المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب: العرب في صقلية


بهبهاني
03-06-2006, 12:49 AM
العرب في صقلية تأليف : إحسان عباس
الجزء :
تحقيق :
ترجمة :
الطبعة : 1
تاريخ النشر : 1975
الناشر : دار الثقافة
عنوان الناشر : بيروت - لبنان

منقول من موقع الوراق
سيتم وضع الكتاب على حلقات ان شاء الله

بهبهاني
03-06-2006, 12:52 AM
الكتاب الأول


صقلية في العصر الإسلامي


الفصل الأول


الحياة السياسية


1 - لمحة جغرافية
2 - صقلية في العهد البيزنطي
3 - الفتح الإسلامي
4 - الفتن الصقلية في فترة الانتقال من يد الأغالبة إلى بني أبي الحسين
5 - صقلية تحت حكم بني أبي الحسين الكلبيين
6 - أمراء الطوائف
7 - الحكومة الإسلامية بصقلية

1



لمحة جغرافية


في ذات يوم من أيام الربيع خرجت برسيفونة الجميلة ابنة ربة الخصب تخطر في المروج الصقلية الخضر، وتمتع طرفها بالنظر إلى الجداول المترقرقة ومن حولها صواحبها يطفن الأزهار، واقترب منها رب الجحيم والعالم الأدنى في خفة واختطفها وانحدر بها إلى عالمه.
أسطورة قديمة من تلك الأساطير الكثيرة التي أوحت بها إلى الطبيعة صقلية ولكن الحقائق الجغرافية من وراء رموزها لا تزال جديدة، فربة الخصب لم تتخذ مقامها في تلك الجزيرة عبثاً، والجحيم لا يزال قابعاً في ناحية من نواحي الجزيرة تحت بركان إتنا الجبار، ولا يزال مردة الحدادين يضربون بمطارقهم صفائح الحديد تحت ذلك البركان ? الذي كان لغز القرون حتى الفتح الإسلامي ? ليعدوا منها صواعق لرب الأولمب. وما تزال سكلا الوحشية تعوي عند المجاز المسيني عواء لا ينقطع وتتقاتل مع خاربديس قتالا كانت تجأر منه سفن القرون الوسطى بالشكوى.
نعم قد تكون بعض المظاهر الطبيعية والاقتصادية تغيرت في الجزيرة التي كان عرشاً لربة الخصب، ربما اختفت منها أنواع من المزروعات وقلت غابات البلوط التي يذكرها ثيوقريطس، واختفت مدن وقلاع كثيرة جنى عليها تتابع الهجرات وتغير الحكام ? كل ذلك قد يخضع للتغير ولكن المظاهر الأساسية لا تزال هنالك ? فالخصب لم يفتأ يتكشف عن القمح الذي كانت تعيش عليه روما، والكرمة والزيتون اللذين جلبهما اليونان، والليمون والبرتقال اللذين جلبهما العرب وأشجار اللوز والتين، وأنواع الأزهار. ولا تزال الأرض التي أوحت لثيوقريطس أغاني الرعاة مسرحاً للأغنام السائمة في السهول والربى: ولولا أن الغابات فيها قليلة وبعض الجبال قد أصبح عارياً مجرداً من زينته الخضراء لتقدمت فيها حرفة الرعي وصناعات الألبان. وتزدان هذه الطبيعة بالجداول والعيون والفوارات والحمامات وكلها كانت في يوم ما موضوعات الأساطير.
أما إتنا الشامخ على كل ما حوله في الجزيرة فإنه يهدر منذراً بالويل، وقد تلفع بعمامته الثلجية، وتضرم جوفه بالنار، فإذا به ذلك السيد الرحيم القاسي في آن، الذي يستطيع أن يجمع معجزة القرون الوسطى في شخصه، لأنه يمزج (العنصرين) في كفه. وإذا ثارت حممه غطى الأرض بطبقة خصبة، وفزع الآمنين.
والحقائق الجغرافية هي التي رسمت للجزيرة حياتها الداخلية: مرتفعات وهضاب في الداخل لا تسمح للأرضي بالانبساط الواسع وتتباين تباينا واضحاً في ارتفاعاتها وأشكالها نحو السواحل، فترسم مواقع المواني. وعلى أعلى أجزائها بينت المدن الداخلية لتكون حصينة، وكان لذلك أثره في توجيه كل فتح، وبنيت المدن الساحلية عند خير المواقع صلاحية للملاحة، وهيأت السواحل حظوظاً متفاوتة لتلك المدن. فالشاطئ الغربي والجنوبي الغربي المقابل لأفريقية أقلها أهمية، وموانيه قليلة الصلاحية للملاحة، ونادراً ما تصل المرتفعات فيه إلى البحر إلا في نتوء واضح يبرز عند شنت ماركو. والساحل الشمالي يكاد يكون مستويا وفيه تقع ثرمة وجفلوذ وبلرم، ووراء هذه الأخيرة تنحسر الجبال مكونة سهلا من أخصب السهول. وفي الساحل الشرقي ذى الميزات الطبيعية والتاريخية تقع سرقوسة وطبرمين، وفيه سجل للتاريخ اليوناني والحضارة اليونانية. كما أن الساحل الشمالي شهد بدوره أروع الحضارات السامية.
وموقعها الجغرافي شارك شخصيتها الجغرافية في تدوين تاريخها وتلوينه. فموقعها في البحر جعلها ابنة لهذا البحر لا يحوزها إلا من قهره، ولذلك كانت القوى المتصارعة في ذلك الميدان المائي تلتقي فيها وجهاً لوجه حتى تقرر تلك السيادة، وتوسطها بين أوروبة وأفريقية جعلها محط النزاع بين أقوام الشمال والجنوب، وضيق مجاز مسينة قرن تاريخها بتاريخ أوروبة، وعند سواحلها كانت تتكسر أمواج الغزاة المتدحرجة في شبة الجزيرة الإيطالية. ومواجهة بعضها لليونان وفينيقيا، ومواجهة بعضها لأفريقية أنشأ تفاوتاً في أجزائها. فتاريخها إذن هو تاريخ الشعوب ذات الحضارات في حوض البحر المتوسط فهو جزء من تاريخ اليونان والفينيقيين والرومان والقوط والبيزنطيين والعرب ? من يد القوط أخذها بلزاريوس قائد جستنيان، ومن أيدي البيزنطيين انتزاعها قادة بني الأغلب بعد جهاد عنيف.

2



صقلية في العهد البيزنطي


لم يلق بلزاريوس قائد جستنيان عناء في الاستيلاء على صقلية من يد القوط حينما دخلها بجيشه سنة 535م، فقد عهد أليه الإمبراطور بفتح الجزيرة إن كان ذلك أمراً ميسوراً لا يكلفه جهداً، ولا يستغرق منه زمناً طويلاً. ووجد بلزاريوس كل ما يهيئ له البلوغ إلى غايته ? وجد صقلية تكاد تكون خالية من الحاميات القوطية، وتلقاه السكان فرحين مرحبين يريدون التخلص من حكم القوط، فاستولى على قطانية، وفتحت له سرقوسة أبوابها، ولم يلق مقاومة إلا في بلرم لأنها كانت مطمئنة إلى مناعة أسوارها وقوة الحامية القوطية فيها، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصبحت كل جزيرة في قبضته دون ان يزهق نفسا (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=7&LocTime=1141595484437#Note1).
وعد القوط هذا التقلب في عواطف السكان وترحيبهم بالبيزنطيين نكراناً للجميل. إذ كان الصقليون قد رجوا ثيودريك القوطي أن يعفى بلدهم من الحاميات والفرق العسكرية، فأجابهم إلى طلبهم، وترك شؤونهم في أيديهم،





(1)Bradley : The Goths P.209 ; Hodgkins ; Italy And Her Invaders Vol ; 4 P .7.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 26
وكانت عاقبة هذا التسامح أن خذلوا القوط وتنكروا لهم أمام الفاتح الجديد، فلم تدافع مدينة عن نفسها، ولم يحاول أحد أن يشترك حتى في مناوشة، ولم يتظاهر السكان بأنهم مغلوبون على أمرهم. بل إنهم حالما شهدوا تلك القلة الضئيلة يقودها بلزاريوس، نكسوا كل علم قوطى وتنافسوا فيما بينهم في إظهار الولاء لبلزاريوس وسيده، فجرحوا بذلك شعور القوط جرحاً عميقاً ظلوا يتلمسونه ويتألمون منه على مر الأيام، حتى إذا أمكنتهم الفرصة أيام توتلا كان أول عمل قاموا به الانتقام لأنفسهم من صقلية الخائنة المتقلبة (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note1).
ولم تطل الفرحة بالصقليين فسرعان ما وجدوا أنفسهم يدفعون الضرائب الفادحة لخزينة الامبراطور، وعين جستنيان للجزيرة بريتوراً praetor من الدرجة الثانية، وجعل منها ومن دلماتيا ولاية واحدة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note2).
وخضعت صقلية للأنظمة التي فرضها جستنيان على ما فتحه في الغرب، تلك الأنظمة التي جرت ألوان التعاسة على أفريقية وإيطالية. ويرى بروكوبيوس (في تاريخه السري) أن أقفرت من سكانها، وخليت الولايات دون حماية، وأصبح حكمها سيئاً، ورزحت تحت عبء الضرائب والاضطهاد الديني والثورات العسكرية، ومهما يكن في كلامه من مبالغة ففيه أيضاً جانب كبير من الحق (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note3).
أما حال الجيش فخير ما يصور لنا بؤس صقلية حينئذ أن العساكر البيزنطية كانت كالمجتمع نفسه أخلاطا من شعوب، لا يمكن أن تنبت في صدورهم محبة الوطن. وضعف الإغريق الذين كانوا عصب الجسم في الإمبراطورية، وغرقوا في الخرافات والأساطير وأخذوا يتهربون من الجندية، ويدفعون الفدية عن أنفسهم، فأصبح التجنيد وقفاً على البرابرة وسكان الحدود، ولم تكن الموارد الاقتصادية تكفي لتمد الجيوش بما يقوم بحاجاتهم، فلجأ القادة



(1)Hodgins: Italy , Vol , 4, P. 8.
(2)Cambridge Med. Histore, Vol .2, P .20-21
(3)Cambridge med. History vol 2,p; 20-21


رقم صفحة الكتاب الورقي: 27
والحكام إلى طرق خطيرة النتائج، فكان القائد مثلا يعهد بأرضه إلى جماعة من الجنود كي يفلوحها ويفيدوا من حاصلاتها (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note1). ودخل في صفوف الجيش جماعة من الفقراء الذين رضوا أن يتقاضوا أجراً قليلاً، وحل هؤلاء بجهلهم محل العسكريين أصحاب الدربة القديمة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note2). وهكذا تحول الجند إلى حاشية للقائد، ولم يعودوا أداة لكبح جماح الطغيان بل أصبحوا أداة لإحلال طغيان محل آخر (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note3).
وأما في الضرائب فكانت صقلية كغيرها من ولايات الدولة فريسة لجشع المحصلين تدفع ضريبة على الأملاك، وأخرى على الرؤس، وإتاوات على التجارة والصناعة، وزيادات إضافية على الضريبة الأولى، وضرائب للجند، وأخرىللملاحين وأموالا يبتزها الموظفون ويزيدون بها الحمل ثقلا (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note4). وكانت الحال سيئة في أيام القوط فزادت سوءاً أيام السادة البيزنطيين حتى إن أحد الجباة في نهاية القرن السادس أجبر الرعايا العاجزين عن دفع المال على تقديم أبنائهم، واستطاع موظف تافه الشأن في صقلية أن يصادر الممتلكات بالقوة، ويقول القديس جريجوريو: "نحتاج إلى مجلد لنفصل الجور الذي سمعنا به من هذا القبيل" (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note5).
ولم تكن الدولة هي المستغل الوحيد لصقلية بل كانت الكنيسة تشاركها النفوذ والسلطان لكثرة أملاكها فيها، فكان لكنيسة روما وميلان ورافنا اقطاعات كثيرة (patrimori) وكانت أملاك كنيسة روما موزعة في أنحاء الجزيرة حول سرقوسة وقطانية وميلاص وبلرم وجرجنت، وكان يديرها رئيسان أحدهما في سرقوسة والثاني في بلرم (6) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note6).



