المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إشكالية المنهج في دراسة القصة السبئية.. ...سليم الحسني...


سيد مرحوم
06-16-2005, 04:46 AM
إشكالية المنهج في دراسة القصة السبئية

وقفة مع آراء الدكتور إبراهيم بيضون

سليم الحسني




في كتابه: (عبدالله بن سبأ.. إشكالية النص والدور الاسطورة) يحاول الدكتور بيضون أن يدرس مواقف الباحثين المعاصرين من شخصية عبد الله بن سبأ، فيقسمهم إلى:




منحازين




ومشككين




ورافضين.


والمهم في موضوع ابن سبأ هو ما يتصل بالموقف من شخصيته، فالمنحازون لوجوده كحقيقة تاريخية، لا يمثلون رأياً جديداً باعتبار أن هذا هو الرأي السائد والمتوارث عبر الأجيال، إنما المهم هو الموقف الرافض لوجوده من خلال الدليل العلمي، أما التشكيك في وجوده فلا يمكن أن يكون رأياً قاطعاً في المعيار التخصصي للبحث التاريخي، فهو محاولة انتظار مؤقتة ريثما يصل الباحث الى الموقف الحاسم في الرفض أو القبول.

وعلى هذا فستكون مناقشتنا لما جاء في الكتاب متركزة بالدرجة الاساس على الطريقة التي فهم فيها الاستاذ بيضون آراء الاستاذ العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ)، بإعتبار أن العسكري هو أول الباحثين الذين رفضوا وجود شخصية ابن سبأ، استناداً الى أدلة موسعة وجد فيها دليلاً على كونه وهماً صنعه سيف بن عمر. هذا اضافة الى كون الدكتور بيضون تعرض لمناقشة آراء السيد العسكري في أكثر من موضع من كتابه. والكتاب صدر عام 1997م عن دار المؤرخ العربي، في 126 صفحة من القطع المتوسط،




[160]

وهو بالاصل يضم دراستين نشرهما المؤلف في مجلة المنهاج الصادرة عن مركز الغدير للدراسات في بيروت.

الملاحظة الاولى: في القسم الاول من الكتاب يقول المؤلف في معرض حديثه السريع عن المواقف المعاصرة التي تعاملت مع موضوع ابن سبأ:

(غير أن الشك يصبح يقيناً لدى مؤرخ معاصر، وهو السيد مرتضى العسكري الذي تصدى على نطاق واسع لشخصية ابن سبأ، متوجاً جهوده بكتاب قارب فيه المنهج العلمي وقد صدر في ستينات هذا القرن تحت عنوان "عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى". نقول قارب هذا المنهج، لأن الدخول كلياً فيه يقتضي الحيادية التامة وعدم الانطلاق من فكرة قائمة في تفسير التاريخ، إذ أن العسكري يتعامل مسبقاً مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفقة هدفها النيل من عليّ، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي، في حين أن المؤرخ محكوم من حيث المبدأ بالعودة الى النص، وأي استنتاج يصل اليه انما يكون من داخل النص وليس بعيداً عنه). (ص 24).

ونسجل على هذا القول الذي ساقه الدكتور بيضون، أن العلامة العسكري ليس مؤرخاً، هذا اذا رجعنا الى المعنى الدقيق للكلمة، وكذلك اذا راجعنا مؤلفات العسكري وتأملنا في مواضيعها وتخصصها. وقد أدرج السيد العسكري مؤلفاته في نهاية الجزء الاول من كتابه، تحت عنوان: "موسوعة دراسات في سبيل تمحيص سنّة الرسول (ص)"، وهذا العنوان فيه دلالة كافية على أن هدف المؤلف هو تمحيص السنّة النبوية الشريفة، وهو هدف واسع من ناحية المنهج، فتمحيص السنة يعني تناول كل ما يتعلق بالمصدر الثاني بعد القرآن الكريم من تشريع ومعارف اسلامية.

وعلى هذا فان البحث التاريخي أحد معالم المنهج العام للسيد العسكري، وليس كل منهجه التخصصي حتى يوصف بأنه مؤرخ. وقد أثر هذا الوصف الذي فرضه بيضون على العسكري، وكرره كثيراً، على مجمل دراسته وتقييمه لآراء العسكري، واغلب الظن، أنه لو تنبّه الى عدم دقة هذا الوصف، لكانت مناقشته غير ما جاءت في كتابه. وهذا ما سيتضح اكثر في ما يأتي من مناقشتنا.

الملاحظة الثانية: ان اصرار الدكتور بيضون على كون العلامة العسكري مؤرخاً،

[161]

جعله يصف العسكري، بأنه قارب المنهج العلمي، لأنه تعامل مع الموضوع على أساس الحكم المسبق، ويستند الاستاذ بيضون في هذا الحكم على مقدمة كتاب "عبد الله بن سبأ" بقوله: (ولكن الانحياز الذي يتجلى ابتداءً من المقدمة في الكتاب، وذلك على قاعدة الرفض المطلق لوجود هذه الشخصية، جعل منه طرفاً "مقاتلاً"، أكثر منه مؤرخاً هادئاً يتوخى فقط الحقيقة التاريخية)،(ص 24).

وكرر هذا القول في أكثر من موضع فقد كتب يقول:

(وكما أشرنا في القسم الاول من دراستنا، فان العسكري تناول شخصيته رافضاً لوجودها منذ البداية)،(ص 99).

وفي ختام مناقشته لكتاب العسكري كتب يقول:

(وقد شكل ذلك مدخلاً الى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الاولى من الكتاب)،(ص 102).

