سيد مرحوم
06-16-2005, 04:55 AM
حقيقة الجمال
ودوره في تسامي
النفس الانساني
العلامة محمد تقي الجعفري
تعريب : عبدالرحمن العلوي
نظراً لقبول الاسلام للجمال ضمن اطر الطبيعة، والنتاجات البشرية الفكرية واليدوية، والاهداف المعقولة، وماوراء الطبيعة، لهذا فان دراسة الجمال دراسة علمية هادفة ليست مفيدة على الصعيد المعنوي فحسب، بل وتعد خطوة ضرورية لفهم التعامل مع الحياة، فضلاً عن كونها عملاً لابد منه للتعرف على الفنّ من المنظار الكلامي.
ولاجل الدخول الى هذا البحث لابد من توضيح اربع مفردات مهمة قد لا يميز الكثيرون بينها وبين مفردة «الجمال»، مما يؤدي الى حدوث الكثير من الشطحات والاخطاء عند دراسة «علم الجمال» وهذه المفردات هي:
1 - القيمة
وهي عبارة عن النوعية المنتزعة من الفائدة التي تتسم بها حقيقة من الحقائق، وقد لا تملك بذاتها حقيقة موضوعية، الا انها تفهم كحقيقة على اساس منشأ انتزاعها الذي هو «الفائدة» بمعناها العام.
2 - اللذة
وهي عبارة عن الرضا النفسي الناجم عن نيل الانسان لشيء يرى انه خير وفائدة
[305]
وكمال. وهذا التعريف للذة تعريف بسيط وابتدائي، فمعرفة الحقيقة وانواعها يعدّ من اعقد واطول المباحث النفسية والفلسفية.
3 - التعجب
هو الحالة الذهنية المتولدة عن توقف الانسان امام موضوع او حدث ما خارج دائرة القوانين والمبادئ المعروفة، وبشكل عام خارج معلومات الانسان ومعارفه وظروفه النفسية.
4 - الجودة
عبارة عن اتصاف موضوع او حدث بعناصر الكمال التي يمكن للموضوع او الحدث ان يتحملها.
ونحن نعلم ان هذا التعاريف ليست كاملة، غير ان هدفنا تقديم صورة بسيطة عنها يمكن لنا من خلالها ان نميزها عن الجمال.
ولابد لنا هنا ان نتحدث بايجاز عن العلاقة بين كل من هذه المفردات الاربع والجمال ومدى انطباقها او انفصالها عنه:
1 - اللذة والجمال
ان الجمال في الحقيقة يلازم اللذة باستمرار، اي بامكاننا القول ان ادارك الجمال واستيعابه يؤدي الى الشعور باللذة، الا انّ كل شعور باللذة لا ينجم بالضرورة عن ادراك الجمال. فنحن نعلم ان عوامل اللذة كثيرة ومتنوعة احدها العامل الاخير. فالانتصار على العدو مثلاً يحقق هو الآخر الشعور باللذة، لكنه ليس من سنخ الجمالات، وانما يتم تحقيقه من خلال اقسى الظواهر واكثرها الماً، ومع ذلك فهو يبعث على اللذة. والاغرب من ذلك اننا قد نشعر باللذة احياناً حتى عند مشاهدة منظر قبيح لما له من اتصال خاص بذواتنا ونفسياتنا، مثل مشاهدة كوخ طيني يذكرنا بذكريات طفولتنا.
2 - القيمة والجمال
لو اخذنا القيمة بالمعنى الذي اشرنا اليه فيما سبق، فسيكون لها مفهوم اوسع من الجمال،
[306]
لان المواد الضرورية التي تستهلك خلال الحياة وينظر اليها كمعدات ووسائل مرغوبة، تتصف بالقيمة والاهمية، لكنها لا تتصف بالجمال، او لا تطرح كجمال بشكل مستقل. وهنا يمكن ان نقول: ان كل جمال له قيمة. وليس المقصود بالقيمة، القيمة المتبادلة لان ذلك الجزء من جمالات الطبيعة الذي لا يقبل الانتقال والملكية والحيازة الشخصية، خارج عن مجرى التبادل مثل جمال السماء والكواكب والقمر والجبال والوديان والاشجار.
3 - التعجب والجمال
على ضوء التعريف الذي قدمناه للتعجب نقول اننا لا نريد بتوقف ذهن الانسان امام موضوع او حدث، ركود هذا الذهن تماماً، وانما نريد به مراوحته امام تلك الحالة المتعارضة مع الاصول المثبّتة في الذهن. وقد يكون ذلك التعجب ناجماً عن الشعور بعظمة الظاهرة المشاهدة، او الشعور بتفاهتها، مثل ارتكاب احدى الشخصيات الفاضلة لبعض الاعمال المشينة. وهذا النوع من التعجب يرتفع عند ارتفاع الجهل، ولهذا قيل: «عند العلم بالاسباب يرتفع الاعجاب».
4 - الجودة والجمال
الجودة والجمال يلتقيان عند نقطة واحدة ويفترقان في نقطتين. فاما نقطة الالتقاء فهي ان بعض الحقائق تتصف بصفتي الجودة والجمال معاً مثل المنظر الطبيعي الذي تتصف بعض اجزائه بعناصر الكمال النسبي، فضلاً عن اتسامه بالمظهر الجمالي.
واما نقطتا الافتراق:
1 - قد نجد حقيقة ما تتصف بالجودة والعلو، الا انها لا تتميز بمظهر جمالي، مثل ماكنة الحراثة. فهذه الماكنة تحمل العناصر المطلوبة لاداء الهدف المتوخى من صنعها رغم قباحة منظرها.
2 - مظاهر الجمال العادية الموجودة حوالينا والمؤلّفة من عناصر بسيطة والوان شائعة، تعدّ مظاهر جميلة الا أنها ليست من النوع الرائع الذي يلفت الانتباه او يقع ضمن اطار «الجودة».
[307]
ومما سبق نفهم ان القيمة او اللذة او التعجب او الجودة، لا يمكن ان تكون مفردات مرادفة للجمال، الا انها يمكن ان تكون من خصائص الجمال ومواصفاته.
ما هو الجمال؟
هل ان الجمال حقيقة موضوعية وعينية محضة ينحصر دور الذهن في ابرازها وعكسها، ام انه عبارة عن الادراك والاستيعاب الذهني للظواهر الموضوعية، بحيث ينعدم الجمال مع عدم وجود مثل هذا الادراك، ام انه حقيقة موضوعية عينية يعد ادراكها نوعاً من الجمال المتصل بالشهود او الذوق او الشعور الخاص بالذهن الانساني؟
اذاً هناك ثلاثة آراء مهمة على هذا الصعيد:
الاول: الجمال ظاهرة عينية وموضوعية تحظى بقبول الذهن، ولا دور للذهن الانساني سوى عكس او ابراز هذه الظاهرة.
الثاني: الجمال عبارة عن التلقي والادراك الذهني للظواهر الموضوعية، ولا وجود للجمال في حالة عدم توفر الذهنية المدركة.
الثالث: الجمال ذو قطبية ثنائية، اي انه ظاهرة مرتبطة بقطبي داخل الذات وخارج الذات.
ويأخذ بعض المفكرين بالرأي الاول ويعتقدون انّ الذهن الانساني في تعامله مع الجمال اشبه بالمرآة التي لا تعكس سوى الجسم الموضوع امامها. في حين وقف آخرون في الجهة المضادة بالضبط فقالوا: الجمال لا يوجد سوى في داخلنا، اما خارج ذواتنا فليس هناك جمال او قبح!