(1)amari: storia dei musulmani di sicilia vol,2p. 339
(2)op.cit. , p.340
(3)op.cit.,p. 341
(4)amari: s.d. .m.vol,2p.332
(5)op.cit., p.333
(6)op.cit .,125

بهبهاني
03-06-2006, 12:52 AM
الكتاب الأول


صقلية في العصر الإسلامي


الفصل الأول


الحياة السياسية


1 - لمحة جغرافية
2 - صقلية في العهد البيزنطي
3 - الفتح الإسلامي
4 - الفتن الصقلية في فترة الانتقال من يد الأغالبة إلى بني أبي الحسين
5 - صقلية تحت حكم بني أبي الحسين الكلبيين
6 - أمراء الطوائف
7 - الحكومة الإسلامية بصقلية

1



لمحة جغرافية


في ذات يوم من أيام الربيع خرجت برسيفونة الجميلة ابنة ربة الخصب تخطر في المروج الصقلية الخضر، وتمتع طرفها بالنظر إلى الجداول المترقرقة ومن حولها صواحبها يطفن الأزهار، واقترب منها رب الجحيم والعالم الأدنى في خفة واختطفها وانحدر بها إلى عالمه.
أسطورة قديمة من تلك الأساطير الكثيرة التي أوحت بها إلى الطبيعة صقلية ولكن الحقائق الجغرافية من وراء رموزها لا تزال جديدة، فربة الخصب لم تتخذ مقامها في تلك الجزيرة عبثاً، والجحيم لا يزال قابعاً في ناحية من نواحي الجزيرة تحت بركان إتنا الجبار، ولا يزال مردة الحدادين يضربون بمطارقهم صفائح الحديد تحت ذلك البركان ? الذي كان لغز القرون حتى الفتح الإسلامي ? ليعدوا منها صواعق لرب الأولمب. وما تزال سكلا الوحشية تعوي عند المجاز المسيني عواء لا ينقطع وتتقاتل مع خاربديس قتالا كانت تجأر منه سفن القرون الوسطى بالشكوى.
نعم قد تكون بعض المظاهر الطبيعية والاقتصادية تغيرت في الجزيرة التي كان عرشاً لربة الخصب، ربما اختفت منها أنواع من المزروعات وقلت غابات البلوط التي يذكرها ثيوقريطس، واختفت مدن وقلاع كثيرة جنى عليها تتابع الهجرات وتغير الحكام ? كل ذلك قد يخضع للتغير ولكن المظاهر الأساسية لا تزال هنالك ? فالخصب لم يفتأ يتكشف عن القمح الذي كانت تعيش عليه روما، والكرمة والزيتون اللذين جلبهما اليونان، والليمون والبرتقال اللذين جلبهما العرب وأشجار اللوز والتين، وأنواع الأزهار. ولا تزال الأرض التي أوحت لثيوقريطس أغاني الرعاة مسرحاً للأغنام السائمة في السهول والربى: ولولا أن الغابات فيها قليلة وبعض الجبال قد أصبح عارياً مجرداً من زينته الخضراء لتقدمت فيها حرفة الرعي وصناعات الألبان. وتزدان هذه الطبيعة بالجداول والعيون والفوارات والحمامات وكلها كانت في يوم ما موضوعات الأساطير.
أما إتنا الشامخ على كل ما حوله في الجزيرة فإنه يهدر منذراً بالويل، وقد تلفع بعمامته الثلجية، وتضرم جوفه بالنار، فإذا به ذلك السيد الرحيم القاسي في آن، الذي يستطيع أن يجمع معجزة القرون الوسطى في شخصه، لأنه يمزج (العنصرين) في كفه. وإذا ثارت حممه غطى الأرض بطبقة خصبة، وفزع الآمنين.
والحقائق الجغرافية هي التي رسمت للجزيرة حياتها الداخلية: مرتفعات وهضاب في الداخل لا تسمح للأرضي بالانبساط الواسع وتتباين تباينا واضحاً في ارتفاعاتها وأشكالها نحو السواحل، فترسم مواقع المواني. وعلى أعلى أجزائها بينت المدن الداخلية لتكون حصينة، وكان لذلك أثره في توجيه كل فتح، وبنيت المدن الساحلية عند خير المواقع صلاحية للملاحة، وهيأت السواحل حظوظاً متفاوتة لتلك المدن. فالشاطئ الغربي والجنوبي الغربي المقابل لأفريقية أقلها أهمية، وموانيه قليلة الصلاحية للملاحة، ونادراً ما تصل المرتفعات فيه إلى البحر إلا في نتوء واضح يبرز عند شنت ماركو. والساحل الشمالي يكاد يكون مستويا وفيه تقع ثرمة وجفلوذ وبلرم، ووراء هذه الأخيرة تنحسر الجبال مكونة سهلا من أخصب السهول. وفي الساحل الشرقي ذى الميزات الطبيعية والتاريخية تقع سرقوسة وطبرمين، وفيه سجل للتاريخ اليوناني والحضارة اليونانية. كما أن الساحل الشمالي شهد بدوره أروع الحضارات السامية.
وموقعها الجغرافي شارك شخصيتها الجغرافية في تدوين تاريخها وتلوينه. فموقعها في البحر جعلها ابنة لهذا البحر لا يحوزها إلا من قهره، ولذلك كانت القوى المتصارعة في ذلك الميدان المائي تلتقي فيها وجهاً لوجه حتى تقرر تلك السيادة، وتوسطها بين أوروبة وأفريقية جعلها محط النزاع بين أقوام الشمال والجنوب، وضيق مجاز مسينة قرن تاريخها بتاريخ أوروبة، وعند سواحلها كانت تتكسر أمواج الغزاة المتدحرجة في شبة الجزيرة الإيطالية. ومواجهة بعضها لليونان وفينيقيا، ومواجهة بعضها لأفريقية أنشأ تفاوتاً في أجزائها. فتاريخها إذن هو تاريخ الشعوب ذات الحضارات في حوض البحر المتوسط فهو جزء من تاريخ اليونان والفينيقيين والرومان والقوط والبيزنطيين والعرب ? من يد القوط أخذها بلزاريوس قائد جستنيان، ومن أيدي البيزنطيين انتزاعها قادة بني الأغلب بعد جهاد عنيف.

2



صقلية في العهد البيزنطي


لم يلق بلزاريوس قائد جستنيان عناء في الاستيلاء على صقلية من يد القوط حينما دخلها بجيشه سنة 535م، فقد عهد أليه الإمبراطور بفتح الجزيرة إن كان ذلك أمراً ميسوراً لا يكلفه جهداً، ولا يستغرق منه زمناً طويلاً. ووجد بلزاريوس كل ما يهيئ له البلوغ إلى غايته ? وجد صقلية تكاد تكون خالية من الحاميات القوطية، وتلقاه السكان فرحين مرحبين يريدون التخلص من حكم القوط، فاستولى على قطانية، وفتحت له سرقوسة أبوابها، ولم يلق مقاومة إلا في بلرم لأنها كانت مطمئنة إلى مناعة أسوارها وقوة الحامية القوطية فيها، ولكن لم يمض وقت طويل حتى أصبحت كل جزيرة في قبضته دون ان يزهق نفسا (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=7&LocTime=1141595484437#Note1).
وعد القوط هذا التقلب في عواطف السكان وترحيبهم بالبيزنطيين نكراناً للجميل. إذ كان الصقليون قد رجوا ثيودريك القوطي أن يعفى بلدهم من الحاميات والفرق العسكرية، فأجابهم إلى طلبهم، وترك شؤونهم في أيديهم،





(1)Bradley : The Goths P.209 ; Hodgkins ; Italy And Her Invaders Vol ; 4 P .7.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 26
وكانت عاقبة هذا التسامح أن خذلوا القوط وتنكروا لهم أمام الفاتح الجديد، فلم تدافع مدينة عن نفسها، ولم يحاول أحد أن يشترك حتى في مناوشة، ولم يتظاهر السكان بأنهم مغلوبون على أمرهم. بل إنهم حالما شهدوا تلك القلة الضئيلة يقودها بلزاريوس، نكسوا كل علم قوطى وتنافسوا فيما بينهم في إظهار الولاء لبلزاريوس وسيده، فجرحوا بذلك شعور القوط جرحاً عميقاً ظلوا يتلمسونه ويتألمون منه على مر الأيام، حتى إذا أمكنتهم الفرصة أيام توتلا كان أول عمل قاموا به الانتقام لأنفسهم من صقلية الخائنة المتقلبة (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note1).
ولم تطل الفرحة بالصقليين فسرعان ما وجدوا أنفسهم يدفعون الضرائب الفادحة لخزينة الامبراطور، وعين جستنيان للجزيرة بريتوراً praetor من الدرجة الثانية، وجعل منها ومن دلماتيا ولاية واحدة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note2).
وخضعت صقلية للأنظمة التي فرضها جستنيان على ما فتحه في الغرب، تلك الأنظمة التي جرت ألوان التعاسة على أفريقية وإيطالية. ويرى بروكوبيوس (في تاريخه السري) أن أقفرت من سكانها، وخليت الولايات دون حماية، وأصبح حكمها سيئاً، ورزحت تحت عبء الضرائب والاضطهاد الديني والثورات العسكرية، ومهما يكن في كلامه من مبالغة ففيه أيضاً جانب كبير من الحق (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=8&LocTime=1141595522734#Note3).
أما حال الجيش فخير ما يصور لنا بؤس صقلية حينئذ أن العساكر البيزنطية كانت كالمجتمع نفسه أخلاطا من شعوب، لا يمكن أن تنبت في صدورهم محبة الوطن. وضعف الإغريق الذين كانوا عصب الجسم في الإمبراطورية، وغرقوا في الخرافات والأساطير وأخذوا يتهربون من الجندية، ويدفعون الفدية عن أنفسهم، فأصبح التجنيد وقفاً على البرابرة وسكان الحدود، ولم تكن الموارد الاقتصادية تكفي لتمد الجيوش بما يقوم بحاجاتهم، فلجأ القادة



(1)Hodgins: Italy , Vol , 4, P. 8.
(2)Cambridge Med. Histore, Vol .2, P .20-21
(3)Cambridge med. History vol 2,p; 20-21


رقم صفحة الكتاب الورقي: 27
والحكام إلى طرق خطيرة النتائج، فكان القائد مثلا يعهد بأرضه إلى جماعة من الجنود كي يفلوحها ويفيدوا من حاصلاتها (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note1). ودخل في صفوف الجيش جماعة من الفقراء الذين رضوا أن يتقاضوا أجراً قليلاً، وحل هؤلاء بجهلهم محل العسكريين أصحاب الدربة القديمة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note2). وهكذا تحول الجند إلى حاشية للقائد، ولم يعودوا أداة لكبح جماح الطغيان بل أصبحوا أداة لإحلال طغيان محل آخر (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note3).
وأما في الضرائب فكانت صقلية كغيرها من ولايات الدولة فريسة لجشع المحصلين تدفع ضريبة على الأملاك، وأخرى على الرؤس، وإتاوات على التجارة والصناعة، وزيادات إضافية على الضريبة الأولى، وضرائب للجند، وأخرىللملاحين وأموالا يبتزها الموظفون ويزيدون بها الحمل ثقلا (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note4). وكانت الحال سيئة في أيام القوط فزادت سوءاً أيام السادة البيزنطيين حتى إن أحد الجباة في نهاية القرن السادس أجبر الرعايا العاجزين عن دفع المال على تقديم أبنائهم، واستطاع موظف تافه الشأن في صقلية أن يصادر الممتلكات بالقوة، ويقول القديس جريجوريو: "نحتاج إلى مجلد لنفصل الجور الذي سمعنا به من هذا القبيل" (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note5).
ولم تكن الدولة هي المستغل الوحيد لصقلية بل كانت الكنيسة تشاركها النفوذ والسلطان لكثرة أملاكها فيها، فكان لكنيسة روما وميلان ورافنا اقطاعات كثيرة (patrimori) وكانت أملاك كنيسة روما موزعة في أنحاء الجزيرة حول سرقوسة وقطانية وميلاص وبلرم وجرجنت، وكان يديرها رئيسان أحدهما في سرقوسة والثاني في بلرم (6) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=9&LocTime=1141595537828#Note6).