وملاحظتنا على الدكتور بيضون، أن الدراسات العلمية الاكاديمية اعتاد مؤلفوها على تلخيص نتائج دراساتهم في المقدمة، وأن هذا المنهج يلتزم به كل باحث أكاديمي، ولعله يعرف جيداً وهو الاستاذ الجامعي، أن كتابة نتائج الرسائل والاطروحات الجامعية بشكل موجز في المقدمة، يعدّ منهجاً معتمداً في الجامعات. وهذا المنهج الاكاديمي إعتمده الاستاذ العسكري عميد كلية أصول الدين في كتابه عبدالله بن سبأ وغيره.

بل أن هذا المنهج درج عليه العلماء في مختلف العصور، ويتسنى التأكد من ذلك بمراجعة سريعة لكتب التاريخ والتفسير وعلوم القرآن والحديث والعقائد، وغيرها من مجالات المعرفة الاسلامية. وعلى هذا فان ذكر نتائج البحث في المقدمة لا يعني أبداً الانطلاق من أحكام مسبقة. لا سيما اذا كان البحث يقدّم نتائج جديدة، ففي هذه الحالة كيف يمكن أن نصف الباحث بأنه انطلق من حكم سابق؟.

يضاف الى ذلك، فإن قسماً من الدراسات تستدعي المنهجية العلمية تلخيص النتيجة في المقدمة، ليلم القارئ بالبحث، فهو ليس أمام رواية مسلية يسير معها بشوق من أجل أن يعرف النهاية، انما هو أمام بحث علمي قابل للمناقشة والحوار والقبول والرفض،

[162]

ومسؤولية الكاتب أن يرشد القارئ الى أفكاره، ويسهل عليه مهمة استيعاب آرائه وفهمها. وما فعله العسكري أنه كتب خلاصة سريعة لنتائجه، وفي ذلك اعتمد المنهج الاكاديمي المطلوب.

لقد فات الاستاذ بيضون على ما أظن أن يقرأ الاسطر الاولى من مقدمة الطبعة الاولى من كتاب "عبد الله بن سبأ" والتي ظلت مثبتة في كل طبعات الكتاب اللاحقة، وفيها يقول المؤلف ما نصه:

(في سنة 1369 هـ بينما كنت أراجع قسماً من المصادر الاسلامية، جرياً وراء مواضيع كنت أبحث عنها، رابني ما وجدت في بعض الروايات الواردة في أشهر الكتب التاريخية القديمة وأكثرها انتشاراً، من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعة، فأخذت أجمع تلك الروايات المريبة وأقارن بينها وبين غيرها، واذا بي أهتدي الى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثنائه وضاعت في تياراته...).

ويستمر العسكري في مقدمته يتحدث عن تاريخ كتابه، فيقول أنه سمّى كتابه أولاً (أحاديث سيف)، ثم اقترح عليه المرحوم الشيخ راضي آل ياسين أن يسميه (عبدالله بن سبأ)، ولم يسارع العسكري الى نشر كتابه، بل أنه أبقاه قرابة سبع سنين، وكان يمنعه من نشره تهيبه من إثارة العواطف، لكنه بعد أن اطلع على كتاب الدكتور طه حسين (الفتنة الكبرى)، وكتاب العلامة الشيخ الأميني (الغدير)، ووجد أنهما تطرقا الى بعض ما كان يتهيب نشره، أقدم على نشر كتابه (عبدالله بن سبأ) عام 1375 هـ.

هذا ما ذكره الاستاذ العسكري في مقدمة الطبعة الاولى، ومنها يتضح أنه توصل الى هذه النتيجة من خلال البحث، ولم تكن نتيجة حكم مسبق. إن مقولة الحكم المسبق في موضوع عبدالله بن سبأ، يمكن أن تنطبق على من يأتي بعد العسكري، أما هو فلا يمكن تقييمه على هذا النحو، لأنه قدم عملاً علمياً يصدق وصفه بالإبداع بحكم النتائج التي سبق غيره في التوصل اليها من خلال الدليل العلمي، ولا يصح أن نصف الاعمال الإبداعية والنتاجات العلمية التي تأتي بجديد، بأنها منطلقة من أحكام مسبقة.

أقول: أغلب الظن أن الاستاذ بيضون لم يقرأ المقدمة، ولو أنه قرأها لما وصف العسكري في مواضع عديدة بأنه ينطلق من حكم مسبق، وربما لم يكن ليسترسل في

[163]

ملاحظاته الأخرى.

الملاحظة الثالثة: يفهم الدكتور بيضون هدف السيد العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ) على النحو التالي حيث يقول:

(إذ أن العسكري يتعامل مسبقا مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفقة هدفها النيل من علي، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي)،(ص 24).

يبدو لنا أن الدكتور بيضون، لم يقرأ الكتاب كاملا بمجلديه الاول والثاني، ولانسأله عما اذا قرأ كتاب العسكري: (خمسون ومائة صحابي مختلق) أم لا، لأن بحثه كان عن عبدالله بن سبأ، وإن كان الكتاب الثاني لا ينفصل عن الاول. والذي يجعلنا نقول هذا، أن كتاب (عبدالله بن سبأ) بمجلديه الأولين، لم يبحث فيهما المؤلف الاسطورة السبئية، انما اشار اليها بشكل سريع في مقدمات الكتاب، لإيضاح منهجه ونتائجه، وأن الاسطورة السبئية خصص لها المؤلف مجلدا ثالثا، لم يطبع بعد يحمل عنوان: (عبدالله بن سبأ والاسطورة السبئية) وفيه يدرس السيد العسكري تفصيلات الاسطورة وكافة ملابساتها، وقد تفضل العلامة العسكري وأطلعني على أقسام من مخطوطته.

