المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحوزة العلمية في النجف الاشرف في ذكريات الاستاذ الشيخ محمد رضا المسقطي..


سيد مرحوم
06-13-2005, 10:28 AM
النجف الأشرف
في ذكريات الاستاذ الشيخ
محمد رضا المسقطي

http://www.wikalah.net/news/305/14_hawzanajaf.jpg




واخيرا - نقلت الى الشيخ اديب - بعد ان تنقلت بين عدة كتاتيب او الشيوخ - حسبما كنا نسميهم - وكان اغلبهم من الجالية الايرانيه ويرتدون لباس رجال الدين ، ويقوم هؤلاء بتحفيظ الطلاب الصغار سورا من القرآن الكريم وتعليمهم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب على طريقة القرون الوسطى ، اذ يبدأ الشيخ - او احد مساعديه ( الخلفة ) يقراء بصوت عال ويعيد الطلاب ما يقراء الشيخ بلهجة واحدة وامام كل واحد جزء من القرآن الكريم يحتوي على الايات التي يعيدون قرائتها وغالبا ما يهزون رؤسهم ويتأرجحون في جلستهم وهم جالسون على الارض ولايفصلهم عن ترابها او الطابوق سوى حصير صنع من سعف النخيل وبعض الاحيان لايفصلهم اي شيء خصوصا اذا كان المكان الذي اختاره الشيخ للتدريس ايوانا في الصحن العلوي الشريف ، وعندها يستخدم اغلب الطلاب مفرشا صغيرا خاصا يصطحبونه معهم ، وكثيرا ما كان التلاميذ الصغار يلاقون الامّرين من قسوة هؤلاء الشيوخ لعدم معرفتهم باصول التدريس وطريقة تلقين الطلاب ، فاذا ما تلكأ احدهم او عطس او تنحنح او لم يستوعب الدرس ، ويهوى عليه الشيخ بعصاه لينال جزاء ماحدث منه ، وقد يساعد بعض الاحيان سؤ حظ زميله ان تقع العصى عليه خصوصا اذا ما حاول الطالب المقصود الهرب او هرب بالفعل ، وهذا ما يحدث احيانا .

ومما يزيد الطين بلة ان اولياء الصغار غالبا ما كانوا يوصونهم بالشدة والعنف لانها في نظرهم الطريقة المثلى لتربية الطالب ودفعه الى التعليم والانتباه - وقد يترجم هذا العنف المتوارث او الشائع - بقوله للشيخ " لك الجلد ولي العظم " اي انك استعمل معه الشدة ولكن بدون كسر العظم.
ومن حسن حظي ان والدتي كانت على خلاف ذلك ، فانا ولدها العليل المدلل وكان خالي عندما يذهب ليسجلني يوصيهم بناء على رغبة والدتي بان لاأمس باي اذى.

وخالى رحمه الله كان يرتدي لباس رجال الدين وهو من عائلة دينية عريقة وكان وقورا وقويا ومحترما ، لذلك كانوا يلتزمون بتوصياته المشددة خصوصا انني كنت مضرب المثل - بين اخواني واخوتي - في الهدوء والدعة .

وكان خالي هو ولي امري لان والدي كان لايزال يعيش في مسقط ولا يمكث عندنا في السنة الا بضعة اشهر يشتغل فيها في تعلم الدروس الدينيه ، هوايته المفضله رغم انه يعد من التجار البارزين في مسقط راسه ومقر اقامته مسقط .
ومسقط في ذلك الحين كانت على راس دول الخليج وابرزها ومصدرا لاعادة التصدير الى المناطق المجاورة .

اجل لحسن حظي لم اضرب ولا مرة واحدة وان كان قلبي يتفطر ( الما ) عندما اشاهد الشيخ يهوي بعصاه بقسوة على قدمي أحد هؤلاء التلاميذ لانه لم ينتبه للدرس او لم يستوعبه او انه من ضجره قد ابدى احدى الحركات التى لاتليق او لايستسيغها الشيخ او اعتبرها سخرية منه او عدم احترام .

وكان من الطبيعي ان يحدث الطلاب بعض الشغب ( نظرا ) لمقتضيات سئمهم وللساعات الطويلة التي يقضونها دون اية فرصة للراحة والتنفس - من الصباح الباكر وحتى الظهيره وعدة ساعات عصرا علما بان غالبية الطلاب تتراوح اعمارهم بين الخامسة والعاشرة جالسين على الارض لاتفصلهم عنها سوى قطعة حصيرة او سجادة باليه يتراوحون بين التربع والقرفصاء والويل لمن يمد قدميه ليدفع عنها الخدر ، ولايسعهم التحرك وتغيير جلستهم فقد حشروا في مكان لايسع لنصف عددهم.