(1)amari: storia dei musulmani di sicilia vol,2p. 339
(2)op.cit. , p.340
(3)op.cit.,p. 341
(4)amari: s.d. .m.vol,2p.332
(5)op.cit., p.333
(6)op.cit .,125

بهبهاني
03-06-2006, 12:55 AM
رقم صفحة الكتاب الورقي: 28
وكان في الأراضي الكنسية فلاحون يسمون الكولونيينcoloni وهم طبقة من الناس تشبه العبيد في ارتباطها بالأرض وتدفع الضرائب نقداً أو محصولات (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=10&LocTime=1141595553000#Note1).
وظلت صقلية ? كما كانت من قبل ? "اهراء روما" يسافر منها كل عام أسطولان محملان بالقمح، مرة في الربيع وأخرى في الخريف، وإذا غرقت المؤن في البحر أو نهبت قبل وصولها، طولب الكولونيون بالتعويض (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=10&LocTime=1141595553000#Note2). هذا بالإضافة إلى أن جامعي المحصول كانوا يتلاعبون بالمكيال ويزيدون في نسبة الضريبة المقررة. فلما اعتلى جرجوريو الأول كرسي الباباوية سنة 590م ورأى سوء الحال حاول أن يصلحها جهده. وفي الثمانية عشر شهراً الأولى من رئاسته كتب أربع عشرة رسالة إلى وكيل له بصقلية اسمه بطرس يحاول أن يذكره بضرورة النظر في ظلامات الناس وإنصافهم وتحقيق العدالة فيهم (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=10&LocTime=1141595553000#Note3). فهو يأمره أن يرجع نسبة الضريبة إلى الحد المقرر، ويكسر المكاييل الكبيرة، ويصدر لكل فلاح في أراضي الكنيسة دفتر ضمان libellus securitatis يقيد فيه ما يدفعه من ضريبة مشروعة (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=10&LocTime=1141595553000#Note4). ومن هذه الرسائل يتبين لنا الحيف الذي كان يصيب طبقات الفلاحين.
وكان المشرفون على أراضي القديس أبولنارس حامي رافنا يبعثون كل سنة سفناً محملة بمئات القناطير من القمح والفواكه والخضروات والجلود المدبوغة باللون الأرجواني، ومحملة بالحرير اللازوردي والمواد الصوفية وغيرها وكلها كانت توفر للكنيسة دخلا هائلا (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=10&LocTime=1141595553000#Note5).
وفي أواخر القرن السابع أصبحت الجزيرة حصناً يدفع العدوان عن الجناح الغربي للإمبراطورية وثغرا بين عدوين قويين، وسمح لها أن تستقل نوعاً في



(1)Gregorovius: history of rome vol , 2p .57
(2)Gregorovius: history of rome vol , 2p .57
(3)Hodgkins: italy and her invaders vol , 5p . 310
(4)op . cit . 313
(5)Gregorovius: vol , 2 , p. 365




رقم صفحة الكتاب الورقي: 29
تنظيم قواتها العسكرية، فأصبح لحاميتها تحت رياسة قائدها الأعلى stategos نفوذ واسع، ولكن هذه الحامية كانت غريبة تدافع عن غير وطنها، ولم يشترك فيها الشعب الصقلي، بل عاش ضحية لها أو متفرجاً يرمقها بأنظاره وحينا يصفق وحيناً آخر يلعن ويبكي، ولكنه لم يبادر إلى حمل السلاح أبداً (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=11&LocTime=1141595660812#Note1).
تلك هي حال الجزيرة بين أطماع الحكومة والكنيسة وفساد حال الجيش، ومن ثم لم يكن المجتمع الصقلي في ظل الدولة البيزنطية مجتمعاً سعيداً ناهضاً مكفول الحرية ? كانت الجزيرة تضم خليطاً من لأجناس، أهم عناصره الإغريق والطليان، وإلى جانبهم جماعات من اليهود تميزوا منذ البدء بانكماشهم على أنفسهم، وبكره الأجناس الأخرى لهم، ولكنهم لم يكونوا كثيري العدد (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=11&LocTime=1141595660812#Note2). وقد حاول جرجوريو أن ينصفهم ويدفع عنهم الاضطهاد. كما حاول أن يغريهم بالتنصر حين كلف وكيله في صقلية بحط الضرائب عنهم إن هم فعلوا (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=11&LocTime=1141595660812#Note3) ولما استولى أسقف بلرم على معبد اليهود وحوله إلى كنيسة، عد جرجوريو هذا العمل حيفاً، وأمر الأسقف بأن يدفع ثمن المعبد، إذ كان رده إلى حاله الأولى قد اصبح عسيراً (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=11&LocTime=1141595660812#Note4) وأضافت الحكومة إلى هذه الأجناس بعض المنفييين، إذ كانت تعتبر صقلية منفى للمذنبين والمجرمين والعساكر المتمردين.
وامتلأت الجزيرة بقطعان العبيد الذين كثروا بما انضم اليهم من أسرى ومن ملاك صغار عجزوا عن الفلاحة لما بهظتهم الضرائب، فهربوا والتمسوا لهم منازل في مزارع الأغنياء ودفعوا حرياتهم ثمناً لذلك. وبعد زمن أخذ يقل تردد اسم العبيد في سجلات الأرض ويحل محله اسم الكولونيين (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=11&LocTime=1141595660812#Note5). ولم تحاول الكنيسة أن تصلح من حالهم بل أن جرجوريو شد وثائقهم في أملاك البابا،





(1)amari s.d.m vol , I pp. 341 - 342
(2)amari , s .d ..m.vol , p.324
(3)Hodgkin's ,vol, 5 p.316
(4)freeman: Sicily , p.351
(5)Amari, s.d.m vol , I p. 326


رقم صفحة الكتاب الورقي: 30
إذ صرفته شهوة الطموح السياسي عن أن يعمل شيئاً في سبيل أولئك التعساء حين ظن أن تحريرهم يقلل الوارد إلى خزينة البابا، ولم يكفه أنه أقر عبودية الأرض بل حرم عليهم أن يزوجوا أبناءهم من جنس آخر (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=12&LocTime=1141595672031#Note1).
وكانت الخرافات تسيطر على حياة تلك الأجناس حتى مزجها الناس بالدين، فعبدوا القديسين وأخذ البابا يخص أهل الحظوة بشيء من بقايا رفاتهم، ويرسل إلى الكنائس النائية هدايا من زيت القناديل التي تضاء عند القبور الشهداء، أو يبعث بقطن غمس في ذلك الزيت ثم حفظ في زجاجة كتب عليها اسم أحد القديسين. ويؤكد جرجوريو نفسه أن لمس هذا الزيت يفعل المعجزات. وانضاف إلى عبادة الرفات إيمان بالخرافات الشائعة وبقيام الأموات من قبورهم ورؤية الهالات المطيفة برؤس القديسين، والرؤى التي يتمثل فيها الشياطين، ومن الغريب ان نجد رجلا مثل سان جرجوريو يؤمن بهذه الأباطيل وتكشف "حوارياته" عن إيمانه بكل خرافات عصره، حتى إنه لما دشن إحدى الكنائس باسم القديسة "إغاثة" حامية قطانية من غضب بركان لأتنا، قص هنالك أنه بعد الاحتفال رأى الشيطان قد تمثل خنزيراً وأخذ يروح ويجيء بين أرجل المصلين إلى أن فسحوا له وخرج وهذه الحواريات ترجمت إلى العربية في القرن الثامن (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=12&LocTime=1141595672031#Note2).
وفي النصف الأول من القرن الثامن أذاع ليو في الناس منشوراً يحرم به الصور في الكنائس ويأمر بإزالتها.وعارضة البابا في حركته هذه وأرسل إليه رسائل شديدة اللهجة. ولما شاء ليو أن ينتقم من البابا أرسل أسطولا إلى صقلية استولى على ما له من أملاك فيها (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=12&LocTime=1141595672031#Note3). ثم زاد الضرائب على صقلية وقلوية، وأمر بتسجيل المواليد لكي يضمن للجزية سجلا لا يخطئ، وكانت ضربته





(1)Op . Cit, Pp.327-329
(2)Gregorovius,Vol ,I Pp. 73-80
(3)يقدر ثيوفانس أنها كانت تدر على الكنيسة 3.5 تلنت (35 ألف قطعة ذهبية) ولكن الأستاذ أماري يشك في صحة هذا الرقم AMARI S .D . M . VOL I P. 125




رقم صفحة الكتاب الورقي: 31
الأخيرة في هذا السبيل أن اقتطع صقلية وقلورية والبريا من قبضة البابا وضمها إلى بطريركية القسطنطينية (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=13&LocTime=1141595693984#Note1).
وفي عهد خلفائه نسمع عن اضطهادات في الجزيرة وعن ضحايا كثيرين من أهل صقلية غير أن الحالة كانت هادئة في النصف الثاني من القرن الثامن لأن عدد الجيش والقلاع لم يكن يسمح بالثورة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=13&LocTime=1141595693984#Note2).
وقد كان بعد الجزيرة يغري طامحاً بعد آخر بالاستقلال (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=13&LocTime=1141595693984#Note3) وقامت غير محاولة من هذا القبيل كانت آخر واحدة منها سبباً في دخول المسلمين صقلية.
وجملة القول أن صقلية البيزنطية فقدت ? كما يرى الأستاذ أماري ? شخصيتها ومقومات الحياة العمرانية فيها، واختنق فيها كل شعور بالرفعة الإنسانية، وبلغت من الانحطاط درجة ليس ثمة ما هو أدنى منها.

3



الفتح الإسلامي


ولم يكن الفتح العربي نتيجة لشعور الشعب الصقلي بأن حالته سيئة وأن تغير الحاكم قد يؤدي إلى تحسن في الأحوال، ولا كان استمراراً للموجة الإسلامية في اندفاعها الاول الذي كان من نتيجة فتح العراق وسورية ومصر وشمالي أفريقية والأندلس، فليس يمثل ذلك الاندفاع في صقلية إلا بضع غزوات قام بها المسلمون، ولم تثبت لهم في الجزيرة قدماً ولم تكن تلك الغزوات من اجل الغنيمة دائماً ففي 122ه? نزل حبيب بن أبي عبيدة، حفيد عقبة فاتح أفريقية، أرض صقلية ومعه ابنه عبد الرحمن، وفي نيته أن يمضي في





(1). 77-78 E.J MARTIN: HIST . OF THE ICONELASTS PP
(2)AMARI, S.D.M.VOL, I PP . 345-46
(3)Bury: Hist .of the eastern roman . empire p. 295


رقم صفحة الكتاب الورقي: 32
الفتح حتى يستولي على الجزيرة كلها، غير أن قيام ميسرة السقاء بثورة في إفريقية اضطره إلى العودة وأحبط سعيه. وكانت الحوادث في إفريقية مشغلة للمسلمين، فحولت جهودهم عن صقلية. والحق أن تلك الغزوات أضافت لي خزينة الدولة شيئاً من المال ولكنها كانت إحدى العقبات في سبيل الفتح حين جاء أوانه، لأنها نهبت الروم إلى مدى الأطماع في نفوس العرب الفاتحين، وجعلتهم يتخذون من صقلية قاعدة لحماية الإمبراطورية عند حدودها الجنوبية، فعمروا فيها الحصون والمعاقل، حتى لم يتركوا جبلا إلا وبنوا عليه حصناً وصاروا يخرجون في كل عام مراكب تطوف بالجزيرة وتذب عنها، وربما صادفوا تجاراً من المسلمين فأخذهم (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=14&LocTime=1141595707578#Note1).
إنما كان الفتح نتيجة لحادث من تلك الحوادث المتكررة على مسرح السياسة بصقلية، فأن رجلا اسمه فيمي Euphemius ثار على قسطنطين بطريق صقلية، لأن البطريق أراد أن يقبض عليه ويعذبه بأمر من حكومة القسطنطينية. وسواء أكان فيمى طامعاً من أولئك الطامعين، ثار في سرقوسة وأخفق، فلجأ إلى المسلمين، أم أنه اختطف فتاة جميلة كانت قد لجأت إلى دير وشكاه أهلها إلى الإمبراطور، أم أنه أحب هومونيزه omoniza الجميلة واغتصبها منه صاحب صقلية (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=14&LocTime=1141595707578#Note2) فذهب يستعين بالقيروان عليه ? سواء كان هذا السبب أو ذاك، فالذي حدث فعلا أن فيمي لجأ إلى بني الأغلب، يطلب منهم المعونة.
وكانت بين أفريقية وصقلية هدنة لم تنقض مدتها، ولذلك جمع زيادة الله وجوه أهل القيروان وفقهاءها، وفيهم أسد بن فرات وأبو محرز القاضيان وسحنون الفقيه، واستشارهم في الأمر وجلس المجتمعون يقررون مصير صقلية، أتظل هذه الجزيرة للإمبراطور أم تكون لخليفة بغداد ؟ أتبقى قطعة من القارة الأوربية أم تصبح جزءاً من أفريقية؟ وانقسم الناس فريقين: أقلية معتدلة





(1)ابن الأثير 5/89 والمكتبة الصقلية: 220.
(2)انظر أماري S.D.M المجلد الأول: 367-381 عن الأسباب المقترنة بثورة فيمي.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 33
متريثة لا ترى الغزو ولا تشير به، فيها سحنون الذي سأل المجتمعين كم بينها وبين بلاد الروم، قالوا: يروح الإنسان مرتين وثلاثة في النهار ويرجع قال: ومن ناحية إفريقية؟ قالوا يوم وليلة قال لو كنت طائراً ما طرت عليها (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=15&LocTime=1141595728156#Note1).
وفريق متطرف متمحس، ينظر أفراده إلى الأمر نظرة دينية، ويعدون القيام به جهاداً في سبيل الله، وإعزازاً لدينه، وغلب سحنون على رأيه، وبقي للأيام أن تظهر بعد نظرة، وأن صقلية في موقعها لا يمكن أن تكون جزءاً من أفريقية، وبقي للأيام أن تثبت مرارة الجهاد عند من تحمسوا له، وبقي أيضاً شيء واحد لم يكن له لولا الحماسة الدينية من حل: هو الهدنة وكيف يستبيح الفقهاء أن يفتوا زيادة الله بنقضها؟ وعرض الأمر على أسد وأبى محرز وعاد التطرف والاعتدال يقفان موقفهما من تلك المشكلة. فأما أبو محرز فآثار التريث، وأما أسد فرأى أن يسأل رسل الصقليين ليعرف هل لديهم في صقلية أسرى من المسلمين. قال أبو محرز: وكيف نقبل قول الرسل عليهم أو دفعهم عنهم ؟ فقال أسد: بالرسل هادناهم وبالرسل نجعلهم ناقضين.
قال الله عز وجل: "فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون" فكذلك لا نتماسك به ونحن الأعلون (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=15&LocTime=1141595728156#Note2).
وحلت العقدة أو تحلل زيادة الله من الهدنة، حين أقر الرسل بوجود الأسرى من المسلمين في صقلية، وأذن بالغزو وعهد بالقيادة إلى أسد، وأقلع الأسطول من مدينة سوسه يوم السبت، النصف من شهر ربيع الأول سنة 212 في نحو مائة مركب، سوى مراكب فيمي (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=15&LocTime=1141595728156#Note3) وأعاد التاريخ نفسه: هذه هي صقلية تغزي مرة ثانية من شمال أفريقية كما غزيت أول مرة على يد الفينيقيين، وهذا هو جيش أسد بن الفرات يدخل صقلية من الجهة التي دخلها منها الفينيقيون أيضاً ، وها هي الجموع السامية تقاتل كما قاتلت من قبل





(1)النويزي في المكتبة: 427- 428.
(2)رياض النفوس في المكتبة: 182-183.
(3)النويري في المكتبة: 428.