وأغلب الظن مرة أخرى أن الدكتور ابراهيم بيضون لم يقرأ أيضاً مقدمة المجلد الثاني من (كتاب عبدالله بن سبأ)، وفيها يبدأ العسكري القول عن طريقة تعامله مع أحاديث سيف، وكيفية تطور فهمه لدوره، حيث كتب يقول:

(في دراساتي الاولى لاحاديث سيف ظننت:

أن سيف بن عمر يروم في ما يضع من رواية، ويختلق من اسطورة الدفاع عن ذوي السلطة والجاه من الصحابة، والحط من مناوئيهم فحسب...

وأنه استطاع أن يخفي هدفه وعمله تحت غطاء من نشر مناقب عامة الصحابة، وكذلك الدفاع عن عامتهم...

وأنه بسبب ذلك راجت رواياته وشاعت، ونُسيت روايات أخرى صحيحة وأهملت حتى اختفت من مصادر الدراسات الاسلامية، وأن ذلك اضرّ بالاسلام والمسلمين! فلما تبين لي كل ذلك خلال دراساتي الاولى حاولت أن أكشف عن هذه الحقائق دفاعاً عن أبرار الصحابة... وأوردت خلاصات عن بعض ابحاثي في كتاب (عبدالله بن سبأ) وطبعته

[164]

عام 1375 هـ بالنجف الاشرف.

ثم تابعت دراساتي عن سيف وأحاديثه، فتبين لي بعد ذلك أن سيف بن عمر لا يهدف الدفاع عن وجهاء الصحابة ويخفي هدفه وراء التظاهر بالدفاع عن عامة الصحابة كما يبديه وحسب، بل يدفعه الى ذلك أمران آخران:

أولاً: يدفعه التعصب القبلي الى تمجيد العدنانيين ونشر فضائلهم، ثم الوقيعة في القحطانيين من قبائل اليمن ونشر معايبهم...

ثانياً: تدفعه الزندقة الى تشويش معالم التاريخ الاسلامي، وتشويه حقائقه، ولذلك صحّف اسماء كثيرة وحرّف اخبارها، وغيّر سنيّ الحوادث التاريخية، واختلق الاساطير وقلب الحقائق، ودسّ الخرافات في عقائد المسلمين...

وعندما ادركت ذلك أخذت أشير الى أهدافه في ما استدركته على كتاب (عبدالله بن سبأ) في طبعته الثالثة ببيروت، وفي ما نشرته من أبحاث في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).

ثم جمعت من أبحاثي عن سيف ما يكشف عن واقعه المذكور آنفاً، وجعلته قسماً ثانياً لكتاب "عبدالله بن سبأ" وهو هذا الكتاب).

هذا مما جاء في مقدمة المجلد الثاني من كتاب (عبدالله بن سبأ)، وقد أوردنا هذه النصوص لإيضاح الصورة أمام الدكتور بيضون، ولنبيّن له أن قوله بأن (العسكري يتعامل مسبقاً مع موضوعه على أساس أنه رواية ملفقة هدفها النيل من عليّ، وربط التيار الذي يمثله بعنصر خارجي)، لم يقارب فيه إلاّ جزءاً يسيراً من الحقيقة، لأن العلامة العسكري تعامل مع دور سيف بشكل شامل، ولم يقف في مجلديه المطبوعين من الكتاب عند الاسطورة السبئية، انما تناول دور سيف في تشويه حقائق التاريخ وعقائد المسلمين والأثر الخطير الذي ترتب على ذلك، وهذا ما تناوله الاستاذ العسكري في بحوث مختلفة من كتبه الاخرى.

الملاحظة الرابعة: يصف الدكتور ابراهيم بيضون عبارات الاستاذ العسكري التي جاءت في مستهل كتابه، بأنها "متوترة"، ويحدد السبب في ذلك بقوله: بأنه (جاء استجابة لهذا الموقف الذي يسارع العسكري الى اعلانه...)(ص 42).

[165]

ذكرنا سابقاً ما يتعلق برأي الاستاذ بيضون، في وصف السيد العسكري بأنه ينطلق من حكم سابق. أما وصفه لعبارات الكتاب بأنها "متوترة"، فقد إستند فيها على نقل نصوص متفرقة من مستهل كتاب (عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى)، واختار المقاطع التي يلخّص فيها العسكري الاقوال التي قالها المؤرخون حول ابن سبأ والسبئيين، والتي تبدأ بكلمات (زعموا، سمّوا)، ولم نجد في النصوص التي إختارها الاستاذ بيضون، وفي ما كتبه العلامة العسكري في تلخيص تلك الاقوال في كتابه، ما يوحي بالتوتر، إلاّ إذا كان الاستاذ بيضون يرى كلمة (زعموا) وكلمة (سمّوا) من الكلمات التي تستخدم في اللغة العربية بما يفيد "التوتر" وأنها كلمات "متوترة". ولا نريد الخوض في ذلك، انما نقول أن المنهج العلمي الامين في تلخيص الآراء يقضي بنسبتها الى أصحابها اما بأسمائهم أو بشكل عام، وهذا ما فعله العسكري، فقد لخص الآراء بشكل عام، ثم عاد ونسبها الى أصحابها باسمائهم وكتبهم في حديثه عن مصادر الاسطورة السبئية. وفي مثل هذه الحالة لابد من استخدام كلمات تبين أن الرأي يعود لجماعة زعموه.