واذا اخذنا بهذا الرأي فلا يمكن قبول الرأي القائل ان العالم الطبيعي صورة لمدركاتنا، لان حقائق العالم الموضوعية موجودة سواء ادركناها ام لم ندركها. ومن افراد هذه المجموعة يمكن الاشارة الى «بي برغاستالا» الذي يقول: «لا يوجد الجمال الا في وجودنا، وكلما كان غنياً وكلياً، كان شديداً ايضاً. فالجمال مجرد شعور حساس بمظاهر الجمال. كما انه ليس سوى قوة واستغناء يتمتع بهما طبعنا».
والانتقاد الموجه للرأي الاول هو: لو كان الجمال عبارة عن ظاهرة موضوعية تحظى بقبول الذهن، وليس لهذا الذهن اي دور فيها سوى عكسها، فكيف نعلل اللذة الناجمة
[308]
عن ادراك الجمال؟ فالشعور بلذة الجمال يدل على وجود اتصال ما وراء اتصال الانعكاس الذهني المجرد بين الجمال وذهن ونفس الانسان. الم يشعر كل منا كيف يؤثر الجمال على نفوسنا في بعض الاحيان بحيث نفقد صوابنا او يؤدي الى شلِّ سائر نشاطاتنا الذهنية للحظات او ساعات، او الى تحريك دماغنا وتنشيطه بحيث تذوب الاسئلة التي ربما شغلته لسنوات طويلة كذوبان الجليد بفعل حرارة الشمس؟
وحينما نقف امام الجمالات، قد يصبح بامكاننا تفسيرها الى حد ما وتبيان اسبابها وتأثيراتها على الذهن والنفس، واللذة التي تمنحها لنا. وفي هذا التفسير والتعليل نفيد بشكل رئيس من محتويات نفوسنا. السنا عندما نشاهد مظهراً افقياً مفتوحاً، نلجأ بشكل عفوي الى استعراض المسار الحياتي الذي نمر به، ونتلذذ به؟
وعلى صعيد آخر فان مجموعة كبيرة من الجمالات، هي الجمالات التي تجسّد اهدافنا المعقولة ولهذا لا يمكن للرأي الاول ان يقدم تفسيراً صحيحاً للجمال.
اما الرأي الآخر الذي يرى الجمال عبارة عن التلقي والفهم الذهني للظواهر الموضوعية، فأصحاب هذا الرأي ينكرون موضوعية الجمال كمظهر وتجسيد للجمال. والرد على هذا الرأي واضح، لان دعاته يقولون لو اننا عرفنا النفس الانسانية فلا حاجة الى علم الجمال وسيغنينا علم النفس عنه، وهذا امر لا يختلف احد في خطئه. والانتقاد الآخر الموجّه لهذا الرأي هو: لماذا تقوم كافة التيارات والمظاهر الطبيعية والانسانية باثارة شعورنا او شهودنا وتذوقنا للجمال واشباعه؟ ولماذا تبدو الجمالات باشكال ونوعيات مختلفة بحيث يترك كل شكل ونوعية لوناً خاصاً من التأثر واللذة فينا؟
والرأي الآخر القائل بأن الجمال حقيقة ثنائية القطب، وان مظاهر الجمال لا تختلف عن باقي الحقائق والظواهر الطبيعية الاخرى سواء كان هناك انسان يراها ويتلذذ بها، ام لم يكن، فمن المؤكد ان الحيوانات لا تتلذذ برؤية الجمال الطبيعي او الفني ولا تبدي ردود الفعل الذهنية والنفسية التي نبديها نحن بني الانسان. فالحيوانات حينما تشاهد اجمل الورود، فانها تدير ظهرها لها بمجرد ان تدرك انها لا تصلح طعاماً لها، وتنطلق باتجاه الاحراش والعواسج. فلماذا يدرك الانسان الجمال بذهنه ونفسه ويتلذذ به؟
وبغض النظر عن الذهن والروح، فلو لم يكن للحقيقة وجود، لانتفى موضوع الجمال
[309]
ايضاً حتى ولو وُجد الانسان وكان على اعلى درجات الشعور والاحساس من حيث الفهم الذهني والتلقي النفسي. ولو افترضنا ان الانسان يتلذذ بالافكار التي تسري في ذهنه، فمن الطبيعي أن المدرك في هذه الظاهرة النفسية يختلف عن المدرَك، بل حتى الفنان الذي يلقي نظرة على اثره الفني، فانه يدرك جمال اثره العيني بشكل يختلف عن ادراكه الذاتي.
وهناك ثلاثة عناوين قد يحصل خطأ لدى بعض المفكرين في فهمها لا يتمكنون في انقاذ انفسهم منه وهي:
الامر الاول:
اصالة قطب داخل الذات في مفهوم الجمال. وكما اشرنا من قبل ليس هناك من شك انه لو لم يكن للـ «انا» وجود بظروفها الذهنية والنفسية الخاصة، لما كان وجود للشعور بالجمال والتأثر به. فالجمال لا مفهوم له كحقيقة بالنسبة لنا بدون ارتباط المنظر بقطب داخل الذات. ولهذا فان الذهن البشري في مفهوم الجمال يتمتع بالاصالة باعتباره احد الاساسين او القطبين. غير ان الافراط على هذا الصعيد اي اعتبار كل ما موجود هو القطب الذاتي والذهن البشري سيحول علم الجمال آخر المطاف الى علم النفس.
الامر الثاني:
نسبية الجمال. وتنبع هذه النسبية من مصدرين مهمين:
الاول: المظهر الموضوعي خارج الذات. فمن المؤكد ان باقة الورد البسيطة ذات اللون البسيط العادي، تختلف عن باقات الورد ذات الالوان الزاهية الجميلة التي لابد وان يكون جمالها اعظم واروع بكثير من الباقة الاولى. كما ان الصوت الهادئ الذي يبعث الارتياح في نفس السامع يختلف هو الآخر عن الايقاع المتزن الذي لابد وان يكون اجمل من الاول.
الثاني: الظروف الذهنية والنفسية اثناء التعامل مع الجمال. فنسبية تلقي الجمالات وادراكها، قضية بديهية وواضحة على ضوء طبيعة قطب الذات الداخلي وتنوع الثقافات ومختلف الظروف المؤقتة والدائمية الاخرى.
[310]
الامر الثالث:
عندما تُطرح علينا حقيقة ما على اساس انها حقيقة جمالية، فهل ان ابعادها الجمالية تقتصر فقط على ما طُرح علينا، ونعتبرها جميلة على هذا الاساس فحسب، ام ان الجمال حقيقة تقودنا الى حقيقة أخرى؟ اي هل لنا ان نقف عند حدود تلك الحقيقة الجميلة ونعتبرها الهدف النهائي لذلك المظهر الذي عُرِض علينا؟ بعبارة أخرى: هل يحق لذهننا او هل يستطيع ان يجتاز ذلك المظهر الى حقيقة اخرى ارفع واكثر معقولية واصالة من الاولى؟ وهل علينا ان نتلقى هذه الحقيقة الجميلة على اساس انها رمز يخفي خلفه حقيقة أخرى؟ بعبارة اوضح: هل الجمالات العينية رموز وظلال لحقائق تختفي خلف ستارات الجمال، وانّ هناك حقيقة أخرى كامنة خلف هذه المظاهر الجمالية؟
ويمكن ان ننسب بداية الاهتمام بهذا الامر الى افلاطون لقوله ان روح الانسان في عالم المجردات وقبل دخولها الى عالم الدنيا، كانت تشاهد حقيقة الجمال والحسن المطلق بدون حجاب. وحينما تبصر الحسن الظاهري المجازي في هذه الدنيا، تذكر الجمال المطلق الذي شاهدته من قبل، فتحزن لفراقه، وتتوق اليه، فتصبح اشبه بالطير الحبيس الذي يتطلع للانفلات من القفص(1).