قلت لحسن حظي لم اضرب ، وان كنت قد هربت مرة او مرتين خشية الضرب ، في حين ان الذنب لم يكن ذنبي وانما ذنب قريني الذي اخفى حركته الشاذة ببراعة ، ولحسن حظي ايضا رغم كثرة تنقلاتي بين هؤلاء الشيوخ من سن الخامسة حتى العاشرة لم اذهب ولا مرة واحدة الى ( الملة ) التي كانت تقوم بعمل هؤلاء الشيوخ ولكن لتعليم الفتيات الصغيرات والصبيان الصغار معا اذا كانوا في سن مبكرة وربما السبب في ذلك ان الملة كانت اكثر قسوة وشدة في المعاملة ، ولم تشاء والدتي ان تعرضني لذلك رغم انها ارسلت شقيقتي الكبرى واخي الاصغر الى الـ ملة ( وهنه ) التي كانت دارها في نفس محلتنا ( العماره )، وكانت شهادة التخرج من مكتب الشيخ والملة بالخصوص - وذلك عندما يختم الطالب او الطالبة القرآن الكريم - ، هي ان تقام في دار المتخرج حفلة يحضرها جميع الطلاب والطالبات وهم يرافقون المتخرج بزفة جماعيه تتقدمها الملة وهم يهزجون " حبابة وخاتمة القرآن " ويصلون على النبي حتى ( يصلوا ) الى دار الطالبه ليتناولوا الحلويات ولتحصل الملّة على هديتها - والتي تسمى خلعة - وهذا غالبا ما كان يحصل بالنسبة الى الطالبات ( اذا ختمن ) القرآن في سن مبكرة وكن من العائلات المرموقة او الثرية.

قلت انتقلت اخيرا الى الشيخ اديب وانا لم اتجاوز العاشرة ، وكان يستأجر غرفة وساحة مكشوفة في (البالا خانه ) اي في الطابق العلوي من بناية خلف الصحن الشريف لايفصلها عنه سوى ممر ومجاورة لحمام الرجال الذي يدعى " حمام الحضرة " لمجاورته للصحن العلوي الشريف.

والحمامات في النجف كانت عبارة عن ساحة مسقوفة تحيطها دكات يخلع فيها الواردون ملابسهم وتجمع في زاوية او في الوسط اذا اكتظ المكان وتغطى بعبائة المستحم او ثوبه ، وبعدها يقدم له ازار يابس يئتزر به وعندما يذهب الى داخل الحمام يبدله غالبا العامل بازار مبلل ليحتفظ له بالازار اليابس عند خروجه ، وداخل الحمام هو عبارة عن ساحة فيها دكات ترتفع عن ارض الحمام بمقدار لبنة يجلس عليها المستحمون ويجلبون الماء من الحوض الكبير ( الخزانة ) بمساحة غالبا ما تكون حوالي 4 امتار في 6 ، او 8 امتار ، يملأ بالماء المستخرج من البئر ويسخن حيث انه مجوف من التحت ويضاف اليه الماء كلما نقص ولا يغير ماؤه او ينزح الا كل شهر او شهرين او اكثر ، لذلك قبيل الفجر عندما يبداء الحمام يستقبل الزبائن يقوم اثنان او اربعة من عمال الحمام باستخدام قطعة قماش كبيرة يمسك كل واحد منهم بطرف منها ليقشعوا الاوساخ المتجمعة والتي تغطي سطح الحوض بشكل كامل وبسمك عدة سنتيمترات ، وطبعا اذا مازلت يد احدهم او فلتت قطعة القماش عن ملامسة الجدار وهو ما يلزم حدوثه فتتخلف بعض الاوساخ لتغوص مرة اخرى وتكدر صفاء الماء ، وبعدها يقوم هؤلاء العمال باستعمال اسطوانة مجوفه ( الطرمبه ) مفتوحة من طرفها وفيها ثقب صغير من الطرف الاخر وتستخدم لشطف الاوساخ المتجمعة في قاع الحوض ، وعندما تملاء الاسطوانة بالاوساخ ترفع لتفرغ خارج الحوض ولكن دائما عند رفعها لتفريغها في الخارج تفلت بعض الاوساخ لتعود الى الحوض مرة اخرى وتنتشر فيه - وتعليقا على هذه الاحواض - اتذكر قصة طريفة حدثت وتناقلتها الالسن مع الشيخ ميرزا جميل الخليلي - وهو شيخ من عائلة علمية معروفة بالنجف ويرتدي لباس رجال الدين لأنه منهم كما ان كثيرا من افرادها بما فيهم الشيخ ميرزا جميل يتعاطون الطب اليوناني بالوراثة حيث يتتلمذ الولد على والده او عمه او خاله .
لقد شاهد الشيخ احد رجال الدين يتمضمض من ماء الخزانة فتقرب منه الميرزا وسلم عليه وقال له ان لدي مسئلة اود ان اسئلك عنها فرحب به الشيخ فقال له : اذا جلبت اناء نظيفا من البلور ووضعت فيه ماء نظيفا ووضعت داخله قليلا " خصيتي " فهل تتمضمض منه ؟ ‍! فزجره الشيخ وقال له : ابعد عني قبحك الله ، فاجابه : شيخي ان هذه الخزانه يغسل فيها العشرات او المئات خصيتهم وكثيرا من الاولاد الصغار يتبولون فيه ، وهذا كثيرا ما كان يحدث - وقد حدث لي ايضا عدة مرات عندما كنت صغيرا - فكيف تتمضمض به مع ان الحديث الشريف ينص على التمضمض من الماء الذي يشرب منه الشخص ، فهل تشرب من هذا الماء ؟ !