الملاحظة الخامسة: يقول الدكتور ابراهيم بيضون:

(وكما أشرنا في القسم الاول من دراستنا، فان العسكري تناول شخصيته رافضاً لوجودها منذ البداية، دون أن يأخذ بالنقد الرواية أو ينتهي الى استنتاج بشأنها. فقد استهل كتابه بما يشبه التمهيد له، بعنوان "الاسطورة السبئية"، طارحاً أربعة اسئلة وهي: من هو ابن سبأ، من هم السبئيون، وما هي دعواه، وما هي أهم أعماله؟ هذه الاسئلة الكبيرة لم تأخذ من الكتاب سوى ست صفحات، ولا نبالغ اذا قلنا أنها لم تجب على أي منها)::ص 99 100).

ويكفي أن نقول للاستاذ بيضون، أنه لو قام بمراجعة ما كتبه الاستاذ العسكري في مقدمة المجلد الثاني، وما أورده من بحوث في هذا المجلد، حول ابن سبأ والسبئية وابن السوداء، كما أنه لو قرأ قائمة مؤلفات العلامة العسكري في آخر المجلد الاول من كتاب عبدالله بن سبأ، وفيه يدرج العسكري عنوان المجلد الثالث من كتابه، لما أثار هذا الاشكال، لقد تناول السيد العسكري بشكل مفصل شخصية عبدالله بن سبأ في كتب أهل الحديث وفي كتب أهل الملل والنحل، وبحث معنى السبئية ودلالاتها، وكيف أنها

[166]

حرفت عن دلالتها الحقيقية التي كانت تعني النسبة الى قبائل اليمن من سلالة سبأ بن يشجب، وأصبحت تشير الى فرقة مذهبية.

وفي هذا السياق يثير الاستاذ بيضون اشكالا يبعث على الاستغراب، فهو يأخذ على الاستاذ العسكري أنه ذكر كبار السبئيين مثل: أبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر ومالك الاشتر وغيرهم، مقتصرا على ترجمة كل واحد منهم، ويرى بيضون أن ذلك خارج عن الموضوع حيث يقول:

(إلا أن ترجمة هؤلاء ليست بصدد السبئية على الاطلاق، فكيف انخرطوا في هذا "الحزب"، وما كان دورهم فيه، وما كانت وجوه نشاطهم، الى آخر هذه الاسئلة؟ ذلك ما لم تجب عليه "الترجمات"...)، (ص 100 - 101).

والذي يثير الاستغراب، أن اشكال الدكتور بيضون يكون صحيحا لو أن العلامة العسكري يقول بالسبئية، ويرى فيها حقيقة تاريخية، ويرى في عبدالله بن سبأ شخصية لها وجودها ودورها في أحداث التاريخ. لكن العسكري يرفض ذلك كله، فكيف نطالبه ببيان علاقة هؤلاء الصحابة بالحزب السبئي الذي يراه حزبا وهميا من الاساس؟. وهو انما أورد تراجم الصحابة السبعة، ليكشف عن محاولة النيل من أبرار الصحابة، وكيف أن سيف بن عمر رماهم بتهمة لا أساس لها أصلا حسب رأي السيد العسكري، وردد من أخذ عن سيف هذه التهمة التي نالت هؤلاء ومئات غيرهم من أبرار المسلمين من صحابة وتابعين.

الملاحظة السادسة: يختتم الدكتور بيضون القسم الاول من كتابه بالنتيجة التالية التي يثبت فيها رأيه حول موضوع ابن سبأ، فيقول:

(وسواء كانت هذه الشخصية موجودة بالفعل، أم أنها تلفيق من انتاج التواتر الإخباري المعقد، فان الدور المنسوب لها لا يشكل بنظر المؤرخ العلمي تلك الاهمية التي أحيطت به. وبناء على ذلك فان حركة ابن سبأ، بالقليل جدا من المادة حولها، من الصعب اتخاذ موقف اكثر وضوحا بشأنها، وهي لا تعدو بالتالي أن تكون ان وجدت فعلا على هامش المسار التاريخي، سواء بالنسبة للمعارضة بشكل عام، أو بالنسبة لعلاقتها بعلي والتشيع بشكل خاص)،(ص 43 44).

[167]

ان هذا النص الذي كتبه الدكتور بيضون، يعني أنه لم يحدد موقفه من الشخصية موضوع الكتاب، لكنه يلجأ الى تقييم حجمها في المسار التاريخي ويرى فيها شخصية هامشية فيما لو كانت موجودة.

لقد تعامل الدكتور بيضون مع عبدالله بن سبأ، على أساس تقييم هذه الشخصية من حيث قوة أو ضعف الدور الذي قامت به، ولم يتعامل مع هذا الموضوع على أساس أنها شخصية حقيقية أو وهمية. لذلك كان يتجنب الدخول في المجالات التي تتطلب تحديد الموقف منها. في حين أن النقطة الاساس في هذا الموضوع تدور حول حقيقة هذه الشخصية، والخلاف الكبير والنقاشات المطولة التي دارت وتدور في الاوساط العلمية، لا تخرج عن دائرة نفي أو اثبات هذه الشخصية في الوجود. أما تحديد حجمها وثقلها في حوادث التاريخ، فليس هو موضوع النقاش أساسا.

لقد ردد الدكتور بيضون ما قاله الدكتور طه حسين بشأن ابن سبأ، ويبدو أنه تأثر به وأخذ رأيه عنه، وهذا ما يظهر واضحا في التعريف بكتابه (الفتنة الكبرى)، حيث خصص في القسم الثاني من كتابه، عشر صفحات لكتاب الدكتور طه حسين، في حين لم يتحدث عن كتاب الاستاذ العسكري، سوى بأربع صفحات، مع أن الاول شكك بالشخصية، والثاني نفاها من الاساس.