وطبقاً للآثار التي خلفها افلاطون فانه يرى الجمالات المحسوسة في عالم الطبيعة ظلاً ورمزاً للجمال المطلق، وليس بامكانها ان تشبع الشعور بالحاجة الى الجمال لدى الانسان.
ويستدل افلاطون على مجازية وظليّة الجمالات بقوله:
لو قيل لك ما هو الجمال؟ لأشرت الى زهرة وقلت: هذه جميلة، او لأشرت الى وجه جميل وقلت: هذا جميل. ومن الممكن ان تشير الى منظر طبيعي او الى القمر. نعم كل هذه المظاهر جميلة، اي انها مظاهر للجمال، الا انك لم تخبرني ما هو الجمال. فأنا اسألك عن حقيقة الجمال لا عن مظاهر يتجلى فيها. فاذا كان الجمال في الزهرة فقط، فمن المحال ان يتجلى في شيء آخر كالقمر او المنظر الطبيعي او الوجه الحسن. وهذا يؤكد على ان الجمال حقيقة عامة. كما يمكن الاستدلال على وحدة حقيقة الجمالات من خلال وحدة الكلمة المستخدمة في كافة مظاهر الجمال. فاذا كان الجمال خاصاً بنوع من المظاهر، فلا معنى
__________________________________
(1) سير الحكمة في اوروبا، فروغي، ج 1، ص 20.
[311]
لتعميمه على مختلف الانواع واستعمال كلمة واحدة في كافة انواعه. ومن الممكن ان تعترض قائلاً ان الجمال ليس حقيقة واحدة، بل هناك انواع من الجمالات تظهر في الاشياء. وهنا يحق لنا ان نتساءل: ما هو الدافع الذي يقودك للقول بأن الزهرة والوجه الصبوح والمنظر الطبيعي والليلة المقمرة تشترك جميعها في صفة واحدة وهي صفة الجمال؟ الا يعني الاعتراف بوجود اشتراك بين الجمالات انك قد وجدت عامل الاشتراك الذي تتشابه فيه هذه المظاهر؟ فمن هو الذي جعل عامل الاشتراك هذا مفهوماً ومقبولاً لديك؟
مما لا شك فيه انك لم تنتزع هذا العامل المشترك من المظاهر الموضوعية او العينية، لان عينك لم تشاهد شيئاً في الزهرة الجميلة يشبه ما هو موجود في الليلة المقمرة. اضافة الى ذلك انّ التشابه بين الاشياء لا يُدرك دون المقارنة بينها، ومن الواضح ان المقارنة عمل ذهني وليس حساً طبيعياً. ويجب ان نقول بالنتيجة انّ ذهنك يحمل فكرة عامة عن الجمال يقارن على اساسها بين الاشياء خارج الذات والاشياء داخل الذات.
واذا لم يكن للفكرة اي مدلول في العالم يمكن ان تُقارن به، فالجمال في هذه الحالة يُعدّ ظاهرة خيالية من نسج الذهن، وهذا ما ينسجم مع الفلسفة السفسطائية التي تقول: الادراك الشخصي للانسان هو مقياس لكافة الاشياء في الكون، فكل ما يراه جميلاً فهو جميل، وكل ما يراه قبيحاً فهو قبيح. وعلى هذا الاساس لا يوجد اي طريق امامنا سوى ان نقول: فكرة الجمال الموجودة في عقلنا تنطبق مع حقيقة واقعية خارج اطار ذهننا وعقلنا. ويصح هذا التفسير على العدل والخير، والبياض والسواد، وباقي الظواهر الكونية الاخرى(1).
وعلى صعيد آخر فان تحليل الجمالات الموضوعية ومن اي نوع كانت، ليس كافياً للتفسير النهائي. فلو شرعت بالبحث عن علة جمال شجيرة ورد من حيث الشكل واللون وطبيعة الاوراق، فمن الممكن ان تحصل على اجوبة شبه شافية في المراحل الاولى من البحث، الا ان التفسير التحليلي لاي نوع من انواع الجمالات لا يصل الى تحديد العلل النهائية حتى على يد الاخصائيين في علم الجمال. فأنت ما ان تشير الى علة جمال اللون او الشكل حتى يُطرح عليك سؤال حول هذه العلة. وربما يشير صائب التبريزي الى هذا
______________________________
(1) قصة الفلسفة اليونانية والوسطى والحديثة، احمد امين، ج 1، ص 161 - 162.
[312]
المعنى في البيت التالي:
افتح العين لمشاهدة الصنع الالهي واغلق الشفة***فالأفضل رؤية خط الاستاذ بدلاً من قراءته
ويتفق هيغل مع افلاطون في رأيه بالجمال مع فارق واحد وهو ان هيغل يرى أنّ كافة الجمالات تعبّر عن مثال واحد (فكرة معقولة عامة)، في حين يعتقد افلاطون انّ كل نوع من انواع الجمالات، ظل او تعبير عن مثال واحد (فكرة ماوراء الطبيعة المعقولة). فيقول هيغل على هذا الصعيد: «الضياء المطلق من خلف حجاب عالم المحسوسات يسمى الجمال. ويشترط في مفهوم الجمال ان يكون موضوعه محسوساً، اي ان يكون حقيقة تستشعرها الحواس كالنصب او المبنى او الايقاع المحبب، او ان يكون على الاقل صورة ذهنية لشيء محسوس مثل ذلك الذي يصنعه الشعر، فالجمال لا يمكن ان يكون شيئاً تجريدياً ومنتزعاً. اذاً فعين الجمال او موضوعه هو الذي يطرح نفسه على الحواس فيتجلى للذهن او الروح، لانّ وجود الحس الخفي ليس جمالاً بذاته، وانما يصبح جمالاً حيثما يبصر الذهن شعاع ضياء المثال من خلاله. ولما كان المثال حقيقة مطلقة فلابد أن تكون الحقيقة والجمال شيئاً واحداً لأنهما مثال واحد وان كانا متميزين في نفس الوقت».
ويخلص هيغل الى القول: «غير ان جمال الطبيعة يعاني من بعض النقائص والسلبيات. فمن ضروريات عرض الجمال الحقيقي، اللانهائية والحرية. فمثال الفكرة الكلية مطلق لا ينتهي...»(1).
ولو دققنا النظر في ما تحدث به افلاطون وهيغل، لوجدنا انهما يتحدثان عن حقيقة يمكن ان نطلق عليها «الحقيقة المطلقة»، ولن نجد بينهما تفاوتاً كبيراً في الرأي، ولظهر لنا انهما يقدّمان للجمال مفهوماً واحداً. نُضيف الى ذلك القول ان نظرية هيغل الجمالية تتفق في الواقع مع نظرية بعض ابرز فلاسفة وشعراء المسلمين كالشاعر العارف جلال الدين الرومي المعروف بالمولوي التي ترى ان مظاهر الجمال هي مظاهر للجمال الالهي المطلق. ولا يراد في ذلك ان جمالات الطبيعة او الفن شبيهة بالجمال المطلق الالهي، بل المقصود ان الجمال نموذج من الكمال المطلق الجامع لكافة الصفات الالهية.
______________________________
(1) فلسفة هيغل، و. ت، استيس، ترجمة الدكتور عنايت، ص 617.