واود بهذه المناسبة ان اسرد لكم قصة اخرى ، عندنا شغاله تشتغل عندنا بعض ساعات النهار في المسح والتنظيف وكانت معها ابنتها الصغيره التي لم تبلغ الثالثه وكانت تغطي وجهها ويديها الاوساخ ، فأمرتها والدتي بان تغسل وجهها وتزيل عنها هذه الاوساخ ، فما كان منها الا ان غسلت وجهها ويديها بماء غسالة المسح الذي لم يزد وجهها الا وسخا فوق اوساخها وشملت الوجه واليدين باكملها بدل جوانب منها !! فهل ياترى في هذه القصة الغلط في التوجيه ؟ او في فهم المتلقي القصد ؟ هكذا بالنسبة الى كثير من الاحكام والروايات ، فان الغلط ليس في التشريع وانما سوء الفهم لغرض المشرع او التفسير الخاطيء لتعاليمه واوامره وارشاداته ! ومن المؤسف اننا لو دققنا لوجدنا الكثير من ذلك 0 وربما من جملة الاسباب التي منعت تقليد الميت ابتداء واكدت على تقليد الاعلم هو ان فهم كثير من الامور تتعلق بالمستوى الثقافي والحضاري والاجتماعي ، فليس غريبا اذا ما عرفنا مثلا ان الروايات التي تنص على ( ان الماء اذا بلغ حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وعلمائنا الاجلاء فيما مضى لم يكن احدهم يعرف المكروب واسباب التعفن ولم يستوعبوا مضمون الحديث المطلق ، حيث لاحظوا ان الماء اذا ترك لفترة دون ان يمسه اي شيء يتغير لونه وطعمه ورائحته او احدهما على الاقل وحسب ثقافة وحضارة ذلك الزمان لم يجدوا سببا لان يتغير الحكم ، ففسروا الحديث بان المقصود هو التغيير بالنجاسة واضافوا قيد " النجاسة " في فتواهم ورسائلهم العملية واصبح الحكم هكذا (( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته " بالنجاسه " )) واخذوا يتوسعون في التغيير بالنجاسه هل هو ادخال النجاسة اليه مرة واحدة - او يكفي تجمعها نتيجة كثرة الاستعمال .

وقد تنبه المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفرالى هذا اللبس والخلط الحاصل بين نص الروايات ونص الفتاوى في الرسائل العمليه واشار بوضوح الى ان النص الوارد في الروايات من الائمة عليهم السلام هو :- ( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وان القيد الاخير الموجود في الفتاوي المسجلة في الرسائل العمليه والمضافة الى نص الروايه حتى يحسبها القارئ لاول وهلة انها جزء من الروايه. في حين ان القيد الاخير ( بالنجاسة ) هو من اضافة العلماء الاقدمين وكان رايه - وهو الصحيح - اننا اذا اخذنا نص الروايات على اطلاقها فان جميع الاحواض التي تستعمل - للتطهير - والتي قلما كانت تخلوا منها دار في النجف خصوصا قبل وصول المكائن التي تجلب الماء من نهر الفرات بواسطة الانابيب من الكوفة والتي تبعد حوالي عشرة كيلو مترات عن النجف ستصبح غير قابله للتطهير وتنفعل بالنجاسه حكمها حكم الماء القليل.