ان الدكتور بيضون له الحق كاملا غير منقوص، أن يتأثر بآراء طه حسين، وأن يتبنى رأيه في التشكيك بشخصية ابن سبأ، ولكن الذي يلفت النظر أنه يحاكم الآخرين الذين تناولوا موضوع ابن سبأ على أساس قربهم أو بعدهم من منهج الدكتور طه حسين، وهذا ما يجده القارئ لكتابه، ولو مر عليه مرورا سريعا. ولا نجد ما يبرر له هذا الموقف من الناحية العلمية، فالمنهج قضية واسعة جداً، وهي تمثل جزءاً من شخصية الباحث، وليس من الحق أن نفرض منهجاً لباحث واحد أو حتى لعدة منهم، على كل الباحثين الآخرين. ويصف الدكتور بيضون النتيجة التي توصل اليها طه حسين بانها حاسمة، مع أنه ترك الموضوع في دائرة الشك ولم يقطع ما اذا كانت شخصية ابن سبأ حقيقية أم وهمية.

الملاحظة السابعة: يظهر في مناقشة الدكتور بيضون للاستاذ أحمد لواساني وكتابه

[168]

(نظرات في تاريخ الأدب)، أنه لا يميل الى الطعن بشخصية سيف ورواياته، فالدكتور بيضون يرى في سيف: (أحد ثلاثة أو أربعة اعتمد المؤرخون أساساً على رواياتهم فيما دونوه من أحداث القرن الاول ومعظم القرن الثاني الهجريين)،(ص 96).

ثم يضيف بيضون في المقطع نفسه، في معرض رفضه للفكرة القائلة برفض روايات سيف، قائلاً:

(ولكن اسقاط ذلك كلياً عليه سيجنح بنا الى المبالغة، وبالتالي سيقودنا الى الطعن بكل الروايات التاريخية، سواء المنسوبة لسيف أو لغيره من أهل الاخبار. وليس على المؤرخ الواقعي هنا، أن يقلل من أهمية ما أورده احسان عباس في ردّه على مرتضى العسكري بشأن سيف وطعنه بكل رواياته اذ يقول عباس...)، ثم يورد نصوصاً من رسالة احسان عباس الى العسكري. لكنه لم يورد ردّ العلامة العسكري على الاستاذ احسان عباس.

وتجدر الاشارة أن ما ذكره الاستاذ بيضون حول ردّ عباس على العسكري، ينتصب دليلاً ضده وليس في صالحه، فحقيقة الامر أن الاستاذ عباساً كتب اشكالاته الى الاستاذ العسكري فيما يتعلق بروايات سيف بن عمر، وكانت تساؤلات أكثر مما هي اعتراضات، وقد اجابه العسكري بشكل مفصل، اقتنع به احسان عباس، وانتهى الامر. وهذا ما يجده القارئ في رسالة عباس وردّ العسكري عليها في نهاية المجلد الاول من كتاب (عبدالله بن سبأ). وللدكتور بيضون عذره فلعله لم يبلغه موقف احسان عباس بعد قراءته لجواب العلامة العسكري.

لكننا مع ذلك نسجل على الاستاذ بيضون ملاحظتين:

1 - ان الكثرة والقلة في عدد الاخباريين الذين يمثلون مصدر الروايات التاريخية، لا شأن لها بالوثاقة، ولم تدخل هذه الناحية في عملية التوثيق عند المتقدمين والمتأخرين.

2 - ان كلام الدكتور بيضون فيه ايحاء باجتناب البحث قدر الامكان في وثاقة ما جاء في مصادر التاريخ الاسلامي، وهذا ما ألمح اليه في أكثر من موضع من كتابه، فهو يميل الى اعتبار الشك في الرواية هو الموقف الكافي والنهائي للباحث، ولقد كتب ذلك في معرض ثنائه على النتيجة التي توصل اليها الدكتور طه حسين والتي شكك فيها بوجود شخصية

[169]

ابن سبأ، حيث قال: (وكان ذلك أقصى ما يمكن للمؤرخ القيام به)،(ص 115).

الملاحظة الثامنة: يطرح الدكتور بيضون فكرة تستدعي التوقف، وهي علاقة المؤرخ بالنص التاريخي، وقد أخضع لفكرته هذه كل مناقشاته وتقييماته، ولا سيما فيما يتعلق بآراء السيد العسكري. كتب يقول:

(.. ان المؤرخ محكوم من حيث المبدأ بالعودة الى النص، وأي استنتاج يصل اليه انما يكون من داخل النص وليس بعيداً عنه)،(ص 24).

ويقول في خاتمة كتابه في تلخيصه للنتائج التي توصل اليها، أن العسكري (رأى في ابن سبأ مجرد اسطورة وشخصية مختلقة في الاساس. وهو كما رأينا منطلق من نظرة اجتهادية مسبقة الى هذه الشخصية. وليس من دراسة نقدية للرواية التاريخية التي تفرّدت بذكرها. أي أن هذا المؤرخ لم يعترف بالنص الذي اعتبره مدسوسا، كما الشخصية نفسها، لتشويه صورة التشيع والدور الذي اتخذه عليّ في الاحداث السابقة على اغتيال الخليفة عثمان)،(ص 117).

وقال في خاتمة كتابه:

(إذ ليس عليه أي المؤرخ اتخاذ قرار بشأن أي من الاحداث دون العودة الى النص التاريخي الذي وحده يقرر بعد دراسته مدى الواقعية التي ينطوي عليها، وهي نسبية في شتى الاحوال.

وفي ضوء ذلك فان المسألة لا تبقى محصورة بوجود ابن سبأ أو عدم وجوده، لان المؤرخ لا خيار له في النهاية سوى التعامل مع النص كأمر واقع)،(ص 116).