[313]
وليس هناك شك في ان استدلال افلاطون والمولوي على رفض النمط الفكري القائل بأن الجمال ظاهرة موضوعية بحتة ندركها بحواسنا، استدلال رصين غير قابل للرفض وذلك:
1 - ان تنوع الجمالات كبير الى درجة ان البحث عن التشابه الموضوعي بين هذه الانواع يعد أحد الاعمال التي لا معنى لها. فعلى حد تعبير افلاطون ما هو وجه الشبه بين الليلة المقمرة وبين الزهرة القهوائية التي زينها عدد كبير من النقاط البيضاء؟ وما هو وجه الشبه بين جمال وجه الانسان وريش الطاووس؟
2 - ان كل ما هو محسوس يقع ضمن حركة التحولات الذاتية والظاهرية، وليس له من عودة ابداً، بل ولا يمكن له ان يتكرر ايضاً حتى في مكان واحد وزمان واحد. اذاً ما هي علة ادراك وقبول الجميع للمفاهيم التي تطرح كحقائق وقوانين عامة وثابتة عن الظواهر داخل وخارج الذات؟
ويمكن ان يكون استدلال افلاطون والمولوي اجابة على مثل هذه التساؤلات، غير ان هذا الاستدلال لا يلزمنا بشكل قاطع بقبول الافكار العامة الثابتة (اي مثل حقائق ماوراء المحسوس) في عالم خارج الذات، بل ويمكن ان يطرح امامنا ثلاثة مواضيع اخرى:
الموضوع الاول: وجود حقائق في داخل الذات تصل الى مرحلة العقلية من خلال تزايد الافكار والتجارب المفيدة والاخلاص في فهم الجمال واهدافه المعقولة.
ولابد أن تتفتح الازهار الجميلة في داخل النفس الانسانية عند تعاظم المشاعر الفكرية العليا. وهذا لا يعني ان زهرة العالم العيني، من صنع ذات الانسان، بل ان النفس الانسانية تتصف بجوهر الجمالات وتمتزج بالجمال.
الموضوع الثاني: الوجود الحقيقي للجمالات في العالم وجود موضوعي عيني يؤدي الى اشاعة الهدوء في النفس الانسانية. وقد جعل الله هذه الحقائق في نظام الوجود انطلاقاً من حكمته البالغة، فتعمل على الحدّ من خشونة المادة التي لا تكثرت قوانينها بالنفس الانسانية والتي تطبق امتداداتها على عالم الطبيعة. ولولا جمالات عالم الوجود، لجعلت خشونة المادة ولاابالية قوانينها التي تعرقل نفوذ الروح وعبورها من الحياة مرحلة
[314]
لاتطاق. ولو تفحصنا الوضع النفسي لاولئك الذين لا يشعرون باللذة والراحة في عالم الطبيعة، لوجدناهم ممن ألغى شعور البحث عن الجمال، او ان العوامل البيئية والاجتماعية القاهرة هي التي ابطلت مفعول هذا الشعور.
وفي عصرنا الراهن ضغطت الماكنة اللاواعية بمختلف انواعها على الانسان الواعي، ولهذا فان موضوع علاقة الانسان بالجمالات، يعد احد العوامل المهمة جداً في نضارة وغضاضة الحياة، لا سيما جمالات الطبيعة وجمالات الاهداف والشعارات المعقولة. وقد أُقصي الانسان الى حد ما عن هذين النوعين من الجمالات بفعل قسرية الحياة الميكانيكية. ولهذا اكتنف حياة الناس شعور بالخوائية والعبثية الى درجة ادى الى ضعف الطاقة الحياتية التي تعدّ اقوى الطاقات.
مما سبق، يتلخص مفهوم الجمال في انّ الحكمة الالهية البالغة قد اوجدت ذلك المقدار العظيم من المظاهر الجمالية في كيان الطبيعة من اجل اشاعة الهدوء في النفس الانسانية واستمرار الحياة. كما انه تعالى اوجد استعداد التجميل لدى الانسان فيقوم بصناعة زجاجات ملونة وشفافة في سجن الحياة الكبير، فيجعل من هذا السجن قابلاً للتحمل والعيش.
الموضوع الثالث: الانسان ومن خلال علاقته بالجمالات، يدرك انّ خالق الوجود ليس موجداً صانعاً محضاً للوجود، بحيث يقتصر على ايجاد الكائنات وتحريكها، ثم يدعها وشأنها، فيحصل الناس خلال مدّ الحياة وجزرها على المعارف ويعطلون استعداداتهم المتنوعة بحفنة من الخيال والوهم. بل ان الله تعالى قد جعل القوانين والاصول في العالم طريقاً لمعرفة حكمته، وجعل شعور البحث عن الكمال لدى الانسان طريقاً لمعرفة الكمال والدوران في مداره، وجعل الجمالات عاملاً لسروره وبهجته الداخلية كي يصبحوا عبر هذا الطريق ضمن مجال الجاذبية الالهية المطلقة.
وتذكر الله في الحقيقة، يعني تذكر حكمة الله وكماله وجماله المطلق مما يدفعه للحركة ضمن مدار جاذبيته. وذلك الذي لا يحركه الكمال والجمال الالهي نحو النمو والتسامي الروحي، فليس بمقدور النظام وقانون عالم الوجود الرفيع ان يرشده نحو الحكمة الربانية.
ولابد من الاشارة الى نقطة في غاية الاهمية وهي انه لا يمكن ادراك مظهر الفكرة
[315]
المطلقة على حد تعبير هيغل والمعشوق الجميل المطلق على حد تعبير المولوي في مظاهر الجمال المحسوسة او القضايا المعقولة بدون تنقية النفس من الادران والتلوثات الحيوانية والخروج من مستنقع العلاقات المحدودة والمحددة للفكر والشهود الجمالي. وهذه ليست نصيحة اخلاقية محترفة كما يتصور بعض الكتاب، وانما لما كان من العسير على العقل الانساني ادارك القانون العام للعلوم بدون التخلص من مخالب المحسوسات المتغيرة والاهواء غير المنطقية، كذلك لا يمكن للذهن البشري ادراك مظهر الفكرة المطلقة والكمال المطلق بدون تصفية النفس وتنقيتها.
فمادام المرء يغوص في مستنقع الذاتية، فليس بامكان اي ظاهرة وقانون في اطار الوجود ان ينقذه من اطر مواقفه الخاصة وألاعيب حواسه الطبيعية المحضة، والارتفاع به الى الذرى التي يلمح من خلالها عظمة النظام والقانون والوجه الرياضي للوجود. كما ليس بامكان تغاريد الطير الجميل والليلة المقمرة والسماء الزرقاء بنقاطها الذهبية ان تحلّق به في الفضاء العلوي، كي تداعب انوار الجمال المطلق بصيرته، ويطّلع على فظاظة المادة ولاابالية قوانينها ومظاهرها القبيحة. فمادام المرء ينسج نماذج وانماط القبح والجمال والقيم واللاقيم واللذة والحزن من خيوط اهوائه ومعلوماته الناقصة، فكيف بامكانه ان يدرك جمال الله ويفسّر جمالات الوجود بشكل قاطع وجذري؟
وكيف يمكن تصور ان ينظر الانسان الشيطاني الى السماء الزرقاء كما ينظر اليها الانسان الالهي فتضفي دموع الشوق الى الجمال على وجهه جمالاً اروع من جمال السماء؟
ومن اجل ادراك الجمال العلوي في هندسة الوجود، فلابدّ من تحول استعداد مشاهدة الجمال الموجود في ذات الانسان من حالته الكامنة الى الحالة المتحركة.
