وتقدمها.
ولو أطللنا على الواقع الإسلامي من المنظار التاريخي لرأينا أن المسلمين طالما كانوا ينظرون للعمل على أنه فعل عبادة وطاعة لله وطالما أنهم كانوا يتحركون وفق قاعدة " إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً " ، طالما كان النجاح والتقدم حليفهم، وبذلك استطاعت الأمة الإسلامية أن تثبت حضورها في صراع الارادات، وتقدم حضارة في موازاة سائر الحضارات.
أما عندما اختلت النظرة لمفهوم العمل وضعفت الارادة والهمة في الواقع ولم يعد المسلم يتحرك وفق المفهوم الصحيح للاستخلاف في الأرض فقد تراجع حضور الأمة وتدنى مستواها إلى ما نراه اليوم لتغدو أمة مستهلكة ومستوردة لكل سلع الاخرين ومنتجاتهم، وببركة أسواقها ورأسمالها تعمل مصانع ومعامل الاخرين على الرغم من امتلاكها لأهم مصادر الطاقة في العالم.
وإذا أردنا التعرف على السبب أو الأسباب في تخلف الأمة وتأخرها في هذا المجال، فسيكون واحداً من هذه الأسباب هو التواني والكسل في ميدان العمل وعدم الأخذ بأسباب التقدم والتطور.
الإسلام يحارب الكسل :
ولهذا وإدراكاً منه لأهمية العمل في تقدم الأمة وبنائها الحضاري، حثّ الإسلام عليه وجعله في مصاف الواجبات وشنّ حملة على كل ما يمت إلى الكسل والفشل والبطالة والدعة بصلة.
ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال : سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه - بحار الأنوار 9/100 - .
ولأن السعادة لا تنال إلا بالكد والعمل، قال علي عليه السلام " هيهات من نيل السعادة السكون إلى الهوينا - الدعة - والبطالة " - عيون الحكم والمواعظ 512 - ، وإذا كان العمل رائد الإنسان إلى السعادة فإن الكسل سائقه إلى الفقر والشقاوة قال عليه السلام : " إن الأشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتج بينهما الفقر " - الكافي 86/5 - ، وعن الباقر عليه السلام : " الكسل يضر بالدين والدنيا " - تحف العقول 300 - .
ومن طريف ما نقرأه في الروايات أن الإمام الصادق عليه السلام يشكو من الكسل المستشري بين أهل زمانه يقول " لا تكسلوا في طلب معايشكم فإن اباءنا قد كانوا يركضون فيها ويطلبونها " - من لا يحضره الفقيه 157/3 - ، ولست أدري ماذا يقول عليه السلام في شأن أهل زماننا الذين زحف الكسل إليهم فتركوا الجد والنشاط وارتاحوا للترف واللهو!
الخصومة المفتعلة بين الدين والدنيا :
وفي اعتقادي أن ثمة سبباً اخر أشد خطورة وأبلغ تأثيراً في تخلف أمتنا العربية والإسلامية من مجرد التواني والكسل، ألا وهو تشوه المفهوم الديني عن العمل لدى قطاعات واسعة من أبنائها، ويتمثل التشوه المذكور في إيجاد خصومة مفتلعة ومنافاة مصطنعة بين الورع والتقى من جهة وبين العمل والنشاط من جهة أخرى، وبعبارة أشمل: إيجاد خصومة بين الدين والدنيا، وتنطلق هذه الخصومة المتخيلة في ظل غفلة عن النظرة الإسلامية المتوازنة للدنيا والاخرة، هذه النظرة التي توفق بين العمل والعبادة على أساس القاعدة العلوية القائلة : " إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لاخرتك كأنك تموت غداً " ، وإنه لأمر عجيب أن يظن البعض منافاة الزهد للعمل فيتركوا الأخير ويقبلوا على ما يعتقدونه أجدى وأنفع وأبقى من الأذكار والتراتيل! مع أن من يعرف ألف باء الإسلام يدرك أن الرهبانية مذمومة ومرفوضة ولم يأمر بها الله سبحانه وتعالى، وأن العمل في سبيل العيش الكريم أو بهدف تقديم العون والمساعدة للناس وتطوير حياتهم نحو الأفضل وبذل الجهد لاكتشاف كل ما يخدم هذه الحياة ويخفف المعاناة هو أمر لا يبتعد عن العبادة والتدين بل هو عين الورع والتقى ومن أعلى درجات العبادة لله سبحانه، ويكفيك أن تعرف أن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل عن رجل أصابته الحاجة قال عليه السلام : فماذا يصنع؟ قالوا: في البيت يعبد ربه ! قال: فمن أين قوته؟ قالوا: من عند بعض إخوانه، قال: والله للّذي يقوته أشد عبادة منه - الكافي78/5 .