بهبهاني
03-06-2006, 12:58 AM
رقم صفحة الكتاب الورقي: 34

وتحمل دينا آخر تريد أن تبسطه على الجزيرة (1). وتختلف المصادر في عدد الجيش الذي خرج مع أسد، ولكنها تتفق في أنه كان مكوناً من أشرف أفريقية من العرب والجند ? ومعظمهم من الفرس الخراسانيين (2) ? وأسد واحد منهم ? ومن البربر والأندلسيين وأهل العلم والبصائر (3) ولم يرتح أسد لاشتراك فيمى وأصحابه معه في القتال، فأمرهم أن يعتزلوا المسلمين (4)، واستطاع ? في وقت قصير ? أن يستولي على عدة حصون بينها مازر، وأن يغنم غنائم كثيرة، غير أنه عاد فوقع في خطأ من جاءوا قبله، حين حاول فتح سرقوسة. حقاً إنه استطاع أن يضيق عليها ويحرق مراكبها ويقتل جماعة من أهلها، مستعينا بأمداد من أفريقية والأندلس (5)، ولكن اسطولا من القسطنطينية وصل لنجدتها وكان الوباء قد تفشى في المسلمين وهلك من جرائه كثيرون فيهم أسد نفسه (6). وكان أسد قد ترك في كل حصن استولى عليه حامية تضبطه فقل عدد جيشه. ولما رأى المسلمون شدة الوباء نزلوا في مراكبهم فمنعهم الروم من الخروج، وعندئذ أحرق المسلمون مراكبهم، ورحلوا إلى مدينة ميناو mineoفحصروها ثلاثة أيام وتسلموا الحصن (7).
ونستطيع أن نجمل القول بأن الفتح العربي كما دون في كتاب التاريخ غير ملطف بجو اسطوري، أو مزوق بشيء من التهويل، ولكنه على واقعيته التي يتسم بها يكاد يبلغ حد المغالاة في تصوير المثابرة والنفور من الاستسلام،



--------------------------------------------------------------------------------



(1) أول من أشار إلى الفكرة المؤرخ grote ثم اعتنقها freeman وأسهب في بيانها. انظر الفصل الأول من كتابه hist المجلد الأول.

(2) amari , s. d. m .vol , ip394

(3) ابن عذاري في في المكتبة: 355.

(4) ابن الأثير 6/137 والمكتبة:222 وأمرهم أسد أن يجعلوا على رءوسهم سيما يعرفون بها ليلا (انظر المكتبة 185 عن رياض النفوس).

(5) ابن عذاري في المكتبة: 355.

(6) يقول ابن خلدون إنه دفن في بلرم والنص يفيد أن بلرم كانت قد فتحت وهو نص غريب، إذ يقول بعد قليل أن بلرم فتحت بالأمان سنة 217 (انظر المكتبة: 467).

(7) ابن الأثير 6/138 والمكتبة: 223.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 35

والذهاب إلى الغاية في التضحية بالنفس، وقد كانت الأوبئة والمجاعة والخسارة في الأرواح كافية لأن تخلق اليأس في نفوس الجند المحاربين، ولكن يشبه أن يكون فتح صقلية عناداً مستمداً من قوة النفسية التي خرج بها أسد فاتحاً أكثر من كونه سعياً وراء غنيمة أو كسب. وكان مما يزيد المحاربين حرجاً انشغال زيادة الله بفتنة في الداخل وغزاة من الخارج. ولما اصبح في مقدور زيادة الله أن يمدهم بالجند فتحوا بلرم سنة 216ه?.
وكان فتح بلرم خطوة كبيرة أدت إلى استيلاء على سائر الجزيرة، فلم يعد المسلمون في حاجة إلى الانحياز في معسكرات أو قلاع صغيرة، وكانت بلرم مدينة بحرية جيدة الميناء، واتصالها بأفريقية سهل، ولذلك أصبح في استطاعتهم أن يعتمدوا على مدد دائم من أفريقية، وأن يحصلوا على المؤن باستمرار. ثم إن المنطقة حول بلرم خصبة يمكنها أن تزود عساكرهم بمؤن كثيرة (1). ولذلك اتخذها المسلمون قاعدة لهم كما فعل الفينيقون من قبل . وأخذوا يزحفون منها على النواحي الأخرى من صقلية فإذا قضوا مهمتهم عادوا إليها. وأخذت السرايا تخرج كل يوم فتغير في انحاء الجزيرة، وترجع محملة بالرقيق والغنائم. وكان من أثر عمليات النهب هذه أن ضعفت روح المقاومة عند كثير من المدن والقلاع، فاستأمن كثير منها إلى المسلمين (2) وبثت السرايا الرعب حيثما اتجهت.
وعلى هذه الأعمال التمهيدية اعتمد الفتح في كثير من الأحيان، وكان حرق المزروعات خطة مقصودة لتوهين الناحية الاقتصادية ومن ثم إضعاف روح المقاومة عند السكان. إذ كانت المقاومة التي يلقاها المسلمون مزدوجة، فهم يواجهون القوات المحلية التي يقودها بطريق صقلية، ويواجهون الجيوش والأساطيل التي ترسلها حكومة القسطنطينية لتدافع عن الجزيرة. وكانت أعنف مراكز المقاومة ثباتاً هي قصريانة وسرقوسة وطبرمين ومنطقة دمنش، ولذلك كانت السرايا المبثوثة تحاول في يأس أن تعمل شيئاً. واستولى المسلمون على مسينة



--------------------------------------------------------------------------------



(1) أنظر أماري s.d.m المجلد 1 ص 26.

(2) ابن الأثير 6/ 202 والمكتبة: 228.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 36

فانفتحت أمامهم الطريق إلى جنوبي إيطاليا. والظاهر أن جهودهم هذه حولت انتباههم عن بقية صقلية، وأتاحت للمدن فرصة تتقوى فيها. لكن أعمال السرايا القائمة على تخريب لم تنقطع فكانت تخرج في الصيف والشتاء.
وانضم إلى هذه الأعمال الابتدائية عامل ساعد على الفتح، وبه انهار الركن الثاني من المقاومة ? ذلك هو الخيانة المحلية فبمساعدتها تم الاستيلاء على قصريانة في ولاية العباس بن الفضل. ففي سنة 241 أقام العباس ثلاثة أشهر حول قصريانة، يقتل ويصيب ويغنم، وكان ممن أسره المسلمون رجل كان له عند الروم قدر ومنزلة (1) فلما راى هذا الرجل أنه مقتول، طلب إلى العباس أن يستبقيه ووعده بأن يسهل للمسلمين فتح قصريانة ? كان الوقت شتاء والثلج قد غطى البقاع، وأهل قصريانة آمنون من قصد المسلمين وغير مستعدين للقاء، فأرسل العباس مع الرومي نحو ألفي فارس من عسكره، فدلهم على المدخل إلى المدينة، فدخلوا ووضعوا السيف في الروم وفتحوا الأبواب، ولما دخلها العباس بني فيها في الحال مسجداً ونصب فيه منبراً وخطب فيه الجمعة، وقتل من فيها من المقاتلة وأسر من فيها من بنات البطارقة بحليهن، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وأهدى من سبيها للمتوكل وبسقوطها ذل الشر يومئذ بصقلية ذلا عظيما (2). وارتجت المعنويات واهتزت لسقوطها القسطنطينية، وأرسلت أسطولاً ليثأر لها ففجأه المسلمون وقضوا عليه.
ولم تعترف صقلية بالهزيمة لأن قسمها الشرقي وهو أقربها إلى القسطنطينية كان لا يزال ممعناً في المقاومة بتحريض من الإمبراطور، بل إن كثيراً من القلاع التي استسلمت للمسلمين انتقضت عليهم سنة 246 ولم يجد الوالي المسلم بدا من تحصين قصريانة، لتكون ملجأ يلوذ به المسلمون كما يلوذ الروم بسرقوسة. بل إن العباس حاول التحرش بسرقوسة نفسها ولكن منيته أدركته عند غيران قرقنة، وطويت بموته صفحة من البطولة والشجاعة والجهاد



--------------------------------------------------------------------------------



(1) ابن الأثير 7/20 والمكتبة 232.

(2) ابن الأثير 7/20 والمكتبة: 232 -233.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 37

الدائب، فدفنه المسلمون هناك وجاء الروم فنبشوا القبر وأحرقوا جثته (1). وسار خلفاؤه على سنته في بث السرايا وتخريب المزارع، والاستفادة من الخيانة المحلية، وبواسطتها سلمت نوطس، واستأمنت رغوس، وظلت سرقوسة ممتنعة وقصاري كل وال أن يبث في أرضها السرايا فيغنم ويحرق. وكاد المسلمون يستولون على طبرمين بعون من الخيانة سنة 255 ولكن البطء في تنفيذ الخطة عاقهم عن ذلك (2).
وبعد عشرين سنة من سقوط قصريانة جاء دور الركن الثالث من أركان المقاومة وأمير صقلية يومئذ جعفر بن محمد. وظلت سرقوسة التي ظن أسد ابن الفرات أنه يستطيع فتحها تقاوم مدة تزيد على خمسين سنة، ولم تهن عزيمتها إلا حين استطاع جعفر أن يملك بعض أرباضها، ووصلت إليها مراكب الروم فأصابها المسلمون، وتمكنوا من حصر المدينة واستمر الحصار تسعة اشهر عانى فيها السكان شدة وضيقا، ويحدثنا ثيودوسيوس في رسالة كتبها يصف فيها حصار المسلمين لبلده وكيف قاومت وكيف سقطت Epistolae De Expugnation Siracusarum، يحدثنا أن المسلمين أعدوا الحصار سرقوسة كل ما قدروا عليه من آلات الحصار (3). ثم نفدت المؤن من المدينة وانتشرت المجاعة بين الناس، ويقول ثيودوسيوس الراهب الغرماطيقي في لهجة حزينة: لقد أتينا على كل الدواجن واضطررنا أن نأكل ما كانت تحصله أيدينا، دون ان نراعي فروض الصوم، لأن الحبوب والأعشاب والزيت كانت كلها قد نفدت، وأما صيد السمك فوقف منذ أن قبض العدو على زمام الميناء . وكان المقدار الضئيل من القمح ? إذا تيسر ? يسوي مائة وخمسين بيزانته ذهبية (الواحدة ? 10 شلنات) ومن الطحين مائتين، وأوقينا الخبز ببيزانتة واحدة، ورأس حصان أو حمار يباع بخمس عشرة أو عشرين، أما الفرس فلا يتيسر شراؤها بأقل



--------------------------------------------------------------------------------



(1) عن ابن الأثير 7 /21 والمكتبة: 234.

(2) عن ابن الأثير 7 /34 والمكتبة: 236.