ودوره في تسامي
النفس الانساني
العلامة محمد تقي الجعفري
تعريب : عبدالرحمن العلوي
نظراً لقبول الاسلام للجمال ضمن اطر الطبيعة، والنتاجات البشرية الفكرية واليدوية، والاهداف المعقولة، وماوراء الطبيعة، لهذا فان دراسة الجمال دراسة علمية هادفة ليست مفيدة على الصعيد المعنوي فحسب، بل وتعد خطوة ضرورية لفهم التعامل مع الحياة، فضلاً عن كونها عملاً لابد منه للتعرف على الفنّ من المنظار الكلامي.
ولاجل الدخول الى هذا البحث لابد من توضيح اربع مفردات مهمة قد لا يميز الكثيرون بينها وبين مفردة «الجمال»، مما يؤدي الى حدوث الكثير من الشطحات والاخطاء عند دراسة «علم الجمال» وهذه المفردات هي:
1 - القيمة
وهي عبارة عن النوعية المنتزعة من الفائدة التي تتسم بها حقيقة من الحقائق، وقد لا تملك بذاتها حقيقة موضوعية، الا انها تفهم كحقيقة على اساس منشأ انتزاعها الذي هو «الفائدة» بمعناها العام.
2 - اللذة
وهي عبارة عن الرضا النفسي الناجم عن نيل الانسان لشيء يرى انه خير وفائدة
[305]
وكمال. وهذا التعريف للذة تعريف بسيط وابتدائي، فمعرفة الحقيقة وانواعها يعدّ من اعقد واطول المباحث النفسية والفلسفية.
3 - التعجب
هو الحالة الذهنية المتولدة عن توقف الانسان امام موضوع او حدث ما خارج دائرة القوانين والمبادئ المعروفة، وبشكل عام خارج معلومات الانسان ومعارفه وظروفه النفسية.
4 - الجودة
عبارة عن اتصاف موضوع او حدث بعناصر الكمال التي يمكن للموضوع او الحدث ان يتحملها.
ونحن نعلم ان هذا التعاريف ليست كاملة، غير ان هدفنا تقديم صورة بسيطة عنها يمكن لنا من خلالها ان نميزها عن الجمال.
ولابد لنا هنا ان نتحدث بايجاز عن العلاقة بين كل من هذه المفردات الاربع والجمال ومدى انطباقها او انفصالها عنه:
1 - اللذة والجمال
ان الجمال في الحقيقة يلازم اللذة باستمرار، اي بامكاننا القول ان ادارك الجمال واستيعابه يؤدي الى الشعور باللذة، الا انّ كل شعور باللذة لا ينجم بالضرورة عن ادراك الجمال. فنحن نعلم ان عوامل اللذة كثيرة ومتنوعة احدها العامل الاخير. فالانتصار على العدو مثلاً يحقق هو الآخر الشعور باللذة، لكنه ليس من سنخ الجمالات، وانما يتم تحقيقه من خلال اقسى الظواهر واكثرها الماً، ومع ذلك فهو يبعث على اللذة. والاغرب من ذلك اننا قد نشعر باللذة احياناً حتى عند مشاهدة منظر قبيح لما له من اتصال خاص بذواتنا ونفسياتنا، مثل مشاهدة كوخ طيني يذكرنا بذكريات طفولتنا.
2 - القيمة والجمال
لو اخذنا القيمة بالمعنى الذي اشرنا اليه فيما سبق، فسيكون لها مفهوم اوسع من الجمال،
[306]
لان المواد الضرورية التي تستهلك خلال الحياة وينظر اليها كمعدات ووسائل مرغوبة، تتصف بالقيمة والاهمية، لكنها لا تتصف بالجمال، او لا تطرح كجمال بشكل مستقل. وهنا يمكن ان نقول: ان كل جمال له قيمة. وليس المقصود بالقيمة، القيمة المتبادلة لان ذلك الجزء من جمالات الطبيعة الذي لا يقبل الانتقال والملكية والحيازة الشخصية، خارج عن مجرى التبادل مثل جمال السماء والكواكب والقمر والجبال والوديان والاشجار.
3 - التعجب والجمال
على ضوء التعريف الذي قدمناه للتعجب نقول اننا لا نريد بتوقف ذهن الانسان امام موضوع او حدث، ركود هذا الذهن تماماً، وانما نريد به مراوحته امام تلك الحالة المتعارضة مع الاصول المثبّتة في الذهن. وقد يكون ذلك التعجب ناجماً عن الشعور بعظمة الظاهرة المشاهدة، او الشعور بتفاهتها، مثل ارتكاب احدى الشخصيات الفاضلة لبعض الاعمال المشينة. وهذا النوع من التعجب يرتفع عند ارتفاع الجهل، ولهذا قيل: «عند العلم بالاسباب يرتفع الاعجاب».
4 - الجودة والجمال
الجودة والجمال يلتقيان عند نقطة واحدة ويفترقان في نقطتين. فاما نقطة الالتقاء فهي ان بعض الحقائق تتصف بصفتي الجودة والجمال معاً مثل المنظر الطبيعي الذي تتصف بعض اجزائه بعناصر الكمال النسبي، فضلاً عن اتسامه بالمظهر الجمالي.
واما نقطتا الافتراق:
1 - قد نجد حقيقة ما تتصف بالجودة والعلو، الا انها لا تتميز بمظهر جمالي، مثل ماكنة الحراثة. فهذه الماكنة تحمل العناصر المطلوبة لاداء الهدف المتوخى من صنعها رغم قباحة منظرها.
2 - مظاهر الجمال العادية الموجودة حوالينا والمؤلّفة من عناصر بسيطة والوان شائعة، تعدّ مظاهر جميلة الا أنها ليست من النوع الرائع الذي يلفت الانتباه او يقع ضمن اطار «الجودة».
[307]
ومما سبق نفهم ان القيمة او اللذة او التعجب او الجودة، لا يمكن ان تكون مفردات مرادفة للجمال، الا انها يمكن ان تكون من خصائص الجمال ومواصفاته.
ما هو الجمال؟
هل ان الجمال حقيقة موضوعية وعينية محضة ينحصر دور الذهن في ابرازها وعكسها، ام انه عبارة عن الادراك والاستيعاب الذهني للظواهر الموضوعية، بحيث ينعدم الجمال مع عدم وجود مثل هذا الادراك، ام انه حقيقة موضوعية عينية يعد ادراكها نوعاً من الجمال المتصل بالشهود او الذوق او الشعور الخاص بالذهن الانساني؟
اذاً هناك ثلاثة آراء مهمة على هذا الصعيد:
الاول: الجمال ظاهرة عينية وموضوعية تحظى بقبول الذهن، ولا دور للذهن الانساني سوى عكس او ابراز هذه الظاهرة.
الثاني: الجمال عبارة عن التلقي والادراك الذهني للظواهر الموضوعية، ولا وجود للجمال في حالة عدم توفر الذهنية المدركة.
الثالث: الجمال ذو قطبية ثنائية، اي انه ظاهرة مرتبطة بقطبي داخل الذات وخارج الذات.
ويأخذ بعض المفكرين بالرأي الاول ويعتقدون انّ الذهن الانساني في تعامله مع الجمال اشبه بالمرآة التي لا تعكس سوى الجسم الموضوع امامها. في حين وقف آخرون في الجهة المضادة بالضبط فقالوا: الجمال لا يوجد سوى في داخلنا، اما خارج ذواتنا فليس هناك جمال او قبح!