وهكذا نلاحظ أن الله سبحانه في الوقت الذي يأمر فيه بالتوجه لأداء فريضة الجمعة لا يمانع من انشغال الإنسان بالعمل التجاري أو غيره قبيل الصلاة وبعدها، مما يعني أن يوم الجمعة ليس هو يوم عطلة في الإسلام كما قد يتوهم، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " - الجمعة/9-10 - .
التوكل لا التواكل :
ومفهوم العبادة ليس وحده الذي أصيب بالتشوه أو التشويه، فهناك مفهوم ديني اخر على تماس معه هو التوكل تعرض أيضاً لعملية تشوّه بفعل الالتباس الحاصل بينه وبين مفهوم التواكل، الأمر الذي زاد في الطين بلة، وضاعف من تواني الأمة وتأخرها وأورثها فائضاً من الزهد في العمل والتطور، وحال دون أخذها بأسباب التقدم، وهكذا غدونا نطلب الرزق بالتوكل لا بالكدح والتحرك، وننشد النصر بالدعاء لا بإعداد العدة والقوة، ونستعيض عن علم الطب بالتمائم والاحراز، ونتخذ القرارات المصيرية على أساس الاستخارة لا الاستشارة!
وفي زحمة الالتباس والتشوش المذكور حصلت غفلة أخرى عن سنة إلهية تشكل قاعدة أساسية لحركة الحياة وهي قاعدة " إن الله سبحانه أبى أن تجري الأمور إلا بأسبابها الطبيعية " هذه القاعدة لو تمّ التنبه والالتفات إليها لارتفعت المنافاة الموهومة بين التوكل والتواكل وبين الإعداد والدعاء، وبين العمل والاستغفار، والمتأمل في كتاب الله يلحظ وجود عشرات الايات المؤكِّدة على ضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية في شتى مجالات الحياة والرافضة للتواكل والتواني والركون إلى الحظ والقدر أو الاستيكال بالدعاء، وقد ورد في الروايات أن دعاء تارك العمل غير مستجاب، ففي الحديث قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله عليه السلام : هذا أحد الثلاثة الذي لا يستجاب لهم - الكافي77/5 .
النـزعة التجريدية تصادر العمل :
وثمة التباس مفاهيمي ثالث ذهب العمل ضحيته أيضاً، وهو التباس مفتعل ناشئ عن خلل منهجي في تقييم كل من دور العمل والعلم، فقد نحى العقل الفلسفي العرفاني بتأثير من المنطق الأرسطي منحى هروبياً من الواقع ومشكلاته والحياة وتعقيداتها، وبالتدريج غلبت عليه النزعة التجريدية التي تحولت معها بعض العلوم كعلمي الفلسفة والكلام إلى هموم ذهنية ومشاغل فكرية لا تمت إلى حركة الحياة بصلة، الأمر الذي أدى إلى تغليب " النظري " على " العملي " والحط من شأن الطبيعيات واعتبار العلوم النظرية أرفع شأناً منها، وقد وجدنا الملا صدرا الشيرازي يعيب على ابن سينا اشتغاله بالطبيعيات ويُرجع ما يراه أخطاءً عند الأخير في الالهيات إلى صرف وقته في العلوم الطبيعية أكثر من صرفه في الالهيات، يقول: " فهذه وأمثالها من الزلاّت والقصورات إنما نشأت من الذهول عن حقيقة الوجود وأحكام الهويّات الوجوديّة، وصرف الوقت في علوم غير ضرورية، كاللغة، ودقائق الحساب، وفن أرثماطيقي، وموسيقي، وتفاصيل المعالجات في الطب، وذكر الأدوية المفردة والمعاجين، وأصول الدرياقات والسموم والمراهم والمسهلات، ومعالجة القروح والجراحات، وغير ذلك من العلوم الجزئية التي خلق الله لكل منها أهلاً وليس للرجل الالهي أن يخوض في غمراتها " - الحكمة المتعالية:199/9 - .