(3) انظر اماري S.D.M. المجلد الأول:537.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 38

من ثلاثمائه... (1) وكان لا بد لجيش اختلطت فيه ألوان كثيرة من الجنود أن لا يكون مثاليا في تصرفاته حين يستولي على إحدى المدن ولكن ثيودوسيوس لا ينكر حدوث ما يدل على المعاملة الحسنة والنظام بين الجنود والطاعة لأوامر قائدهم الاعلى. وفي نهاية جعلت سرقوسة تيهاً من الخرائب، ولم تبق فيها نسمة حياة، ولم يكن هنالك ثيوقريطس أو ابن حمديس ليبكي مصرع وطنه (2). وأخلى المسلمون المدينة ونقلوا الأسرى والغنائم إلى بلرم (3) وكان على هؤلاء الأسرى أن يستطعموا مرارة أخرى سوى مرارة الأسر، تلك هي رؤيتهم مدينة بلرم التي كانوا يرون من الحطة أن يقيموا لها وزنا ? رؤيتهم بلرم تحنيهم تحت نيرها. وثارت في نفوس أولئك الأسرى تلك المنافسة البلدية ولم يستطيعوا أن يفرقوا بين بلرم التي كانت عاصمة لولاية بيزنطية وبين بلرم عاصمة الحكومة الإسلامية (4). ويحدثنا ثيودوسيوس بأنه نقل مع الأساقفة ورئيسهم صوفرونيوس بعد خمسة أيام إلى الأمير الأعلى، ويعني به والى صقلية، فوجدوه "جالساً في رواق وقد احتجب عن الأعين خيلاء وجبروتا" وتحدث الأمير إلى رئيس الأساقفة والمترجم بوجه الحديث بينهما في جدل ديني قصير، ثم أذن لهم فانصرفوا (5).
كان سقوط سرقوسة نهاية محاولات طال مدها، ولكن لم ينته به كل عناء. فقد بقي أكثر القسم الشرقي غير خاضع للمسلمين، وظل الروم يجددون محاولاتهم لاسترداد ما فقدوه، وظلت قطانية وطبرمين وغيرها من المدن الشرقية شوكة في جنب المسلمين، وكانت الروح الدينية في هذه المنطقة ذات أثر في إذكاء نار المقاومة. وظل والى بلرم يخرج بجيشه أو يبث سراياه ويفسد الزروع والثمار ويحرق الكروم. ولما قرر إبراهيم بن الأغلب الخروج في



--------------------------------------------------------------------------------



(1) المصدر نفسه: 539-540.

(2) Amari, S. D. M. vol I pp . 547 - 48.

(3) op .cit p . 548.

(4) op . cit . p . 549.

(5) Amari: S . D. M . vol ,I, p 549.



رقم صفحة الكتاب الورقي: 39

جهاد متسع الأطراف سنة 289 استطاع فتح طبرمين وكان وقع الخبر على سماع الإمبراطور مؤلماً (1). وارتكز هم إبراهيم في منطقة دمنش، ولكن منيته لم تهمله ليتم فتح هذه المنطقة، وأخذت الفتن المحلية تشغل بال المسلمين، ووافق ذلك ظهور العبيديين وسقوط الأغالبة، وكان هم أول وال عبيدي على صقلية أن يحارب دمنش، ولكن استمرار الفتن مدة طويلة أراح شرق الجزيرة من إلحاح الجيش الإسلامي، حتى طبرمين التي افتتحها إبراهيم عمرت من جديد واضطر أحد ولاة الكلبيين على جزيرة أن يعاود فتحها سنة 351 هـ، ويهدمها. وبقيت المنطقة الشرقية غير معترفة تماماً بسلطان المسلمين إلى آخر أيامهم في الجزيرة. وقنع منها الولاة بالجزية ووجهوا همتهم إلى الفتح في جنوبي إيطاليا أو إلى صد الروم عن إنجاح محاولاتهم للاستيلاء على شيء في الجزيرة.

4


الفتن الصقلية في فترة الانتقال من يد الأغالبة إلى بني
أبي الحسين الكلبيين

طال عهد الشقاق والفتنة بصقلية عند تغير الحكومة في أفريقية بزوال دولة الأغالبة وقيام العبيديين، وربما كانت تلك الفتن المتكررة (300-327) تعبيراً عن محاولات للاستقلال، وشعوراً داخلياً من شيوخ الجزيرة بكرههم للتبعية لأفريقية، ولكنها لم تكن كذلك في كل مظاهر العصيان، بل كانت أحياناً أخرى مسببة عن كره بعض الولاة للحكومة الشيعية الجديدة وميلهم بعواطفهم إلى الخلافة العباسية، ومنذ هذا الحين نجد صقلية أولا، وشمالي أفريقية ثانياً، مسرحاً للتنافس بين الخلافتين العباسية والفاطمية، وكانت الفتن في أحيان أخرى نتيجة ظلم الولاة واعتبارهم صقلية كنزاً يغترفون منه ما يملأ جيوبهم وخزانة دولتهم بالمال. وضرب الصقليون في هذه الفترة أمثلة كثيرة في التقلب وعدم الثبات على حال، وفي فزعهم إلى العدو الخارجي يستغيثون



--------------------------------------------------------------------------------



(1) عن ابن الأثير 7/94 والمكتبة: 241.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 40

به، كأنما كانت تسيرهم المصلحة العاجلة وحدها دون بعد في النظر، وسيظل هذا هو الداء العضال الذي تشكوه صقلية، بحكم موقعها، وسيكون هذا الداء سبباً في القضاء على السيادة الإسلامية في أرجائها.
ونستطيع أن نتصور التبعية المطلقة التي كانت تدين بها صقلية لأفريقية أيام الأغالبة، إذا عرفنا أن المهدي، حال تسليمه المقاليد، أرسل إليها بوال وقاض من قبله، ولا نعرف أنه حاول عندئذ أن يرى رأى صقلية في المسألة، ولا أنه حسب لامتناعها عليه حساباً، فأعد لإخضاعها أسطولاً إن هي حاولت أن تقف موقف المعاند الجريء.
ولم يثر الصقليون على أول ولاة المهدي، إلا حين أساء السيرة فيهم، واعتذروا إلى المهدي مما فعلوه فقبل عذرهم، وولى عليهم والياً آخر، فلما آنسوا منه ليناً وضعفاً، عزلوه وولوا عليهم أحمد بن قرهب (1). ومن الطريف أن أحمد هذا كان كارهاً تولى المر فهرب من الصقليين وتوارى عنهم في غار (2). غير أن إلحاح وجوه البلد عليه وتعهدهم له بأن لا يخذلوه جعله يقبل. والحقائق التي نستطيع جمعها عن هذا الوالي الجديد تصوره رجلا بعيد الطموح، ولكن يشك في بعد نظره - كان يفهم طبيعة الصقليين فهماً تاماً، ويعرف أن العنصر الصقلي قد قوي إلى حد لا يستطاع إخضاعه أو قهره بالعسكر الصقلي نفسه، إذ كان من السهل أن يتفاهم الشعب والجيش على خصومه الوالي الأجنبي عنهم. وكان يعلم أن أهل بلرم خاذلوه دون اكتراث كثير ليمان أو عهود ، ومع ذلك فقد قام بعدة محاولات فيها ما يناقص هذا الفهم فأسرع بنفسه إلى الهاوية ووقع فريسة لتقلب الصقليين.
حاول ابن قرهب أن يغير العاصمة فأرسل ابنه إلى طبرمين ليفتحها ويجعلها حصناً يأوى إليه هو وأبناؤه وعبيده و أمواله، و نسى أن طبرمين امتنعت على كل قائد من قبله، وغفل كذلك عن أن طبرمين في منطقة مسيحية لا تتجاوب



--------------------------------------------------------------------------------



(1) ابن الأثير 8/23 والمكتبة: 251.

(2) ابن عذاري في المكتبة:364.

رقم صفحة الكتاب الورقي: 41

معه في العواطف، وأنها لا تصلح حتى أن تكون ميناء يهرب منه إلى المشرق. وعند أسوار طبرمين ثبت لابن قرهب فعلا أن الجند الصقلي كان قد اصبح أداة فاسدة ، إذ اختلفوا على ابنه أثناء الحصار وكرهوا طول الإقامة، واحرقوا خيمته، وكادوا يفتكون به، لولا أن حماه العرب (1). وحماية العرب له تدل على أن ابن قرهب كان قد انحاز إلى الفئة القليلة ولم يكن ذلك يرضى الصقليين.
والظاهر أن ابن قرهب لم يكن في بادئ الأمر يفكر في الخروج على المهدي، وشاهد ذلك أنه كتب إليه القول: إن أهل صقلية يكثرون الشغب على أمرائهم ولا يطيعونهم، وينهبون أموالهم، ولا يزول ذلك إلا بعسكر يقهرهم ويزيل الرياسة عن رؤسائهم (2). فمثل هذا القول يدل على إخلاصه النصح للخليفة العبيدي، ولا ندري ما الذي غيره عن هذه الطريقة فإذا به يستميل أهل صقلية، ويقنعهم بالثورة على المهدي والدعوة لبني العباس، وإذا هو يطمئن إلى الصقليين وينسى سرعة تقلبهم. وإجابة الناس إلى طاعة المقتدر فخطب له بصقلية وقطع خطبة المهدي (3). وكتب إلى المقتدر ببغداد أن يكون داعياً له وقائماً بأمره بجزيرة صقلية، فأنفذ المقتدر ذلك له، وبعث إليه بألوية سود وخلع سود وطوق ذهب، ولما وصل إليه ذلك سر به، وأظهر الحزم والجد في أمره (4)، فبدأ بالمقاومة العملية فأحرق أسطول المهدي بمرسى لمطة وقتل قائده وأسر من أصحابه نحو ستمائة رجل، وبلغ الأمر عبيد الله فأرسل جيشاً يدافع عن الأسطول، ظناً منه أنه لا يزال يمكن إنقاذه، فظفر ابن هرقب بأصحابه وغنم ما معهم. ثم اتسعت خطة ابن هرقب فأراد أن يغزو المهدي في عقر داره فبعث بأسطول إلى أفريقية، ولكن أسطول المهدي انقض عليه، وأخذ مراكبه،



--------------------------------------------------------------------------------



(1) ابن الأثير 8/23 والمكتبة: 252.

(2) ابن الأثير 8/23 والمكتبة: 253 .

(3) المصدر نفسه 8/23 والمكتبة: 252.

(4) ابن عذاري في المكتبة: 346.

ولد المنتدى
03-06-2006, 08:03 PM
الصراحة آنا ما قريت كل الموضوع لاكن ..... قريت بعضه

و مشكور على الجهد الرائع للعضو / بهبهاني

بهبهاني
03-06-2006, 11:52 PM
العفو اخوي ولد المنتدى و الموضوع طويل فهو عبارة عن كتاب كامل و للامانة فهو مهم حيث يحكي تاريخ الحكم الاسلامي لجزيرة صقلية الايطالية

نكمل الموضوع

رقم صفحة الكتاب الورقي: 42
وطارت أحلام ابن قرهب في لحظة.
واستيقظ أهل صقلية من سحر ابن قرهب، ورأوا أن الوقت حان لإعلان العصيان، وكان البادئ بذلك أهل جرجنت فكتبوا إلى المهدي، وتبعهم في ذلك أهل البلاد الأخرى، وثارت صقلية كلها على ابن قرهب ودعوته العباسية، ولم تنفعه خلع المقتدر وألويته. وحاول مداراة أهل البلد وملاينتهم فلم تثمر محاولته، ثم فكر في النجاة إلى الأندلس واكترى مراكب وشحنها متاعاً، فحال أهل صقلية بينه وبين ما أراد، وانتهبوا ما كان له وأسروه هو وابنه وقاضيه ابن الخامي (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=24&LocTime=1141677906828#Note1). وبعثوا بهم إلى المهدي فقتلهم وصلبهم وانتهت بذلك هذه الحركة الخطيرة.
ولم يكن أهل صقلية جادين في تحولهم نحو العبيديين، كانوا يريدون الخلاص من ابن قرهب فتم لهم ذلك، ثم أرادوا ان تكون الحكومة في أيديهم وأن لا يكون المهدي إلا اسم، فأرسلوا يطلبون منه واليا وقاضياً، ويظهرون عدم احتياجهم إلى رجال أو مدد (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=24&LocTime=1141677906828#Note2)، ويشترطون شروطاً خاصة، وكانوا ينوون من ذلك أن تظل المبادرة في أيديهم، وأن يتحكموا في الوالي كيفما طاب لهم، ولكن ابن قرهب لم يمت قبل أن يفضي للمهدي بسر حالهم، وعرف المهدي كبف يؤدبهم، فجهز إليهم جيشاً من الكتاميين أنصاره الخلص، وأخرجهم في أسطول فأظهرت بلرم الامتناع، فحاصرها القائد بجيشه وقتل جملة من أهلها، وأحال كتامة على من ألفى في أرباض المدينة من النساء والذرية فعبثوا بهم وافترع الجواري الأبكار (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=24&LocTime=1141677906828#Note3). وعندئذ طلب أهل صقلية الأمان ودفعوا القائد المهدي المحرضين على الفتنة، فآمنهم وهدم سور مدينتهم وأخذ سلاحهم وخيلهم وضرب عليهم مغرماً، وبعث بمن أخذ منهم إلى عبيد الله في مراكب فانكفأت بهم في البحر (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=24&LocTime=1141677906828#Note4). وأتاه كتاب من المهدي يأمره بالعفو