واذا اخذنا بهذا الرأي فلا يمكن قبول الرأي القائل ان العالم الطبيعي صورة لمدركاتنا، لان حقائق العالم الموضوعية موجودة سواء ادركناها ام لم ندركها. ومن افراد هذه المجموعة يمكن الاشارة الى «بي برغاستالا» الذي يقول: «لا يوجد الجمال الا في وجودنا، وكلما كان غنياً وكلياً، كان شديداً ايضاً. فالجمال مجرد شعور حساس بمظاهر الجمال. كما انه ليس سوى قوة واستغناء يتمتع بهما طبعنا».
والانتقاد الموجه للرأي الاول هو: لو كان الجمال عبارة عن ظاهرة موضوعية تحظى بقبول الذهن، وليس لهذا الذهن اي دور فيها سوى عكسها، فكيف نعلل اللذة الناجمة
[308]
عن ادراك الجمال؟ فالشعور بلذة الجمال يدل على وجود اتصال ما وراء اتصال الانعكاس الذهني المجرد بين الجمال وذهن ونفس الانسان. الم يشعر كل منا كيف يؤثر الجمال على نفوسنا في بعض الاحيان بحيث نفقد صوابنا او يؤدي الى شلِّ سائر نشاطاتنا الذهنية للحظات او ساعات، او الى تحريك دماغنا وتنشيطه بحيث تذوب الاسئلة التي ربما شغلته لسنوات طويلة كذوبان الجليد بفعل حرارة الشمس؟
وحينما نقف امام الجمالات، قد يصبح بامكاننا تفسيرها الى حد ما وتبيان اسبابها وتأثيراتها على الذهن والنفس، واللذة التي تمنحها لنا. وفي هذا التفسير والتعليل نفيد بشكل رئيس من محتويات نفوسنا. السنا عندما نشاهد مظهراً افقياً مفتوحاً، نلجأ بشكل عفوي الى استعراض المسار الحياتي الذي نمر به، ونتلذذ به؟
وعلى صعيد آخر فان مجموعة كبيرة من الجمالات، هي الجمالات التي تجسّد اهدافنا المعقولة ولهذا لا يمكن للرأي الاول ان يقدم تفسيراً صحيحاً للجمال.
اما الرأي الآخر الذي يرى الجمال عبارة عن التلقي والفهم الذهني للظواهر الموضوعية، فأصحاب هذا الرأي ينكرون موضوعية الجمال كمظهر وتجسيد للجمال. والرد على هذا الرأي واضح، لان دعاته يقولون لو اننا عرفنا النفس الانسانية فلا حاجة الى علم الجمال وسيغنينا علم النفس عنه، وهذا امر لا يختلف احد في خطئه. والانتقاد الآخر الموجّه لهذا الرأي هو: لماذا تقوم كافة التيارات والمظاهر الطبيعية والانسانية باثارة شعورنا او شهودنا وتذوقنا للجمال واشباعه؟ ولماذا تبدو الجمالات باشكال ونوعيات مختلفة بحيث يترك كل شكل ونوعية لوناً خاصاً من التأثر واللذة فينا؟
والرأي الآخر القائل بأن الجمال حقيقة ثنائية القطب، وان مظاهر الجمال لا تختلف عن باقي الحقائق والظواهر الطبيعية الاخرى سواء كان هناك انسان يراها ويتلذذ بها، ام لم يكن، فمن المؤكد ان الحيوانات لا تتلذذ برؤية الجمال الطبيعي او الفني ولا تبدي ردود الفعل الذهنية والنفسية التي نبديها نحن بني الانسان. فالحيوانات حينما تشاهد اجمل الورود، فانها تدير ظهرها لها بمجرد ان تدرك انها لا تصلح طعاماً لها، وتنطلق باتجاه الاحراش والعواسج. فلماذا يدرك الانسان الجمال بذهنه ونفسه ويتلذذ به؟
وبغض النظر عن الذهن والروح، فلو لم يكن للحقيقة وجود، لانتفى موضوع الجمال
[309]
ايضاً حتى ولو وُجد الانسان وكان على اعلى درجات الشعور والاحساس من حيث الفهم الذهني والتلقي النفسي. ولو افترضنا ان الانسان يتلذذ بالافكار التي تسري في ذهنه، فمن الطبيعي أن المدرك في هذه الظاهرة النفسية يختلف عن المدرَك، بل حتى الفنان الذي يلقي نظرة على اثره الفني، فانه يدرك جمال اثره العيني بشكل يختلف عن ادراكه الذاتي.
وهناك ثلاثة عناوين قد يحصل خطأ لدى بعض المفكرين في فهمها لا يتمكنون في انقاذ انفسهم منه وهي:
الامر الاول:
اصالة قطب داخل الذات في مفهوم الجمال. وكما اشرنا من قبل ليس هناك من شك انه لو لم يكن للـ «انا» وجود بظروفها الذهنية والنفسية الخاصة، لما كان وجود للشعور بالجمال والتأثر به. فالجمال لا مفهوم له كحقيقة بالنسبة لنا بدون ارتباط المنظر بقطب داخل الذات. ولهذا فان الذهن البشري في مفهوم الجمال يتمتع بالاصالة باعتباره احد الاساسين او القطبين. غير ان الافراط على هذا الصعيد اي اعتبار كل ما موجود هو القطب الذاتي والذهن البشري سيحول علم الجمال آخر المطاف الى علم النفس.
الامر الثاني:
نسبية الجمال. وتنبع هذه النسبية من مصدرين مهمين:
الاول: المظهر الموضوعي خارج الذات. فمن المؤكد ان باقة الورد البسيطة ذات اللون البسيط العادي، تختلف عن باقات الورد ذات الالوان الزاهية الجميلة التي لابد وان يكون جمالها اعظم واروع بكثير من الباقة الاولى. كما ان الصوت الهادئ الذي يبعث الارتياح في نفس السامع يختلف هو الآخر عن الايقاع المتزن الذي لابد وان يكون اجمل من الاول.
الثاني: الظروف الذهنية والنفسية اثناء التعامل مع الجمال. فنسبية تلقي الجمالات وادراكها، قضية بديهية وواضحة على ضوء طبيعة قطب الذات الداخلي وتنوع الثقافات ومختلف الظروف المؤقتة والدائمية الاخرى.
[310]
الامر الثالث:
عندما تُطرح علينا حقيقة ما على اساس انها حقيقة جمالية، فهل ان ابعادها الجمالية تقتصر فقط على ما طُرح علينا، ونعتبرها جميلة على هذا الاساس فحسب، ام ان الجمال حقيقة تقودنا الى حقيقة أخرى؟ اي هل لنا ان نقف عند حدود تلك الحقيقة الجميلة ونعتبرها الهدف النهائي لذلك المظهر الذي عُرِض علينا؟ بعبارة أخرى: هل يحق لذهننا او هل يستطيع ان يجتاز ذلك المظهر الى حقيقة اخرى ارفع واكثر معقولية واصالة من الاولى؟ وهل علينا ان نتلقى هذه الحقيقة الجميلة على اساس انها رمز يخفي خلفه حقيقة أخرى؟ بعبارة اوضح: هل الجمالات العينية رموز وظلال لحقائق تختفي خلف ستارات الجمال، وانّ هناك حقيقة أخرى كامنة خلف هذه المظاهر الجمالية؟
ويمكن ان ننسب بداية الاهتمام بهذا الامر الى افلاطون لقوله ان روح الانسان في عالم المجردات وقبل دخولها الى عالم الدنيا، كانت تشاهد حقيقة الجمال والحسن المطلق بدون حجاب. وحينما تبصر الحسن الظاهري المجازي في هذه الدنيا، تذكر الجمال المطلق الذي شاهدته من قبل، فتحزن لفراقه، وتتوق اليه، فتصبح اشبه بالطير الحبيس الذي يتطلع للانفلات من القفص(1).