وهذه الاحواض كانت تملاء من الابار التي كانت في جميع بيوت النجف الا ماندر والقسم الاكبر من هذه الابار كانت متصلة بعضها ببعض وبينها ممرات وتسمى بالابار السلطانيه ، وقد سمعت - ان الثوار ايام ثورة العشرين واحتلال النجف من قبل السلطات الانجليزيه بعد محاصرتها قرابة اربعين يوما - كانوا يستعملون هذه الابار للهروب من مداهمة السلطات لهم والانتقال من دار الى دار او الخروج الى خارج البلدة

وقد كان نقص الماء في الاحواض نتيجة الاستعمال يعوض باستخراج الماء من الابار كل يوم او كل بضعة ايام وهناك عمال مختصون يدعون المَلة - بفتح الميم - وهم متواجدون في كل محلة ويطلبون لملأ الحوض من البئر وغالبا ما كان اهل الدار يحتفظون بالدلاء والرشاء وفي بعض الاحيان الرجال في الدار هم الذين يقومون بهده المهمة لتلافي نقص ماء الحوض خشية ان يخرج عن قدر الكر وعندئذ يفقد ميزة عدم انفعاله بالنجاسة او لضعف حالتهم الماديه. ويتم قشع الاوساخ التي تغطي سطح الحوض عندما يترك طوال الليل هادئا - بواسطة ازار يمسكه اثنان كل من طرف صباح كل يوم قبل استعمال الحوض وبنفس الطريقة التي تقشع فيها الاوساخ من احواض الحمامات وبعدها ايضا يستعملون ( الطرمبه ) لنزح ما تبقى في قاع الحوض ويفلت من الاوساخ ما يفلت لعدم تمكن تفادي ذلك 0 وهذه الاحواض تستعمل لغسيل كلما يحتاجون الى غسله لعدم وجود مياه غيرها عندهم ويستحمون فيها بالصيف ويتمضمضون منها عند الوضوء لكل صلاة او عند استخدام السواك 0 وغالبا ما كانت تفرغ هذه الاحواض وتنظف لتملاء كل سنه او ستة اشهر ، تفرغ مياهها في البالوعه وكثير من البيوتات ليست لديهم بالوعه سن والمقصود ( بالسن ) البالوعة العميقه التي تجتاز الطبقة الصخريه والتى عادة لاتمتلاء اصلا ولا تحتاج الى النزح حيث ان المياه والفضلات تتسرب في الطبقات السفلى.

اجل ان كثيرا من البيوتات التي ليست لديهم بالوعة عميقه خشية من امتلاء البالوعه واضطرارهم الى نزحها - وهذا ما يكلفهم - يرشون ماء الاحواض - بما فيها من الاوساخ المتعفنة في قعر الحوض - في الازقة التي تلي بيوتهم ويقوم بهذا العمل ( الملاء ) او بعض الاولاد الصغار بحيث يضطر المارة ان يمسكو بانوفهم من شدة ( العفونه ) ويرفعوا ثيابهم قليلا لان تجمع المياه التي قد يبلغ بضعة اصابع - تلوث ثيابهم .


يتبع

سيد مرحوم
06-14-2005, 02:01 AM
وعلى ذكر السواك انني شاهدت بعض العلماء وائمة الجماعة يضع السواك وهو غالبا من عيدان شجر الاراك في حنك عمته يستخدمه قبل كل صلاة عملا بالاستحباب دون ان ينتبه الى ان المقصود من استعمال السواك هو تنظيف الاسنان وليس توسيخها واستعمال السواك دون ماء ودون تنظيفها مرة بعد اخرى سيساعد على توسيخ الاسنان ونمو المكروبات فيها وهذه ايضا احد الامثلة على سوء فهم الاحاديث و لمقصود المشرع ، اذ المفروض من الحث على السواك هو تنظيفها والا فان عود ( السواك ) ليست له خصوصيه خاصه ولا قدسيه ليتبرك به .