(1)المصدر السابق: 365.
(2)المصدر نفسه: 365.
(3)المصدر نفسه.
(4)المصدر نفسه: 366.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 43
عن العامة (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=25&LocTime=1141678083828#Note1). وولى صقلية سالم بن أبي راشد وجعل له حراساً من كتامة. وكان سالم مثال الوالي الظالم العسوف، فعهد بحكم المدن إلى ولاة غلاظ قساة، وحاق بالناس ظلم أخرجهم عن طورهم وأدى بهم إلى الاستماتة في مقاومة ذلك العسف، فثارت جرجنت (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=25&LocTime=1141678083828#Note2) واقتدت بها بلرم فأرسل سالم إلى الخليفة القائم يعرفه أن أهل صقلية خرجوا عن طاعته وخالفوا عليه، فأمده بجيش على رأسه خليل بن إسحاق. واستقبل الناس خليلاً بالشكوى، وخرج إليه النساء والصبيان يبكون ويشكون، حتى رق الناس لهم وبكوا لبكائهم (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=25&LocTime=1141678083828#Note3). وتذمروا من سالم وسياسته، وظنوا أن الخلاص سيكون على يدي خليل ولكن سرعان ما كذبتهم الظنون فغن سالماً خلا بهم وأفهمهم أن خليلاً جاء لينتقم منهم بمن قتلوا من عسكره، وتحقق لديهم صدقه حينما أخذ خليل يهدم أسوار بلرم، ويبني عند المرسي مدينة ويحصنها، وهي التي سماها "الخالصة" وأرهق الناس في أعمال البناء، فخاف أهل جرجنت، وحصنوا مدينتهم واستعدوا للحرب، فسار إليهم خليل سنة 326ه? وحاصرهم ثمانية أشهر ولم يخل يوم واحد فيه من القتال، ولما حل الشتاء رحل عنهم إلى الخالصة.
وسعى أهل جرجنت فألبوا عليه المدن الأخرى، وفي السنة التالية ثارت جميع القلاع وأهل مازر. وكاتب الجرجنتيون ملك القسطنطينية يستنجدونه فأمدهم بالمراكب فيها الرجال والطعام. وفزع خليل ورأى أن صقلية تؤول إلى الانفلات من قبضة العبيديين فاستنجد بالقائم فأمده بجيش كبير، فأخذ يحاصر القلاع، حتى انقضت سنة 327 وضيق على جرجنت، وظل يحاصرها حتى سنة 329، فسار كثير من أهلها إلى بلاد الروم، وتنصر أكثرهم، وطلب الباقون الأمان فأمنهم على أن ينزلوا من القلعة، فلما نزلوا غدر بهم وحملهم إلى المدينة، ولما سقطت زعيمة الثورة أذعنت سائر القلاع، وهدأت





(1)ابن الأثير 8 /24 والمكتبة: 253.
(2)كان والي جرجنت من قبل يسمى ابن أبي حمران، المكتبة: 437 عن النويري.
(3)ابن الأثير 8 /108.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 44
صقلية بعد أربعة أعوام قضاها خليل في حررب وحصار. ولما عاد إلى إفريقية أخذ معه وجوه أهل جرجنت وفي عرض البحر خرق بهم السفينة فغرقوا.
وذات يوم كان خليل في أحد المجالس وحوله جماعة من وجوه الناس. والحديث بينهم ينتظم ويفرق، ولما بلغ القوم الحديث عن صقلية قال خليل مفتخراً "إني قتلت ألف ألف يقول المكثر، والمقلل يقول: مائة ألف في تلك السفرة" ثم قال: لا والله إلا أكثر؛ فرد عليه واحد من الجماعة بقوله: يا أبا العباس لك في قتل نفس واحدة ما يكفيك" (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=26&LocTime=1141678102796#Note1).

5



صقلية تحت حكم بني أبي الحسين الكلبيين


ولم تحب صقلية ولاة من قبل الخليفة الشيعي كما أحبت بني أبي الحسين. ففي سنة 336 هـ تولى أمرها الحسن بن علي بن ابي الحسين من أسرة الكلبيين وكانت هذه الأسرة من أخلص أعوان العبيديين، ولأفرادها مواقف جليلة في خدمة الدولة الفاطمية أثناء ثورة أبي يزيد، وتقديراً لخدمات الحسن كافأه الخليفة المنصور بولاية صقلية، وتلقته بلرم كما كانت تتلقى من قبله من الولاة، إذ كانت أطماع الرؤساء المحليين لا تزل مصدراً للقلق في المدينة. وكان آل الطبري هم زعماء المقاومة فيها. ولم يكن مع الحسن حينما نزل صقلية جيش يعتمد عليه في مقاومة المشاغبين، ولكنه استطاع بدهاء فذ أن يفسد خططهم. ووجد في بلرم جماعة قد سئموا كثرة التقلب ورغبوا في السلامة فانضموا إلى الوالي الجديد وانحاز إليه أصحاب الدواوين وكل من يريد العافية (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=26&LocTime=1141678102796#Note2). ومال





(1)انظر تفصيل الأخبار عن خليل بن إسحاق عند ابن عذاري في المكتبة: 368 والحلة السيراء، المكتبة: 330 وانفرد النويري بالقول إن أهل صقلية أطاعوا خليل بن إسحاق فأكرمهم وعزل عنهم عمال سالم ثم سكت عما ورد في المصادر الأخرى.
(2)ابن الأثير 8 /156 والمكتبة: 258.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 45
إليه كل منحرف عن بني الطبري. ورأى أهل المدينة بشائر عدله حين قتل غلاماً له اتهم بالتعدي على أهل البلد (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=27&LocTime=1141678113828#Note1) فتأكدوا أن هذا الوالي يختلف عمن سبقوه، واستبشروا به. ولما ثبتت قدمه في المدينة قبض على أهل الفتنة وصادر أموالهم (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=27&LocTime=1141678113828#Note2).
وظل الحسن في صقلية خمس سنين. ولما توفي حزن عليه أهل صقلية حزناً عظيماً لما كان قد أجرى الله على يديه من العدل وظهور الخير (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=27&LocTime=1141678113828#Note3).
وتعاقب على صقلية من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة شهدت في أثنائها تقدماً في الحياة العمرانية وفي العلوم والأداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطماع الروم في الجزيرة. وأخلدت صقلية إلى الهدوء وجنت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في اكثر الأوقات بالحروب في جنوبي إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخلياً في شؤون الجزيرة. وقد استطاعوا منذ البدء أن يرضوا الطامعين المحليين ففي سنة 347 سار احمد بن الحسن الكلبي ثاني ولاة الجزيرة من أسرة بني أبي الحسين ومعه ثلاثون رجلا من وجوه الجزيرة إلى المعز بأفريقية فبايعوه وخلع عليهم المعز (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=27&LocTime=1141678113828#Note4) وفي نسخة كمبردج العربية من تاريخ صقلية أن الذي ذهب بهم إلى إفريقية هو الحسن الوالي الأول (سنة 3469=961م) وينص هناك صراحة على أنه أدخلهم في مذهب أمير المؤمنين وكثر مقتناهم وأفضلهم (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=27&LocTime=1141678113828#Note5).
ومعنى ذلك أن العناصر القلقة التي كانت تطلب لنفسها الزعامة قد أرضيت بالمال والتقرب من الخليفة، وأن الوجوه دخلوا في المذهب الشيعي ولا





(1)المصدر السابق.
(2)المصدر نفسه والمكتبة: 59.
(3)centenario المجلد الثاني: 477 عن أعمال الأعلام. والأخبار عن وفاة الحسن فيها شيء من الاضطراب فأكثر المصادر أنه هاجر من صقلية وعند ابن خلدون أنه توفي من شدة فرحه عند ما جاءته الأخبار بانتصار المسلمين على الروم.
(4)أبو الفداء، حوادث سنة 336 ، 2/96 والمكتبة: 408.
(5)تاريخ جزيرة صقلية لمؤلف مجهول، نسخة كمبردج العربية، في المكتبة الصقلية:175.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 46
ندري بعد هذا الخير كيف كان حال التشيع في الطبقات الأخرى. وابن حوقل وهو داعية من دعاة الفاطميين ينحى بالذم الشديد على الصقليين لكثرة ثورتهم على السلطان، فهل يفهم من هذا أن طبقات الشعب كانت تكره الخلافة الفاطمية؟.
واستدعى المعز الأمير أحمد ففارق صقلية بجميع أهله وماله وأولاده وأخوته فركبوا في ثلاثين مركباً ولم يبق منهم بصقلية أحد (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note1)، وولى الجزيرة يعيش المولى ففشل في تهدئة فتنة ثارت بين كتامة والقبائل (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note2). وتطاول أهل الشر من كل ناحية ونهبوا وأفسدوا على أهل المراعي، واستطالوا على أهل القلاع الآمنة (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note3).
فأعيد الأمر إلى واحد من الكلبيين وتولى أبو القاسم الحكم سنة 359ه?. وأبو القاسم هو الملقب بالشهيد لأنه استشهد في غزاته الخامسة بجنوب إيطاليا سنة 372 هـ. وكان حسن السيرة فاضلا محبا للعلماء والصالحين (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note4).
ولعل الجزيرة لم تشهد عهداً كعهد الأمير أبي الفتح يوسف الملقب بثقة الدولة (379-388) فقد عهد أليه أبوه بولاية صقلية وأتاه سجل من العزيز من مصر بذلك، فضبط الجزيرة وأحسن إلى الرعايا (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note5) وأسى بجلائله وفضائله كل من كان قبله نم بني أبي الحسين (6) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note6). وكانت أيام الناس بصقلية الناس بصقلية في مدته على أفضل ما يشتهون. وقد ضبط البلد ضبطاً عظيماً وأداخ الروم واستقامت له الأمور، وظهر من كرمه وجوده على سائر الناس ما لا يحيط به وصف (7) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=28&LocTime=1141678137140#Note7). وكان بلاطه في بلرم مقصد العلماء والأدباء وظل قائماً بالأمر خير قيام حتى أصابه فالج عطل نصفه الأيسر فتنازل لابنه جعفر.





(1)النويري في المكتبة:441.
(2)ابن خلدون 4/ 209 والمكتبة: 482.
(3)ابن الأثير 8/ 201 والمكتبة: 267.
(4)centenario 2/ 477.
(5)النويري، المكتبة: 442.
(6)ابن خلدون 4/ 210 والمكتبة: 483.
(7)centenario 2/ 479 -480.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 47
وأول وهن حدث في حكم الكلبيين اختلاف أفراد منهم فيما بينهم على الإمارة فقد ثار على جعفر الملقب بتاج الدولة أخوة على ، واستفاد من الخلاف العنصري في الجزيرة فاستمال إليه البربر والعبيد، وقام بين الأخوين قتال مرير راح فيه كثير من مشايعي علي ، وأسر علي نفسه فقتله أخوه ونفي من بالجزيرة من البربر بأسرهم، فلم يبق منهم أحد وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم.
وكان انتصار جعفر فاتحة خذلان جديد فإنه حين قضي على البربر والعبيد لتخذ جنده من أهل صقلية، فطعموا فيه وزادهم تمادياً تغاضيه عن كتابه حسن بن الباغاني الذي صادر الناس وعاملهم بسوء واستحدث بدعاً في جباية الضرائب (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=29&LocTime=1141678163234#Note1) وتنكرت قلوبهم له حين استخف بأهل صقلية وشيوخ بلادها واستطال عليهم (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=29&LocTime=1141678163234#Note2) فخرجوا عليه وحاصروه وعندئذ خرج إليهم أبوه في محفة وكانت له منزلة في نفوسهم، فلما رأوه هدأت ثائرتهم وطلبوا إليه أن ينصفهم من ابنه، فوعدهم بنزعة من ولايته فوقع اختيارهم على الأكحل أخيه.
وبر يوسف بما وعد فارتحل مع ابنه جعفر إلى مصر، وترك صقلية في يد الأكحل. وتسلم الصقليون حسن الباغاني فقتلوه وطافوا برأسه وأحرقوه بالنار (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=29&LocTime=1141678163234#Note3). وهدأت نفوسهم الحاقدة لما رأوا الأكحل يأخذ الأمور بجد وحزم. وكان إذا خرج في الغزو استخلف ابنه جعفراً فحاول جعفر أن يوقع التفرقة بين العناصر ونجح في فصل الصقليين عن الإفريقيين والتمييز بينهما في المعاملة فحمى الأفريقيين وأخذ يتقاضى الخراج عن أملاك الصقليين وحدهم (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=29&LocTime=1141678163234#Note4)، وعندئذ لم يعد الصقليون يطيقون تلك الحال، وذهبوا إلى المعز بن باديس سنة 437ه? يطلبون مساعدته وإلا سلموا الجزيرة إلى الروم (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=29&LocTime=1141678163234#Note5).