وطبقاً للآثار التي خلفها افلاطون فانه يرى الجمالات المحسوسة في عالم الطبيعة ظلاً ورمزاً للجمال المطلق، وليس بامكانها ان تشبع الشعور بالحاجة الى الجمال لدى الانسان.
ويستدل افلاطون على مجازية وظليّة الجمالات بقوله:
لو قيل لك ما هو الجمال؟ لأشرت الى زهرة وقلت: هذه جميلة، او لأشرت الى وجه جميل وقلت: هذا جميل. ومن الممكن ان تشير الى منظر طبيعي او الى القمر. نعم كل هذه المظاهر جميلة، اي انها مظاهر للجمال، الا انك لم تخبرني ما هو الجمال. فأنا اسألك عن حقيقة الجمال لا عن مظاهر يتجلى فيها. فاذا كان الجمال في الزهرة فقط، فمن المحال ان يتجلى في شيء آخر كالقمر او المنظر الطبيعي او الوجه الحسن. وهذا يؤكد على ان الجمال حقيقة عامة. كما يمكن الاستدلال على وحدة حقيقة الجمالات من خلال وحدة الكلمة المستخدمة في كافة مظاهر الجمال. فاذا كان الجمال خاصاً بنوع من المظاهر، فلا معنى
__________________________________
(1) سير الحكمة في اوروبا، فروغي، ج 1، ص 20.
[311]
لتعميمه على مختلف الانواع واستعمال كلمة واحدة في كافة انواعه. ومن الممكن ان تعترض قائلاً ان الجمال ليس حقيقة واحدة، بل هناك انواع من الجمالات تظهر في الاشياء. وهنا يحق لنا ان نتساءل: ما هو الدافع الذي يقودك للقول بأن الزهرة والوجه الصبوح والمنظر الطبيعي والليلة المقمرة تشترك جميعها في صفة واحدة وهي صفة الجمال؟ الا يعني الاعتراف بوجود اشتراك بين الجمالات انك قد وجدت عامل الاشتراك الذي تتشابه فيه هذه المظاهر؟ فمن هو الذي جعل عامل الاشتراك هذا مفهوماً ومقبولاً لديك؟
مما لا شك فيه انك لم تنتزع هذا العامل المشترك من المظاهر الموضوعية او العينية، لان عينك لم تشاهد شيئاً في الزهرة الجميلة يشبه ما هو موجود في الليلة المقمرة. اضافة الى ذلك انّ التشابه بين الاشياء لا يُدرك دون المقارنة بينها، ومن الواضح ان المقارنة عمل ذهني وليس حساً طبيعياً. ويجب ان نقول بالنتيجة انّ ذهنك يحمل فكرة عامة عن الجمال يقارن على اساسها بين الاشياء خارج الذات والاشياء داخل الذات.
واذا لم يكن للفكرة اي مدلول في العالم يمكن ان تُقارن به، فالجمال في هذه الحالة يُعدّ ظاهرة خيالية من نسج الذهن، وهذا ما ينسجم مع الفلسفة السفسطائية التي تقول: الادراك الشخصي للانسان هو مقياس لكافة الاشياء في الكون، فكل ما يراه جميلاً فهو جميل، وكل ما يراه قبيحاً فهو قبيح. وعلى هذا الاساس لا يوجد اي طريق امامنا سوى ان نقول: فكرة الجمال الموجودة في عقلنا تنطبق مع حقيقة واقعية خارج اطار ذهننا وعقلنا. ويصح هذا التفسير على العدل والخير، والبياض والسواد، وباقي الظواهر الكونية الاخرى(1).
وعلى صعيد آخر فان تحليل الجمالات الموضوعية ومن اي نوع كانت، ليس كافياً للتفسير النهائي. فلو شرعت بالبحث عن علة جمال شجيرة ورد من حيث الشكل واللون وطبيعة الاوراق، فمن الممكن ان تحصل على اجوبة شبه شافية في المراحل الاولى من البحث، الا ان التفسير التحليلي لاي نوع من انواع الجمالات لا يصل الى تحديد العلل النهائية حتى على يد الاخصائيين في علم الجمال. فأنت ما ان تشير الى علة جمال اللون او الشكل حتى يُطرح عليك سؤال حول هذه العلة. وربما يشير صائب التبريزي الى هذا
______________________________
(1) قصة الفلسفة اليونانية والوسطى والحديثة، احمد امين، ج 1، ص 161 - 162.
[312]
المعنى في البيت التالي:
افتح العين لمشاهدة الصنع الالهي واغلق الشفة***فالأفضل رؤية خط الاستاذ بدلاً من قراءته
ويتفق هيغل مع افلاطون في رأيه بالجمال مع فارق واحد وهو ان هيغل يرى أنّ كافة الجمالات تعبّر عن مثال واحد (فكرة معقولة عامة)، في حين يعتقد افلاطون انّ كل نوع من انواع الجمالات، ظل او تعبير عن مثال واحد (فكرة ماوراء الطبيعة المعقولة). فيقول هيغل على هذا الصعيد: «الضياء المطلق من خلف حجاب عالم المحسوسات يسمى الجمال. ويشترط في مفهوم الجمال ان يكون موضوعه محسوساً، اي ان يكون حقيقة تستشعرها الحواس كالنصب او المبنى او الايقاع المحبب، او ان يكون على الاقل صورة ذهنية لشيء محسوس مثل ذلك الذي يصنعه الشعر، فالجمال لا يمكن ان يكون شيئاً تجريدياً ومنتزعاً. اذاً فعين الجمال او موضوعه هو الذي يطرح نفسه على الحواس فيتجلى للذهن او الروح، لانّ وجود الحس الخفي ليس جمالاً بذاته، وانما يصبح جمالاً حيثما يبصر الذهن شعاع ضياء المثال من خلاله. ولما كان المثال حقيقة مطلقة فلابد أن تكون الحقيقة والجمال شيئاً واحداً لأنهما مثال واحد وان كانا متميزين في نفس الوقت».
ويخلص هيغل الى القول: «غير ان جمال الطبيعة يعاني من بعض النقائص والسلبيات. فمن ضروريات عرض الجمال الحقيقي، اللانهائية والحرية. فمثال الفكرة الكلية مطلق لا ينتهي...»(1).
ولو دققنا النظر في ما تحدث به افلاطون وهيغل، لوجدنا انهما يتحدثان عن حقيقة يمكن ان نطلق عليها «الحقيقة المطلقة»، ولن نجد بينهما تفاوتاً كبيراً في الرأي، ولظهر لنا انهما يقدّمان للجمال مفهوماً واحداً. نُضيف الى ذلك القول ان نظرية هيغل الجمالية تتفق في الواقع مع نظرية بعض ابرز فلاسفة وشعراء المسلمين كالشاعر العارف جلال الدين الرومي المعروف بالمولوي التي ترى ان مظاهر الجمال هي مظاهر للجمال الالهي المطلق. ولا يراد في ذلك ان جمالات الطبيعة او الفن شبيهة بالجمال المطلق الالهي، بل المقصود ان الجمال نموذج من الكمال المطلق الجامع لكافة الصفات الالهية.
______________________________
(1) فلسفة هيغل، و. ت، استيس، ترجمة الدكتور عنايت، ص 617.