ان الدكتور ابراهيم بيضون في هذه الفقرات يخالف ما كتبه في بحثه: (قراءة نقدية لمناهج الدراسات التاريخية في صدر الاسلام) المنشور في مجلة المنطلق في عددها(61 جمادى الاولى 1410 هـ)، حيث كان يأخذ على الاستاذ حسن ابراهيم حسن في كتابه (تاريخ الاسلام) تأثره بالنص التاريخي، والتزامه به، فقد كتب عنه يقول:

(.. ولكنه مأخوذ بالنص أكثر مما يجب، وربما مستسلم له في بعض الحين، مفسحا له مجال السيادة المطلقة على السياق، دون أن يمسها موقف ما من جانب المؤلف، أو يخترقها نص آخر من روايات أخرى تتناول الحدث بصورة مباشرة أو غير مباشرة... ولعل

[170]

أبرز دلالات هذا الاتجاه، ما ذكره على سبيل المثال عن عبد الله بن سبأ وتأثير "حركته" في الصراع السياسي الذي تعود جذوره الى عهد الخليفة عثمان، في وقت لم تنج هذه المسألة من تشكيك بعض الكتاب من جيل المؤلف طه حسين، اذ تعرض لها كبديهة خارج النقاش، من دون العودة الى مصادرها التاريخية).

اننا نرى اختلافا كبيرا بين نظرتي الدكتور بيضون الى النص التاريخي، فهو في دراسته المنشورة في مجلة المنطلق، كان يذهب الى اتجاه يعاكس اتجاهه الحالي في التعامل مع النص التاريخي.

الملاحظة التاسعة: اخذ بيضون على السيد العسكري أنه أورد لائحة بأسماء المروجين للسبئية، دون أن يلتزم بالتسلسل الزمني، ويعقب على ذلك بقوله:

(على أن هذه اللائحة من المروجين، ملخصة في الجدول الذي ختم به هذا الفصل، لا تبدو مهمة بالنسبة للمؤرخ الذي تعنيه جذور الرواية وليس امتدادها في المراجع، الا إذا كانت الغاية من ذلك مناقشة الافكار الواردة فيها، وهو أمر لم أجد العسكري خائضا فيه أو مقاربا له بصورة جدية)،(ص 102).

يبدو أن الدكتور بيضون الذي حاول أن يسجل أي اشكال على العلامة العسكري وله الحق في ذلك كباحث، كما لغيره هذا الحق أيضا، لم يمعن النظر في هذه اللائحة، ولو أنه أمعن فيما كتبه العسكري حول الكتب المروجة للاسطورة السبئية، لاكتشف بسهولة أن اللائحة خاضعة للتسلسل الزمني حيث ثبت فيها الاستاذ العسكري الكتب المروجة للاسطورة السبئية بدءاً من المحدثين ووصولا الى مصادرها الاولى، وهذا ما يبينه الجدول التخطيطي المثبت في نهاية الفصل.

والمعروف عن عميد كلية أصول الدين الاستاذ العسكري، أنه يلتزم جدا بمسألة التسلسل الزمني في بحوثه، وتراجمه، وحتى ذكر مصادر كتبه، ولو قرأ الدكتور بيضون قائمة مصادر المجلد الاول من كتاب (عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى)، لوجد أن العلامة العسكري ادرج مصادر البحث تحت العنوان التالي: (مصادر الكتاب، والمؤلفون، حسب التسلسل الزمني).

ولا أدري هل من المناسب أن نقول للاستاذ بيضون الذي أورد اشكال التسلسل

[171]

الزمني على السيد العسكري، انه لم يلتزم نفسه بالتسلسل الزمني الذي يهتم به، في مناقشته للكتب التي تعرض لها، فبدأ بكتب صدرت بعد كتاب العسكري بعدة عقود من الزمن، ثم أدرج كتاب العسكري وأعقبه بكتاب حديث صدر عام 1996 م.

ونقول أيضا للدكتور بيضون في خصوص الفقرة السابقة التي كتبها، أن محاولته التقليل من أهمية لائحة المروجين للاسطورة، غير دقيقة، فهي مهمة في هذا الموضوع، لان الكتاب يتناول الدور التشويهي الذي مارسه سيف في وقائع التاريخ وعقائد المسلمين، والذي تسرب الى كتب التاريخ القديمة ومنها الى الكتب الحديثة، وان مثل هذا الموضوع الحساس يستدعي التعريف بمدى اتساعه، واننا لنأخذ على السيد العسكري عدم اهتمامه بالكتب والدراسات التي صدرت بعد إصدار كتابه، وتناولت موضوع ابن سبأ، اذ كان الاجدر به أن يدرجها في لائحة المروجين للاسطورة في الطبعات المتتالية لكتابه. ولا نطلب منه مناقشة هذه الكتب، لان المهم هو مناقشة أصل الاسطورة، وهو ما فعله الاستاذ العسكري وخاض فيه بصورة جادة في المجلد الثاني المطبوع، والثالث المخطوط.

الملاحظة العاشرة: في الفقرة الاخيرة من مناقشة الدكتور بيضون لكتاب الاستاذ العسكري، ينتهي الى تقييم الجهد الذي قام به العلامة العسكري في كتابه، لكن تقييمه لم يقترب فيه من حقيقة مشروع العسكري وما كان يهدف اليه من وراء هذا الكتاب. ولعل مرد ذلك يعود الى نظرة مسبقة سيطرت على الاستاذ بيضون وجعلته يفهم ويقيم جهود الاستاذ العسكري على اساسها.