(1)النويري، المكتبة: 443.
(2)المصدر نفسه.
(3)المصدر نفسه: 444.
(4)انظر تفصيل ذلك في المكتبة: 444-445 عن النويري.
(5)النويري، المكتبة: 445.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 48
واستجاب المعز للصقليين وأرسل معهم ابنه عبد الله بجيش عدده ثلاثة آلاف فارس، ومثلهم رجال، فسار إلى الجزيرة وقاتل الأكحل وحاصره في قصره بالخالصة. ثم اختلف أهل صقلية وانحاز بعضهم إلى الأكحل، فقتله الذين استقدموا ابن المعز غدراً، ثم اجتمع الصقليون على الندم لإدخال جيش غريب في بلدهم، وتنكروا لابن المعز وحاربوه، فانهزم. وأخيراً ولى أهل صقلية عليهم الصمصام أخا الأكحل (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=30&LocTime=1141678184765#Note1).

6



أمراء الطوائف


وانتهى عهد الكلبيين في الجزيرة بإخراج الصمصام من بلرم وسيطرة المشايخ على المدينة، ثم ظهور جماعة من الزعماء الطامعين يحققون لأنفسهم شيئاً من السلطة، ويحققون للمدن المتنافسة نوعاً من الاستقلال. أما مازروطرابنش والشاقة ومرسى على فاستقل فيها القائد ابن منكود، ووقعت قصريانة وجرجنت من نصيب القائد ابن الحواس علي بن نعمة. ثم ثار طامع يسمى محمد بن إبراهيم بن الثمنة فاستولى على سرقوسة وتلقب بالقادر بالله. ويقول ابن خلدون:- إن أهل بلرم ولوه على أنفسهم حينما أخرجوه الصمصام (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=30&LocTime=1141678184765#Note2) وهكذا انقسمت الجزيرة إلى ولايات متعددة.
ويزعم التاريخ أن فتح العرب لصقلية كان من ورائه مشكلة إمراة ثم تأبى المصادر العربية أن تغلق صفحاتها على صقلية الإسلامية دون أن تجعل





(1)انظر تفصيل هذه الفتنة عند النويري في المكتبة: 445وابن خلدون 4/110 والمكتبة ص 484 والنص عنده مختلف إذ يجعل عبد الله بن الحواس (بدلا من على) مستبداً بمازر وطرانش وهو سهو على الأغلب لأنه صحح التسمية بعد سطرين ويزيد اسم شخص آخر هو ابن المكلاتي الذي استبد بقطانية ثم غلبة ابن اثمنة وقتله سنة 431.
(2)ابن خلدون 4/ 210 والمكتبة: 484.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 49
للمرأة نصيباً في الإسراع بصقلية إلى نهايتها المحتومة. فتقص علينا هذه المصادر أن ابن الثمنة تزوج من ميمونة أخت علي بن نعمة ،وذات يوم سكر وتشاجرا فأمر بفصدها، ولولا ابنه للقيت حتفها، فإنه استدعى لها الأطباء فعالجوها حتى شفيت، وفي صحوة اعتذر لها من فعلته، فأظهرت قبول عذره ثم استأذنته في الذهاب إلى أخيها فأذن لها، وقصت على أخيها ما كان من زوجها فحلف أنها لا ترجع إليه، وألح زوجها يطلب رجوعها، واشتد أخوها في منعها، فقامت الحرب بين الأميرين، ولما انكسر فيها ابن الثمنة ذهب يستنجد بالنورمان سنة 444ه?، وبدخول النورمان ضاعت السيادة الإسلامية (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=31&LocTime=1141678237890#Note1).
وبعد أن تمت هذه الأحداث في صقلية بقليل لقيت القيروان مصيرها السيئ على يد العرب. فان المعز بن باديس الذي كان متردداً في إعلان ولائه للعباسيين حسم في المر سنة 441 فأزال اسم الخليفة العبيدي من السكة ونقش فيها (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=31&LocTime=1141678237890#Note2)) فانتقم منه المستنصر بأن حرض العرب على الجواز إلى الغرب فتوجه منهم خلق كثير، وهاجموا القيروان وخربوها، فهاجر كثير من أهلها إلى صقلية.

7



الحكومة الإسلامية بصقلية


افتتحت صقلية الإسلامية عهدها بأسد بن الفرات والياً وقاضياً، ولكن هذا الجمع بين الوظيفتين لم يدم طويلا، فما كاد المسلمون يحتلون بلرم ويتخذونها عاصمة لهم حتى اصبح الوالي والقاضي شخصيتين متمايزتين. ويحدثنا الرشاطى





(1)انظر ابن خلدون 4/ 210 -211 والمكتبة: 484.
(2)centenario 2/ 455 عن أعمال الأعلام وانظر عن فتك المعز بالشيعة في المغرب كتاب الاستبصار لمجهول كريمر ص55 ط. فينا وفي الذخيرة 4 المجلد الأول: 68 أن المعز عام ستة وأربعين صرف خطبته إلى صاحب مصر ونبذ العباسية وهو خبر مستغرب.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 50
أن زيادة الله بن إبراهيم الذي فتحت صقلية في زمنه ولى على صقلية ابن أخيه أبا الأغلب قطعية له ? فكانت له بجميع ما فيها ? وركب إليها من سوسة في مراكب كثيرة ومعه خيل ورجال أتوا من نواحي أفريقية لما يعلمون من كرمه وجوده (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=32&LocTime=1141678258921#Note1). ونستطيع أن نتصور من حال زيادة الله نفسه أن نتصور من حال زيادة الله نفسه أن والي صقلية ربما قلده في اتخاذ مجلس استشاري من حوله، وهو الذي كان يسمى في القيروان "الجماعة" ولذلك نسمع في تاريخ صقلية دائماً عن شيوخ المدينة (بلرم). ولا نظن أن هؤلاء كانوا مجرد زعماء وإنما المعتقد أنهم كانوا يزاولون بعض السلطان إلى جانب الوالي . وكان لا بد من وجود هذه الصبغة الإدارية في الجماعة لأن والي صقلية في ايام بني الأغلب لم يكن يزيد على قائد عارف بفنون القتال، مستعد للغزو والجهاد، وكثيراً ما كان الجيش ينتخب الوالي دون أن ينتظر مجيء وال جديد من أفريقية. على أنه لا بد أن نلحظ أنه ليس من الواضح لدينا إن كان الذي يولي الوالي هو الجيش أو شيوخ البلد أو الفريقان معاً، ولا نسمع عن وال في العهد الأغلبي لم يكن يخرج في الغزو إلا عن الأمير محمد ابن عبد الله بن الأغلب فانه كان مقيما ببلرم لم يخرج منها وإنما كان يخرج الجيوش والسرايا فتفتح وتغنم. وتحدثنا المصادر أن العباس بن الفضل لما وقع عليه الاختيار اخذ يبث السرايا وهو مقيم في بلرم، فلما جاءه التصديق على ولايته من أفريقية قاد الجيش بنفسه. وربما أشار هذا إلى ان قيادة الجيش كانت هي الصفة الأولى التي تفترض حكومة القيروان توفرها في الوالي. وكان اكثر الولاة في الدولة الأغلبية من أسرة بني الأغلب أو من أقربائهم. وليس بين أيدينا مادة تصور شخصيات الولاة أو تميزهم سوى كثرة الحرص على الجهاد والغزو، إلا ما كان من أمر أبي مضر زيادة الله فإنه كان في أثناء ولايته على صقلية عاكفاً على اللهو وشرب الخمر ولم يرض هذا أباه فعزله. وقد رأى الراهب ثيودوسيوس والي بلرم ? وهو يومئذ جعفر بن محمد ? ووصفه بأنه

بهبهاني
03-09-2006, 01:11 AM
رقم صفحة الكتاب الورقي: 51
متكبر متجبر، واستدل على ذلك من جلوسه وراء حجاب. ولم يكن الوالي يستند إلى حرس خاص ولذلك نسمع عن وثوب أهل صقلية به وعزله أو إخراجه من بينهم.
وكان الوالي يسكن القصر في بلرم ويودع فيه المال والسلاح والكساء (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=33&LocTime=1141855775218#Note1) ومن قصره ذاك كان يشرف على النواحي المدينة وكان له أن يعين من قبله ولاة على المدن يخضعون له مباشرة .
وظل الحال كذلك في أيام الكلبيين إلا أن الاستقرار وخضوع أكثر أجزاء الجزيرة للمسلمين مكن الوالي من توسيع سلطانه الإداري والاهتمام به. ومنذ ان بنى خليل بن إسحاق الخالصة أصبحت هي مركز الوالي بدلا من القصر القديم، ومن حوله الخالصة. وأصبح كل وال بعد ابن قرهب يتمتع بحماية حرس غريب عن الجزيرة. فلم يعد في إمكان أهل صقلية أن يطردوه بسرعة، إذ صار في إمكانه أن يتحصن منهم ويقاتلهم في مدينتهم. ومحك الخبرة عنده أن يتمكن من إقرار التوازن بين العناصر فلا يتظاهر بتفضيل عنصر على آخر وأن لا يمس المسائل المالية بتغيير يضر بصالح الاهالي. إلا أن بعض الولاة كان يطلق يد أعوانه في صقلية فيستبيحون لأنفسهم الغلو في تقاضي الأموال. وارتبطت صقلية في أيام الكلبيين بالخلافة الفاطمية في افريقية وأصبح يدعى على منابرها للخليفة الفاطمي (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=33&LocTime=1141855775218#Note2) وبذلك أصبح الوالي الصقلي ممثلا للخليفة ثم انتقل الفاطميون إلى مصر، ولا شك أنه كان في جيش جوهر الصقلي كثير من الصقليين، فالعناصر الصقلي في جيش العبيديين وأساطيلهم أقدم من ذلك ومنذ سنة 307 هـ نجد أسرى صقليين في مصر، وقد من عليهم حاكمها بالإطلاق بعد تغلبه على جيش أخرجه صاحب أفريقية لقتاله (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=33&LocTime=1141855775218#Note3). وبارتباط صقلية



(1)انظر centenario 2/ 476.
(2)هذا هو الشيء الطبيعي والنص صريح في مسالك الأبصار ج3 المجلد الأول الورقة 128 بأنه خطب لهم بجزيرة صقلية.
(3)الكندي: الولاة والقضاة: 276 نشر جست.




رقم صفحة الكتاب الورقي: 52
بمصر أصبحت تتأثرها في أساليب الحياة ويهاجر إليها طلاب العلم وتقوم فيها الأنظمة الحكومية على غرار ما هي في مصر.
وكان الوالي في صقلية يدين بنوع من التبعية للقاهرة، ويستمد منها القوة الإدارية والحربية، ولا بد أن يكون في يده سجل بولايته من الخليفة، وأن تصله منه الخلع والألقاب والتشريفات. وأصبحنا نسمع في صقلية ألقاباً مثل ثقة الدولة وتاج الدولة وتأييد الدولة وصمصام الدولة ولعل هذه الألقاب استحدثت منذ أيام الخليفة الحاكم أو قبله بقليل (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=34&LocTime=1141855792171#Note1) ولم تنفك مصر عن هذه المراسيم بتقليد الولاية حتى كانت آخر خلع وصلت من مصر للصمصام (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=34&LocTime=1141855792171#Note2).
ولم يكن الخليفة يكتفي بهذا النوع من التدخل، أو يقنع بهذا القدر من العلاقة بينه وبين الوالي في صقلية، بل كثيراً ما كان يتدخل في الشؤون الداخلية معتبراً صقلية جزءاً من مملكته، له حق التصرف فيه، فكان يعقد الصلح مع الروم على شروط نافذة في صقلية، دون أن يأخذ رأى واليها ولم يكن للوالي إلا أن ينفذ ما يراه سيده مناسباً وإن كره ذلك وكرهه الناس. عقد المعز صلحاً مع الروم سنة 358ه? على أن يخلى المسلمون رمطة وطبرمين وأرسل إلى الأمير أحمد في صقلية بتنفيذ ذلك فصدع بالأمر على غير رغبة من المسلمين (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=34&LocTime=1141855792171#Note3). وقد يقال ان هذا كان يحدث قبل الأذن للوالي بالاستقلال وأن استقلال والى صقلية لم يتم إلا بعد هذه السنة في عهد الأمير أبي القاسم، ولكن حتى بعد إحراز هذا السلطان لم يكن الحاكم يسلم من تدخل الخليفة تدخلا قد يفقده أجزاء من ولايته، ففي ولاية جعفر بن محمد الكلبي (373 ? 375) كتب إليه العزيز أن يدفع إلى الراهب أخي جاريته السيدة العزيزة قلاعاً من بلاد صقلية فيها بنقش(؟) وطبرمين وومطة وأن يدفع إليه كل سبى عنده قديم وحادث (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=34&LocTime=1141855792171#Note4)، ولولا مماطلة جعفر وتلويحه لسيده بالعصيان لاقتطعت