ومن باب الكلام يجر الكلام اتخطر انني في اواسط الاربعينات بقيت فترة الصيف في سامراء لنقاوة الجو هناك وبرودته بعض الشيء وكنت اقضي النهار مع زميلي السيد محمد حسن القاضي نجل العالم الرباني السيد ميرزا علي القاضي الذي جاء ايضا للاصطياف واخذ غرفة في مدرسة الشيرازي الكبير وكنت اقيم معه في النهار وفي المساء التحق باهلي الذين كانوا قد استأجروا داراً لفترة الصيف - ومدرسة الشيرازي مدرسة معروفة في سامراء تحتوي على غرف كثيرة مخصصة لطلاب العلوم الدينيه ، قد أنشأها الشيرازي الكبير المرجع الديني الذي نقل مقره الى سامراء ونشطت في حينه الحركة العلمية هناك - وبعد وفاته اصبحت المدرسة شبه مهجورة وان كان المرجع الديني الكبير السيد ابو الحسن الاصفهاني قد اهتم بسامراء وبالمدرسة بالخصوص والحركة الدينية فيها فقد خصص رواتب لطلابها واقام لها مسؤلا وتعهد شيوخ سامراء بالصلات ليحافظوا على الطلبة هناك وحمايتهم من تعرض الجهال ، ولكن مع هذا كان فيها فراغ كبير وان كانت في ايام الصيف تملاء تقريبا من الطلاب الوافدين لقضاء فترة الصيف ومنهج التدريس في الحوزات العلميه في النجف والمراكز الاخرى لايشتمل على التمتع بعطلة صيفية كما هو المعهود في بقية المدارس وانما عطلهم محصورة بالمواسم الدينيه وشهر رمضان الذي تقام فيه دورات لتفسير القران غالبا لذلك اتفقت انا وزميلي لاختيار احد الاساتذة الذين كانوا في المدرسة ووقع اختيارنا على العلامة السيد محمد المرعشي وبدأنا ناخذ عنه بعض الدروس لكيلا يذهب وقتنا سدى رغم اننا كنا من طلاب كلية الفقه التي تسير في اسلوبها الدراسي على النهج المعروف حاليا حيث انها تعطل فترة الصيف بعد انهاء فترة امتحاناتهم التي كانت توافق نفس فترة الكليات الاخرى في بغداد .

وفي فترة بقائي في هذه المدرسه اذكر حادثتين لازالتا تلازمان ذاكرتي


الاولى : - ان احد كبار تجار الذهب والمجوهرات في النجف والمعروف بحبه للخير والتبرع لطبع كتب الاوراد والاحاديث والذي كان يضع اسمه وصورته على الصفحة الاولى ، وصل سامراء واشترى كمية من البطيخ الاحمر الذي كان متوفرا في سامراء وباسعار متهاوده جدا ، فالكيلو الواحد بحدود فلسين ، اختار الكميه بحجم متقارب ثم وضعها في ساحة المدرسه واخذ الطلاب يتباشرون لانهم جميعا كانت مواردهم محدودة جدا ، - فالراتب المخصص لكل واحد منهم حوالي الدينار الواحد شهريا شاملا جميع مصاريفه واحتياجاته - والتاجر المذكور كان يقف في الساحة واثار الفرح والكبرياء ظاهرة عليه وهو يتفرج على الطلاب بكبرياء وترفع في اختيار كل منهم واحدة من هذه البطيخات ، وطبعا بعضهم يشكره ويسلم عليه وكنت انا وزميلي ننظر الى هذا المنظر من شرفة الغرفة التى تطل على الساحة ، وكانت الغرف جميعها تقريبا تشرف على الساحه ، وقد مرعلينا بعض الطلاب مسرعين ليحثوننا على النزول للاختيار قبل النفاذ وكانوا يتعجبون حينما نردهم باننا لسنا في حاجة الى ذلك او اننا زاهدون فيه وقد كنت افكر ان المحسن الكبير - كما كانوا يعرفونه - لماذا لم يكلف احدا في ان يوزع هذا البطيخ على الغرف بعدد الاشخاص الموجودين فيها ليحفظ لهم ماء وجوههم اولا ولينال اجر من ينفقون سرا في سبيل الله وليس لغرض التباهي والابهة ليستحق لقب المحسن الكبير بجدارة لا ليلوك الجميع اسمه اعجابا او استهجانا.