لقد وصف بيضون في الفقرة الاخيرة من مناقشته، جهد العسكري بطريقة تبعث على الاستغراب بعض الشيء، فهو يقول:

1 - (وإذا كان توسيع دائرة البحث ليشمل دراسة "مقارنة" لاحاديث سيف، قد قصد الكاتب من ورائه تجريد هذا الاخباري من الثقة برواياته، مما يسقط بداهة على رواية ابن سبأ "الاسطورة"، فان هذا الموضوع لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية)،(ص 102).

ثم يردف العبارة السابقة مباشرة بالقول التالي:

[172]

2 - (ولكن ما حققه العسكري من رصد لهذه الروايات "الاحاديث" وتوثيق لها ومقارنة مع الروايات الاخرى، يعتبر عملا جليلا بحد ذاته).

ثم يقول بعد هذا مباشرة:

3 - (وقد شكل ذلك مدخلا الى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الاولى من الكتاب).

هذه العبارات الثلاث من الفقرة الاخيرة جاءت متسلسلة في سياق واحد، وقد لجأنا الى تجزئتها لمناقشة كل واحدة منها على انفراد، وذلك في النقاط التالية:

أولا: نقول بشأن العبارة الاولى: لم يكن هدف الاستاذ العسكري في كتاب عبد الله ابن سبأ، تجريد سيف من الثقة برواياته، من أجل اثبات اختلاقه للاسطورة السبئية، وانما يأتي ذلك في سياق مشروعه في تمحيص السنة كما ذكرنا، وقد كتب المؤلف العسكري في الصفحة الداخلية بعد الغلاف وفوق عنوان الكتاب العبارة التالية: (دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول "ص")، يضاف الى ذلك أن عنوان الكتاب: (عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى) يشير اشارة واضحة لا تحتاج الى تأمل وتدقيق، بأن الكتاب يتناول موضوع عبدالله بن سبأ، اضافة الى أساطير أخرى اختلقها سيف، وقد أورد العلامة العسكري دراساته المقارنة لروايات سيف، ضمن هذا السياق.

ثانيا: ان تجريد سيف من الثقة برواياته، لا يتطلب أن يقوم السيد العسكري بهذا الجهد المكثف الذي استغرق أربعة مجلدات الى الآن، وهي مجلدا عبدالله بن سبأ، ومجلدا خمسون ومائة صحابي مختلق، فان هذه النتيجة اتفق عليها العلماء بشأن سيف، وقد انطلق منها الاستاذ العسكري في بحوثه، وخص فصلا لترجمة سيف قبل أن يدخل في الدراسات المقارنة لاحاديثه. وذكر رأي العلماء فيه من أمثال: يحيى بن معين، وأبي داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر، وغيرهم، وقد وصفه هؤلاء العلماء بأنه متروك الحديث، ضعيف، كذّاب، وضاع، متهم بالزندقة...

وعلى هذا فان السيد العسكري لم يكن بصدد اثبات عدم وثاقة سيف، وعدم وثاقة

[173]

رواياته في ما أورده من بحوث مقارنة، كما يتصور الدكتور بيضون، انما كان بصدد بيان ما احدثه سيف من تشويه لحقائق التاريخ، وكيف تسربت رواياته الى كتب التاريخ والحديث، وأثر ذلك على عقائد المسلمين، وذلك كجزء من هدف كبير هو تمحيص سنة الرسول (ص).

ثالثا: ان عدم استيعاب الدكتور بيضون لهدف الاستاذ العسكري، وتصوره لهدف آخر فرضه على العسكري فرضاً كما فرض عليه تصورات أخرى هو الذي جعله يقيّم البحث المقارن لروايات سيف بقوله: (لم ينل ما يستحقه على مستوى العمق والشمولية)، وهو تقييم ابتعد فيه بيضون كثيراً عن المنهج الموضوعي في تقييم الجهود العلمية، وخالف في ذلك حتى معارضي السيد العسكري أنفسهم، والذين شهدوا بأن البحوث المقارنة التي عقدها الاستاذ العسكري في دراسته لروايات سيف قد اتسمت بالعمق والشمولية والموضوعية العلمية الحيادية.

رابعاً: في المقطع رقم(2)، يصف بيضون الدراسات المقارنة التي عقدها العلامة العسكري، لروايات سيف، بأنه (يعتبر عملاً جليلاً بحد ذاته). والذي نفهمه من هذا الوصف مقارنة مع ما جاء في الوصف السابق، أن الدكتور بيضون لا يميل الى اسقاط روايات سيف كلها، ولا يريد تجريده من الوثاقة، من أجل أن يجد له مبرراً لقبول القصة السبئية، أو على الاقل التشكيك بها، دون رفضها. لذلك فانه يرى الدراسات المقارنة للاستاذ العسكري وهي الاولى من نوعها والتي سبق فيها غيره يرى فيها بأنها لا تتسم بالعمق والشمولية، اذا كان الغرض منها التطرق لوثاقة سيف ورواياته، وفي الوقت نفسه يرى فيها عملاً جليلاً اذا كانت خارجة عن اطار توثيق سيف.

وعلى هذا فان تقييم الدكتور بيضون للجهود العلمية، يتحدد وفقاً لقربها وبعدها من القصة السبئية، فمن يرفض القصة من الاساس ويطعن بكل روايات سيف، يصفه الدكتور بيضون بالسلبية، ومن يترك هذا الموقف يصفه بالايجابية. ولقد سرى هذا الموقف على كل من رفض وجود ابن سبأ، كما يلاحظ القارئ ذلك في كتابه.

خامساً: في المقطع رقم(2) يفهم الدكتور بيضون، أن ما قام به العلامة العسكري، من بحوث مقارنة، على أنه يشكل مدخلاً (الى محاولة قراءة جديدة لشخصية ابن سبأ، بصرف النظر عما انطوت عليه من أفكار مسبقة، سرعان ما تجلت في السطور الاولى من

[174]

الكتاب).