(1)أول من تقرن المصادر اسمه باللقب هو الأمير يوسف الملقب بثقة الدولة (379- 388).
(2)انظر أنباه الرواة، 1/582 وقد وصلت الصمصام ألقاب كثيرة.
(3)النويري، المكتبة ص 441.
(4)centenario 2/ 479.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 53
هذه الأجزاء من ولايته وأصبح لصقلية واليان.
وظلت صقلية إلى عهد متأخر ملكاً لسلطان مصر ، على حد تعبير ناصر خسرو (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=35&LocTime=1141855807234#Note1) ونكاد نجزم بأنها كانت تدفع مبلغاً معيناً من المال سنوياً للدولة الفاطمية، وهذا واضح من قول ناصر خسرو: "وتغادرها كل سنة سفينة تحمل المال إلى مصر (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=35&LocTime=1141855807234#Note2)" وفي مرآة الزمان (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=35&LocTime=1141855807234#Note3) أن السبب في استقدام النورمان إلى صقلية عجز وال يسمى ابن البعباع عن دفع المبلغ المطلوب لصاحب مصر مما أدى بالوالي إلى أن يستنجد بالفرنج. وهذا الخبر المتأخر نسبياً ليس له في المصادر الأخرى وجود، وربما لم يكن فيه من الصحة إلا دلالته على وجود علاقة بين صقلية ومصر تفرض على الجزيرة أداء مبلغ من المال كل سنة.
وكان القاضي أكبر شخصية في الجزيرة بعد الوالي وانفصل القضاء عن الإمارة منذ أول الأمر. ولقضاة صقلية في العهد الأول صورة واضحة قائمة على المثالية والصدوف عن متاع الدنيا فالقاضي رجل زاهد، أو أن شئت فقل إنه يختار عمداً من بين الزاهدين الذين صدقت ظواهرهم وبواطنهم أو من الفقهاء الصالحين كابن أبي محرز وميمون بن عمرو وسليمان بن سالم الكندي. وكثيراً ما كان القاضي يجمع بين القضاء والتدريس، وكان بعض المتعففين لا يتقاضى راتباً فقد خرج أبو عمرو وميمون بن عمرو المعلوم (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=35&LocTime=1141855807234#Note4) من سوسة للقضاء بصقلية فلم يخرج معه إلا كساء وفروة وخرج فيه كتبه وجارية سوداء تخدمه ومعها جبة وكساء وكانت السوداء تغزل وتبيع غزلها وتنفق عليه من فضل ذلك.ولما مرض ودخل عليه الناس يعودونه وجدوا كل ما لديه من أثاث وسادتين محشوتين تبنا وحصيرة من البردي. وعاد إلى سوسة بما خرج به منها ولم يزد





(1)ناصر خسرو، سفر نامه ترجمة الدكتور الخشاب ص 45 ط. لجنة التأليف 1945.
(2)سفر نامة، ص45.
(3)سبط ابن الجوزي، المكتبة: 336.
(4)في الأصل الملعون والتصحيح عن تعليقات الأستاذ نللينو على تاريخ أماري ج2/7 من التعليقات.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 54
عليه شيئاً (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note1). ومن أمثلة هؤلاء القضاة المتقشفين سليمان بن سالم الكندي وكان يقضي ويدرس، ونقرأ أنه لما مات لم يوجد له مال (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note2) وهذه إشارة قد يفهم منها أنه كان يتقاضى راتباً.
وقد لحظنا من قبل أن القاضي كان يجيء صقلية من الخارج وظل ذلك كذلك مدة طويلة في أيام الدولة الفاطمية. وفي أيام الخليفة الحاكم أضيف إلى قاضي القضاة بمصر أحكام صقلية مع بلدان غيرها (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note3). ولا نسمع عن قاض من صقلية نفسها إلا في أيام ابن حوقل. ونحن مدينون له بمعرفة قاض ورع من صف القضاة الأولين ليس له في المصادر الأخرى ذكر وذلك هو عثمان بن الخزاز. وقد أراد ابن حوقل ? كما هي طريقته في الذم ? أن ينفذ إلى الحط من الجماعة الصقلية في حديثة عن القضاء فيها، فصور لنا القضاء في حال انحطاط حين انحدر إلى أيد صقلية، فالقاضي ممن له سابقة في قبض الرشا، والشهود الصقليون يستسهلون شهادة الزور حتى إن ابن الخزاز لم يكن يقبل شهاداتهم "وصارت أكثر أحكامه جارية على الصلح وشك فيهم فلم تثنه إليهم رغبة ولا رهبة، إلى أن هلك بينهم وحضرته المنيه، فقال ليس بجميع البلد من يوصي إليه، ودفع ديوانه إلى رجل كان بها من الغرباء يعرف بالغضائري من أهل القيروان وكان يزكيه" (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note4) أما ابن الماجلي القاضي الصقلي الأصل فهو في نظره معلم برقجاني لم يكن ممن يستحق تولي القضاء وله فصول فيه مضحكة، وكثيراً ما كان يمد يده إلى الحصوم بالضرب (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note5). وربما استنتجنا من هذا أن صقلية كانت قد سئمت استقدام القضاة من الخارج وأخذت تشعر أنها مسلوبة السلطان فنزعت إلى أن تعهد بالقضاء لأناس منها كما أنفت مصر ذات يوم أن يكون قاضيها غريباً عنها (6) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=36&LocTime=1141855824250#Note6).حين شاءت الدولة





(1)رياض النفوس، المكتبة: 191 - 192.
(2)عن المعالم 2/ 136-137.
(3)الكندي، الولاة والقضاة:611.
(4)ابن حوقل 1/ 125.
(5)المصدر نفسه.
(6)الكندي: 369.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 55
العباسية أن تعاملها بقريب من معاملة الفاطميين لصقلية.
وكان للقضاء كتبة ودار خاصة في بلرم منذ عهد مبكر. ونسمع أن ميمون بن عمرو لما وصل المدينة قيل له هذه دار القضاء تنزل فيها فقال "هذه دار عظماء ايش أعمل فيها" فنزل في دويرة لطيفة (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=37&LocTime=1141855832781#Note1).
أما الوظائف الحكومية الأخرى فكان ينهض بها أصحاب الدواوين والموظفون فيها وقد عدت المصادر من الدواوين:
1 - ديوان الخمس.
2 - ديوان الصناعة.
3 - ديوان الخاصة.
4 - ديوان الإنشاء.
أما ديوان الخمس فأن متوليه كان يسمى "صاحب الخمس" وشخصيته ذات شأن في تاريخ صقلية وأدبها، فهو يتولى أمر البلد حين لا يكون لها وال، وهو بحكم مركزه مقصد الأدباء والشعراء. وقد ذكرت المصادر أسماء بعض ممن تولوا هذا الديوان منهم عمران الذي قتل في بلرم سنة 6421=913 (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=37&LocTime=1141855832781#Note2) وخليل الذي ضبط المدينة حين خلت من واليها سنة 398 (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=37&LocTime=1141855832781#Note3). ومنهم ابن





(1)رياض النفوس، المكتبة ص 191 ، 192 ، وقد جمعت أسماء أربعة عشر من قضاة صقلية هم أسد بن فرات (+213) ابن أبي محرز (+221) ه?) ، سليمان بن سالم (+289) انظر طبقات علماء أفريقية ص148، محمد بن محمد خالد القيسي الطراطري (آخر دولة بني الأغلب) أبو القاسم الطرزي كان موجوداً في أول ظهور المهدي وقد أهانه بالضرب (انظر المعالم 3/8) والطرزي بقي قاضياً في صقلية مدة عشر سنين، أسحق بن المنهال (المصدر نفسه) أول قاض أرسله المهدي لصقلية، ابن الخامي قاضي ابن قرهب، ابو عمرو ميمون بن عمرو (+316) محمد بن أبي صبيح (+334) وقد حمل معه الملح إليها تورعاً عثمان بن الخزاز (قبل لبن حوقل )، إسحاق الماجلي ( كان في القضاء سنة 362) ،أبو إسحاق إبراهيم بن مالك المعافري (كان في القضاء سنة 375)، أبو الفضل الحسن بن إبراهيم الشامي الكناني (في القرن الخامس) ، محمد بن قاسم بن زيد اللخمي الكاتب القاضي في أيام أمراء الطوائف، عاصر ابن الحواس ومدحه وليس هناك ما يؤيد انه زاول القضاء وربما كانت لفظة القاضي لقباً.
(2)نسخة كمبردج العربية، المكتبة: 168.
(3)النويري المكتبة: 435.


رقم صفحة الكتاب الورقي: 56
الرقباني (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note1) وابن الشامي صاحب الخمس أيام صمصام الدولة. أما الخمس نفسه فهو ضريبة معينة عدها ابن حوقل من جملة ما تحصله خزينة الدولة بصقلية ولكنه لم يوضحها. ويظهر أنه من الصعب تعيينها بدقة لأنها تضمنت غير دلالة واحدة. ويرى الأستاذ أماري أنها خمس الغنيمة والأرض التي أخذت عنوة (2) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note2). ويقول دوزي: صاحب الخمس هو متولى الأرض التي أصبحت ملكاً للدولة في مدن افتتحت عنوة (3) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note3) ويعرف المقريزي (4) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note4) الخمس بأنه الضرائب المختصة بالثغور أي هو ما يؤدي في مصر مثلا من تجار الروم الواردين في البحر عما معهم من البضائع، بمقتضى ما صولحوا عليه، وربما بلغ ما يستخرج منهم ما قيمته مائة دينار ومائتان وخمسة وثلاثون ديناراً وربما انحط عن عشرين ديناراً، ويسمى ذلك خمساً ومثل هذا المعنى الأخير محتمل وجوده في صقلية لموقعها البحري لولا أن ابن حوقل يميز بين ثلاثة أنواع من الضرائب هي الخمس ومال البحر وقبالة الصيود.
وأما ديوان الصناعة فليس هناك شيء واضح عنه وكل ما نعرفه هو ما ذكره ابن سعيد في ترجمة أبي الحسن علي بن المعلم إذ قال إنه صاحب الديوان الصناعة (5) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note5). وأما ديوان الخاصة فيذكره المقريزي والقلقشندي باسم ديوان الخاص. وفي مختصر الدرة أن ميمون بن أبي بكر الوراق الشاعر مدح على ابن القطاع المتقلد ديوان الخاصة (6) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note6). وربما كان هذا الديوان خاصاً بالإشراف على إقطاعات الوالي وشئون قصره، وفي أيام المقريزي كان يشمل دار الضرب (7) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=38&LocTime=1141855853328#Note7).





(1)مختصر الدرة الورقة 102 وقد وصفه بأنه كان ملجأ للقصاد والرواد أما ابن الشامي فسيتردد ذكره عند الحديث عن الشعر في صقلية.
(2)Amari: S.D .M .vol, 2, p. 169.
(3)dozy: supplement aux dictionnaires arabes وهامش أماري 2/ 169 من إضافات الأستاذ نللينو، رقم 3.
(4)المواعظ والاعتبار 1/ 176.
(5)انظر الترجمة رقم (120) في مجموعة الشعر الصقلي.
(6)مختصر الدرة الورقة 101.
(7)المواعظ والاعتبار 1/ 178.



رقم صفحة الكتاب الورقي: 57
وأحفل هذه الدواوين بالصبغة الأدبية ديوان الإنشاء إذ لم يكن يتولاه إلا أجل الكتاب بلاغة، وعلاقته بالوالي متينة، وليس يحجب عنه أبدا، ومن أصحابه في صقلية ابن الطوبي وابن الودانى وغيرهما من مشاهير كتابها. ونجد في العهد النورماني ديوانين آخرين هما ديوان الطراز وديوان التحقيق. والأرجح أن هذين كانا موجودين في العصر العربي وربما كان ديوان الطراز هو ديوان الصناعة نفسه إلا إن فرضنا أن هناك خطأ نسخياً وأن ديوان الصناعة هو في حقيقة الأمر دار الصناعة، وكان عمل ديوان التحقيق المقابلة على الدواوين جميعاً (1) (http://www.alwaraq.net/Core/ExLib/bookpage?book=3031&session=ASGJHGJHUYUYTUYT&fkey=2&page=39&LocTime=1141855863046#Note1)، وله في مصر الفاطمية وجود، ومن ثم لا يستبعد وجوده في صقلية الإسلامية.





(1)المواعظ والاعتبار 2/ 242، والقلقشندي 3/ 493.

بهبهاني
03-11-2006, 10:49 AM
لا ادري اذا كان الكتاب قد اعجب الاخوة القراء لاكمل وضعه في المنتدى.
حيث ان عدد القراءات لا يشجع رغم ان الكتاب حسب اعتقادي الشخصي مميز و يغطي حقبة مهمة من الوجود الاسلامي في ايطاليا مع الاخذ بالاعتبار ان جزء من الحكم الاسلامي في ايطاليا كان شيعيا عن طريق الدولة الفاطمية و ولاتها