[313]
وليس هناك شك في ان استدلال افلاطون والمولوي على رفض النمط الفكري القائل بأن الجمال ظاهرة موضوعية بحتة ندركها بحواسنا، استدلال رصين غير قابل للرفض وذلك:
1 - ان تنوع الجمالات كبير الى درجة ان البحث عن التشابه الموضوعي بين هذه الانواع يعد أحد الاعمال التي لا معنى لها. فعلى حد تعبير افلاطون ما هو وجه الشبه بين الليلة المقمرة وبين الزهرة القهوائية التي زينها عدد كبير من النقاط البيضاء؟ وما هو وجه الشبه بين جمال وجه الانسان وريش الطاووس؟
2 - ان كل ما هو محسوس يقع ضمن حركة التحولات الذاتية والظاهرية، وليس له من عودة ابداً، بل ولا يمكن له ان يتكرر ايضاً حتى في مكان واحد وزمان واحد. اذاً ما هي علة ادراك وقبول الجميع للمفاهيم التي تطرح كحقائق وقوانين عامة وثابتة عن الظواهر داخل وخارج الذات؟
ويمكن ان يكون استدلال افلاطون والمولوي اجابة على مثل هذه التساؤلات، غير ان هذا الاستدلال لا يلزمنا بشكل قاطع بقبول الافكار العامة الثابتة (اي مثل حقائق ماوراء المحسوس) في عالم خارج الذات، بل ويمكن ان يطرح امامنا ثلاثة مواضيع اخرى:
الموضوع الاول: وجود حقائق في داخل الذات تصل الى مرحلة العقلية من خلال تزايد الافكار والتجارب المفيدة والاخلاص في فهم الجمال واهدافه المعقولة.
ولابد أن تتفتح الازهار الجميلة في داخل النفس الانسانية عند تعاظم المشاعر الفكرية العليا. وهذا لا يعني ان زهرة العالم العيني، من صنع ذات الانسان، بل ان النفس الانسانية تتصف بجوهر الجمالات وتمتزج بالجمال.
الموضوع الثاني: الوجود الحقيقي للجمالات في العالم وجود موضوعي عيني يؤدي الى اشاعة الهدوء في النفس الانسانية. وقد جعل الله هذه الحقائق في نظام الوجود انطلاقاً من حكمته البالغة، فتعمل على الحدّ من خشونة المادة التي لا تكثرت قوانينها بالنفس الانسانية والتي تطبق امتداداتها على عالم الطبيعة. ولولا جمالات عالم الوجود، لجعلت خشونة المادة ولاابالية قوانينها التي تعرقل نفوذ الروح وعبورها من الحياة مرحلة
[314]
لاتطاق. ولو تفحصنا الوضع النفسي لاولئك الذين لا يشعرون باللذة والراحة في عالم الطبيعة، لوجدناهم ممن ألغى شعور البحث عن الجمال، او ان العوامل البيئية والاجتماعية القاهرة هي التي ابطلت مفعول هذا الشعور.
وفي عصرنا الراهن ضغطت الماكنة اللاواعية بمختلف انواعها على الانسان الواعي، ولهذا فان موضوع علاقة الانسان بالجمالات، يعد احد العوامل المهمة جداً في نضارة وغضاضة الحياة، لا سيما جمالات الطبيعة وجمالات الاهداف والشعارات المعقولة. وقد أُقصي الانسان الى حد ما عن هذين النوعين من الجمالات بفعل قسرية الحياة الميكانيكية. ولهذا اكتنف حياة الناس شعور بالخوائية والعبثية الى درجة ادى الى ضعف الطاقة الحياتية التي تعدّ اقوى الطاقات.
مما سبق، يتلخص مفهوم الجمال في انّ الحكمة الالهية البالغة قد اوجدت ذلك المقدار العظيم من المظاهر الجمالية في كيان الطبيعة من اجل اشاعة الهدوء في النفس الانسانية واستمرار الحياة. كما انه تعالى اوجد استعداد التجميل لدى الانسان فيقوم بصناعة زجاجات ملونة وشفافة في سجن الحياة الكبير، فيجعل من هذا السجن قابلاً للتحمل والعيش.
الموضوع الثالث: الانسان ومن خلال علاقته بالجمالات، يدرك انّ خالق الوجود ليس موجداً صانعاً محضاً للوجود، بحيث يقتصر على ايجاد الكائنات وتحريكها، ثم يدعها وشأنها، فيحصل الناس خلال مدّ الحياة وجزرها على المعارف ويعطلون استعداداتهم المتنوعة بحفنة من الخيال والوهم. بل ان الله تعالى قد جعل القوانين والاصول في العالم طريقاً لمعرفة حكمته، وجعل شعور البحث عن الكمال لدى الانسان طريقاً لمعرفة الكمال والدوران في مداره، وجعل الجمالات عاملاً لسروره وبهجته الداخلية كي يصبحوا عبر هذا الطريق ضمن مجال الجاذبية الالهية المطلقة.
وتذكر الله في الحقيقة، يعني تذكر حكمة الله وكماله وجماله المطلق مما يدفعه للحركة ضمن مدار جاذبيته. وذلك الذي لا يحركه الكمال والجمال الالهي نحو النمو والتسامي الروحي، فليس بمقدور النظام وقانون عالم الوجود الرفيع ان يرشده نحو الحكمة الربانية.
ولابد من الاشارة الى نقطة في غاية الاهمية وهي انه لا يمكن ادراك مظهر الفكرة
[315]
المطلقة على حد تعبير هيغل والمعشوق الجميل المطلق على حد تعبير المولوي في مظاهر الجمال المحسوسة او القضايا المعقولة بدون تنقية النفس من الادران والتلوثات الحيوانية والخروج من مستنقع العلاقات المحدودة والمحددة للفكر والشهود الجمالي. وهذه ليست نصيحة اخلاقية محترفة كما يتصور بعض الكتاب، وانما لما كان من العسير على العقل الانساني ادارك القانون العام للعلوم بدون التخلص من مخالب المحسوسات المتغيرة والاهواء غير المنطقية، كذلك لا يمكن للذهن البشري ادراك مظهر الفكرة المطلقة والكمال المطلق بدون تصفية النفس وتنقيتها.
فمادام المرء يغوص في مستنقع الذاتية، فليس بامكان اي ظاهرة وقانون في اطار الوجود ان ينقذه من اطر مواقفه الخاصة وألاعيب حواسه الطبيعية المحضة، والارتفاع به الى الذرى التي يلمح من خلالها عظمة النظام والقانون والوجه الرياضي للوجود. كما ليس بامكان تغاريد الطير الجميل والليلة المقمرة والسماء الزرقاء بنقاطها الذهبية ان تحلّق به في الفضاء العلوي، كي تداعب انوار الجمال المطلق بصيرته، ويطّلع على فظاظة المادة ولاابالية قوانينها ومظاهرها القبيحة. فمادام المرء ينسج نماذج وانماط القبح والجمال والقيم واللاقيم واللذة والحزن من خيوط اهوائه ومعلوماته الناقصة، فكيف بامكانه ان يدرك جمال الله ويفسّر جمالات الوجود بشكل قاطع وجذري؟
وكيف يمكن تصور ان ينظر الانسان الشيطاني الى السماء الزرقاء كما ينظر اليها الانسان الالهي فتضفي دموع الشوق الى الجمال على وجهه جمالاً اروع من جمال السماء؟
ومن اجل ادراك الجمال العلوي في هندسة الوجود، فلابدّ من تحول استعداد مشاهدة الجمال الموجود في ذات الانسان من حالته الكامنة الى الحالة المتحركة.