نود القول للاستاذ بيضون أن (القراءة الجديدة) كما يقول، لا يمكن أن توصف بالنظرة المسبقة، بل أن (اعادة القراءة) هي التي يمكن وصفها بالنظرة المسبقة، وقد اعترف بيضون بأن قراءة السيد العسكري كانت (جديدة).

ملاحظات في الختام:

نلاحظ على الدكتور ابراهيم بيضون، أنه اتهم في كتابه هذا، كل ما يرفض وجود شخصية ابن سبأ بأنه ينطلق من نظرة مسبقة، لفقد وصف الاستاذ أحمد لواساني، بأن رفضه لشخصية ابن سبأ صادر عن (سابق تصميم). وكان الاجدر به أن لا يتسامح في اصدار مثل هذه الاحكام. ويبدو أن الذي حدا به الى هذا الاتجاه اعجابه بآراء الدكتور طه حسين، وقد بلغ به الاعجاب أن اعتبر تشكيك طه حسين بأنه نتيجة حاسمة، مع أن التشكيك لا يصدق عليه هذا الوصف، فهو وحسب المقاييس العلمية نتيجة ناقصة، فعندما لا يصل الباحث الى رأي قاطع في موضوع بحثه، فانه يجعل النتيجة في دائرة الشك والاحتمال. ولقد توقف الدكتور طه حسين عند نقطة الشك، لأنه لم يتمكن من حسم المسألة بالنفي أو الإثبات.

ونأخذ على الاستاذ بيضون وصفه للدكتور طه حسين بأنه أول من أثار حول (الموضوعة السبئية) الشبهة والارتياب، فلقد سبقه في ذلك آخرون، لكن اعجابه الكبير به جعله يغض الطرف عن الذين سبقوه، كما سلب حق الذين فاقوه في التوصل الى النتيجة الحاسمة.

لقد بلغ اعجاب الدكتور بيضون، بالدكتور طه حسين، لدرجة جعلته يعتبر المنهج التشكيكي له على أنه اتجاه جديد (في حركة البحث العلمي يصبح معه الشك وسيلة ايجابية لتفسير التاريخ وليس عنصر اعاقة وتشويش له). وما يراه الاستاذ بيضون في منهج الدكتور طه حسين، لا يعبر عن حقيقة منهجه، فالتشكيك لم يكن عند طه حسين وسيلة للبحث العلمي من اجل التوصل للحقيقة، بل كان منهجا قائما بذاته، هدف من ورائه الى اثارة الشبهات حول الثوابت الاسلامية، ومنها قضية ثبوت النص القرآني، وقد ظل على هذا المنهج، حتى فرغ من كتابه (الفتنة الكبرى)، ثم عدل عنه الى منهج آخر

[175]

تخلى فيه عن السابق، واعتمد منهجاً يبتعد عن التشكيك، ووفقه كتب (علي وبنوه) و(المعذبون في الارض).

ان مناقشة مثل هذه المسائل الحساسة تتطلب أن يكون صاحب النقاش ممن له رأي في المسألة موضوع البحث، وهذا ما لم نلمسه صراحة عند الاستاذ بيضون، بل نتحسسه ونتلمسه من خلال المنحى العام لكتابه، فهو يميل الى قبول القصة السبئية، دون أن يصرح علناً، ولعله لم يكوّن الى الآن رأياً محدداً بشأنها، وهذا ما جعل مناقشاته لا ترقى الى المناقشات الاخرى التي كتبها بعض الاساتذة حول هذا الموضوع، وبالتحديد مع الاستاذ العسكري، مثل الاستاذ احسان عباس الذي دخل الحوار مع السيد العسكري وعنده موقف محدد من الموضوع، وعندما أجابه الاستاذ العسكري على مناقشته واشكالاته، توقف واقتنع لانه وجد في جواب العلامة العسكري ما يبين له الحقيقة.

والامر نفسه نراه في الحوارات الجادة لعدد من الاساتذة الجامعيين لآراء العلامة العسكري والتي نشرتها الصحافة السعودية، فلقد تميزت الكثير منها بالعلمية، مع أن المتحاورين ينقسمون الى مؤيدين ومعارضين لآراء العلامة العسكري في كتابيه (عبدالله ابن سبأ) و (خمسون ومائة صحابي مختلق)، لكن استنادهم الى موقف واضح محدد بشأن القضية موضوع الحوار جعلت الكثير من المناقشات علمية جادة.

لقد أثرنا هذه الملاحظات حول كتاب الدكتور بيضون، فيما يتعلق بمناقشته للاستاذ العسكري بشأن كتابه (عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى)، ولم نأت على اثارة ملاحظات أخرى حول الكتب التي ناقشها في كتابه، ولكن نشير أن الاستاذ بيضون طريقته في المناقشة يشوبها شيء من السرعة، مثلما ناقش آراء الدكتور عبد العزيز الدوري، وأطلق عليه حكماً عاماً نهائياً، حين اعتبره يعتمد في تفسير التاريخ على العامل الاقتصادي، وهو أمر ذكره الدكتور الدوري في سياق بحثه لبعض المقاطع التاريخية، مثل المجتمع الجاهلي والذي كان للعامل الاقتصادي فيه أهمية كبيرة.

ان الاستاذ بيضون كانت له اثاراته الجيدة في بحوثه وكتبه الاخرى، وهذا ما لم نجده في هذا البحث، ولعل سرعة كتابته على طلب من مجلة (المنهاج) التي نشرت بحثه في عدديها الاول والثاني، لم تتح له فرصة المناقشة الدقيقة التي كان من المنتظر أن يقدمها للقراء.