إن هذا النمط من التفكير الذي يفكك بين الالهيات والماديات يعبر عن نزعة تلتقي بالعلمانية في بعض وجوهها، فكما أن العلمانية تفصل بين الدين والدنيا وتصنف الناس إلى رجل دين ورجل دنيا، كذلك فان النمط الفكري الانف يفصل ويميز بين الرجل الالهي والرجل المادي مفترضاً أن الأول لا يناسبه خوض غمار العلوم الطبيعية، مع أن تسريح النظر في الطبيعيات قد يكون أقرب الطرق للوصول إلى الله واستشعار عظمته، ومن هنا وجدنا القران الكريم يركز كثيراً على التأمل والنظر في الافاق والأنفس واكتشاف ايات الله ودلائل قدرته وعظيم حكمته وسعة علمه.
http://www.bayynat.org/www/arabic/nachratbayynat/bayynat116/khishin_p6.htm
الشيخ حسين الخشن
على وقع المعاناة التي يتكبدها ملايين العمال في أرجاء المعمورة ومن وحي الامهم وجراحاتهم يفرض السؤال التالي نفسه: كيف ينظر الإسلام للعمل؟ وما هي حقوق العامل في المنظار الشرعي؟ وكيف يدافع النظام الإسلامي عن العمال؟ وما هي أشكال الرعاية والحماية التي يؤمنها لهم؟
العمل سر النجاح والتقدم :
لا يجانب الصواب من يقول: إن الأمة التي لا تعمل ولا تخطط ولا تطور أساليب العمل هي أمة محكوم عليها بالتراجع والفشل في ميدان التنافس بين الأمم، ومؤكد أنها ستظل عالة على الاخرين ورقماً هامشياً في سجل الحضارات، وانطلاقاً من ذلك فإن الأخذ بأسباب العمل والتطور لا يغدو خياراً من خيارات الأمة، إنه ضرورة وواجب مقدس وهو سر نجاحها وتقدمها.
ولو أطللنا على الواقع الإسلامي من المنظار التاريخي لرأينا أن المسلمين طالما كانوا ينظرون للعمل على أنه فعل عبادة وطاعة لله وطالما أنهم كانوا يتحركون وفق قاعدة " إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً " ، طالما كان النجاح والتقدم حليفهم، وبذلك استطاعت الأمة الإسلامية أن تثبت حضورها في صراع الارادات، وتقدم حضارة في موازاة سائر الحضارات.
أما عندما اختلت النظرة لمفهوم العمل وضعفت الارادة والهمة في الواقع ولم يعد المسلم يتحرك وفق المفهوم الصحيح للاستخلاف في الأرض فقد تراجع حضور الأمة وتدنى مستواها إلى ما نراه اليوم لتغدو أمة مستهلكة ومستوردة لكل سلع الاخرين ومنتجاتهم، وببركة أسواقها ورأسمالها تعمل مصانع ومعامل الاخرين على الرغم من امتلاكها لأهم مصادر الطاقة في العالم.
وإذا أردنا التعرف على السبب أو الأسباب في تخلف الأمة وتأخرها في هذا المجال، فسيكون واحداً من هذه الأسباب هو التواني والكسل في ميدان العمل وعدم الأخذ بأسباب التقدم والتطور.
الإسلام يحارب الكسل :
ولهذا وإدراكاً منه لأهمية العمل في تقدم الأمة وبنائها الحضاري، حثّ الإسلام عليه وجعله في مصاف الواجبات وشنّ حملة على كل ما يمت إلى الكسل والفشل والبطالة والدعة بصلة.
ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، قال : سقط من عيني، قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن المؤمن إذا لم يكن له حرفة يعيش بدينه - بحار الأنوار 9/100 - .
ولأن السعادة لا تنال إلا بالكد والعمل، قال علي عليه السلام " هيهات من نيل السعادة السكون إلى الهوينا - الدعة - والبطالة " - عيون الحكم والمواعظ 512 - ، وإذا كان العمل رائد الإنسان إلى السعادة فإن الكسل سائقه إلى الفقر والشقاوة قال عليه السلام : " إن الأشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتج بينهما الفقر " - الكافي 86/5 - ، وعن الباقر عليه السلام : " الكسل يضر بالدين والدنيا " - تحف العقول 300 - .
ومن طريف ما نقرأه في الروايات أن الإمام الصادق عليه السلام يشكو من الكسل المستشري بين أهل زمانه يقول " لا تكسلوا في طلب معايشكم فإن اباءنا قد كانوا يركضون فيها ويطلبونها " - من لا يحضره الفقيه 157/3 - ، ولست أدري ماذا يقول عليه السلام في شأن أهل زماننا الذين زحف الكسل إليهم فتركوا الجد والنشاط وارتاحوا للترف واللهو!
الخصومة المفتعلة بين الدين والدنيا :
وفي اعتقادي أن ثمة سبباً اخر أشد خطورة وأبلغ تأثيراً في تخلف أمتنا العربية والإسلامية من مجرد التواني والكسل، ألا وهو تشوه المفهوم الديني عن العمل لدى قطاعات واسعة من أبنائها، ويتمثل التشوه المذكور في إيجاد خصومة مفتلعة ومنافاة مصطنعة بين الورع والتقى من جهة وبين العمل والنشاط من جهة أخرى، وبعبارة أشمل: إيجاد خصومة بين الدين والدنيا، وتنطلق هذه الخصومة المتخيلة في ظل غفلة عن النظرة الإسلامية المتوازنة للدنيا والاخرة، هذه النظرة التي توفق بين العمل والعبادة على أساس القاعدة العلوية القائلة : " إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لاخرتك كأنك تموت غداً " ، وإنه لأمر عجيب أن يظن البعض منافاة الزهد للعمل فيتركوا الأخير ويقبلوا على ما يعتقدونه أجدى وأنفع وأبقى من الأذكار والتراتيل! مع أن من يعرف ألف باء الإسلام يدرك أن الرهبانية مذمومة ومرفوضة ولم يأمر بها الله سبحانه وتعالى، وأن العمل في سبيل العيش الكريم أو بهدف تقديم العون والمساعدة للناس وتطوير حياتهم نحو الأفضل وبذل الجهد لاكتشاف كل ما يخدم هذه الحياة ويخفف المعاناة هو أمر لا يبتعد عن العبادة والتدين بل هو عين الورع والتقى ومن أعلى درجات العبادة لله سبحانه، ويكفيك أن تعرف أن الإمام الصادق عليه السلام عندما سئل عن رجل أصابته الحاجة قال عليه السلام : فماذا يصنع؟ قالوا: في البيت يعبد ربه ! قال: فمن أين قوته؟ قالوا: من عند بعض إخوانه، قال: والله للّذي يقوته أشد عبادة منه - الكافي78/5 .
وهكذا نلاحظ أن الله سبحانه في الوقت الذي يأمر فيه بالتوجه لأداء فريضة الجمعة لا يمانع من انشغال الإنسان بالعمل التجاري أو غيره قبيل الصلاة وبعدها، مما يعني أن يوم الجمعة ليس هو يوم عطلة في الإسلام كما قد يتوهم، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " - الجمعة/9-10 - .
التوكل لا التواكل :
ومفهوم العبادة ليس وحده الذي أصيب بالتشوه أو التشويه، فهناك مفهوم ديني اخر على تماس معه هو التوكل تعرض أيضاً لعملية تشوّه بفعل الالتباس الحاصل بينه وبين مفهوم التواكل، الأمر الذي زاد في الطين بلة، وضاعف من تواني الأمة وتأخرها وأورثها فائضاً من الزهد في العمل والتطور، وحال دون أخذها بأسباب التقدم، وهكذا غدونا نطلب الرزق بالتوكل لا بالكدح والتحرك، وننشد النصر بالدعاء لا بإعداد العدة والقوة، ونستعيض عن علم الطب بالتمائم والاحراز، ونتخذ القرارات المصيرية على أساس الاستخارة لا الاستشارة!
وفي زحمة الالتباس والتشوش المذكور حصلت غفلة أخرى عن سنة إلهية تشكل قاعدة أساسية لحركة الحياة وهي قاعدة " إن الله سبحانه أبى أن تجري الأمور إلا بأسبابها الطبيعية " هذه القاعدة لو تمّ التنبه والالتفات إليها لارتفعت المنافاة الموهومة بين التوكل والتواكل وبين الإعداد والدعاء، وبين العمل والاستغفار، والمتأمل في كتاب الله يلحظ وجود عشرات الايات المؤكِّدة على ضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية في شتى مجالات الحياة والرافضة للتواكل والتواني والركون إلى الحظ والقدر أو الاستيكال بالدعاء، وقد ورد في الروايات أن دعاء تارك العمل غير مستجاب، ففي الحديث قلت لأبي عبد الله عليه السلام رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي فأما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله عليه السلام : هذا أحد الثلاثة الذي لا يستجاب لهم - الكافي77/5 .
النـزعة التجريدية تصادر العمل :
وثمة التباس مفاهيمي ثالث ذهب العمل ضحيته أيضاً، وهو التباس مفتعل ناشئ عن خلل منهجي في تقييم كل من دور العمل والعلم، فقد نحى العقل الفلسفي العرفاني بتأثير من المنطق الأرسطي منحى هروبياً من الواقع ومشكلاته والحياة وتعقيداتها، وبالتدريج غلبت عليه النزعة التجريدية التي تحولت معها بعض العلوم كعلمي الفلسفة والكلام إلى هموم ذهنية ومشاغل فكرية لا تمت إلى حركة الحياة بصلة، الأمر الذي أدى إلى تغليب " النظري " على " العملي " والحط من شأن الطبيعيات واعتبار العلوم النظرية أرفع شأناً منها، وقد وجدنا الملا صدرا الشيرازي يعيب على ابن سينا اشتغاله بالطبيعيات ويُرجع ما يراه أخطاءً عند الأخير في الالهيات إلى صرف وقته في العلوم الطبيعية أكثر من صرفه في الالهيات، يقول: " فهذه وأمثالها من الزلاّت والقصورات إنما نشأت من الذهول عن حقيقة الوجود وأحكام الهويّات الوجوديّة، وصرف الوقت في علوم غير ضرورية، كاللغة، ودقائق الحساب، وفن أرثماطيقي، وموسيقي، وتفاصيل المعالجات في الطب، وذكر الأدوية المفردة والمعاجين، وأصول الدرياقات والسموم والمراهم والمسهلات، ومعالجة القروح والجراحات، وغير ذلك من العلوم الجزئية التي خلق الله لكل منها أهلاً وليس للرجل الالهي أن يخوض في غمراتها " - الحكمة المتعالية:199/9 - .
إن هذا النمط من التفكير الذي يفكك بين الالهيات والماديات يعبر عن نزعة تلتقي بالعلمانية في بعض وجوهها، فكما أن العلمانية تفصل بين الدين والدنيا وتصنف الناس إلى رجل دين ورجل دنيا، كذلك فان النمط الفكري الانف يفصل ويميز بين الرجل الالهي والرجل المادي مفترضاً أن الأول لا يناسبه خوض غمار العلوم الطبيعية، مع أن تسريح النظر في الطبيعيات قد يكون أقرب الطرق للوصول إلى الله واستشعار عظمته، ومن هنا وجدنا القران الكريم يركز كثيراً على التأمل والنظر في الافاق والأنفس واكتشاف ايات الله ودلائل قدرته وعظيم حكمته وسعة علمه.
http://www.bayynat.org/www/arabic/nachratbayynat/bayynat116/khishin_p6.htm