والحادثة الثانيه : - انه قدم الى المدرسه حلاق واستولى على احد الغرف الفارغة واخذ يقوم بعمله في حلاقة رؤس الطلاب وطبعا كان يتقاضى اجورا زهيدة وبعد فترة شعر بان مايحصل عليه لايزيد عما يحصله هولاء الطلاب فقرر ان يلبس ( العمة ) وهو لباس رجال الدين وطلابه وينخرط في سلك الطلاب ولاجل ان يغير من وضعه ومن الصورة الذهنية الماخوذة عنه كحلاق لاتتجاوز معرفته شؤن الحلاقة البسيطه التي يمارسها وهي عبارة عن تشذيب اللحى وحلق الراس بالموس وكان المتعارف او السنة التي يسير عليها رجال الدين هو حلق رؤسهم بالموس ومن الشذوذ الذي يوجب الانتقاد والتشديد فيه بل ومما يبح للاخرين استغابته اذا تجرأ بعض الطلاب ولم يحلق راسه بالموس وخصوصا اذا ابقى فيه شعرا كثيفا والذي كان يسمى باللغة الدارجه ( تواليت ) او كدله ولا ادري من اين جائت هذه السنه الغريبه في حين ان المعروف ان النبي ( ص ) والائمة الاطهار كانوا يحتفظون بشعر كثيف في الراس وانهم كانوا يمشطونه ويدهنونه كما كان متعارفا في ذلك الوقت اجل من اجل ان يغير مركزه والصورة الماخوذة عنه كحلاق سمعته وهو جالس على دكة الحوض الكبير في الساحة الخلفية للمدرسه وكان الوقت قبيل صلاة الظهر واغلب الطلاب اجتمعوا للوضوء من هذا الحوض الذي هو شبيه بالاحواض التي سبق ذكرها ، واخذ الحلاق سابقا والطالب او رجل الدين حاضرا يلقي عليهم محاضرة في مساعدة الناس ويستشهد بالحديث القائل ( من سعى في قضاء حاجة اخيه المؤمن كتب الله على كل خطوة حسنة ) ويشرح لهم مضمونه حسب فهمه وهو ان على الشخص ان يقصر خطواته اذا ما سعى في قضاء حاجة لاخيه ليستزيد من الحسنات ، وقد اشكل عليه بعض الحاضرين بانه اذا ذهب لجلب طبيب لمريض فانه ربما سبب تاخره - موت المريض او سوء حالته - فعندها تفتحت قريحته وقال فليسرع في الذهاب ويعوض ذلك في تقصير خطواته الى اقصى حد وهو في الرجوع 0 ولم يحتمل شيخنا الوقور الذي كان بعمته الكبيرة ولحيته الكثه لايقل منظره عن منظر المجتهدين الكبار خصوصا انه كان قد بلغ الخمسين من العمر او تجاوز ذلك قليلا ولم يدر في خلده انه ربما لم يكن المقصود من الخطوة هو تحريك قدميه وانما الخطوة الاعتباريه - كما نقول خطوت خطوات في مشروع كذا او كتابة كذا او عمل كذا وانت جالس في مكانك دون ان تحرك قدما وانما كل ما قمت به هوتحرير رسالة او تاليف كتاب او الاتصال بمن يمكنه ان يساعد في المشروع ولا ادري هل كان شيخنا المستجد يجهل اي احتمال او تفسير اخر او انه اراد ان يبرز نفسه بين الطلبه ليمسح عنه صورة الحلاق الجاهل الامي ؟ ام كليهما معا ! كما انه بعد القاء محاضرته هذه وزع عليهم عيدانا بسمك عود الكبريت لاتصلح الا لنبش الاسنان ليستعملوها في السواك لانه من المستحب السواك بعود الاراك ، وهو لذلك قسم السواك الذي عنده ليستفيد من هذا الاستحباب اكبر عدد من الطلاب.

وعودا على بدء في موضوع الاحواض وبلوغها حد الكر ( وانها ) ستصبح طاهرة مطهرة سالت مرة العالم الجليل الشيخ محمد تقي ال شيخ راضي - حسبما اتذكر - احد الفضلاء المرموقين هل ان القيد الموجود في اخر النص ( بالنجاسه ) هو من جزء من الروايه قال لي : لا قلت : اذاً ستصبح جميع هذه الاحواض التي تستعمل نجسه فغضب وكاد ينهرنيفسكت.
__________________________________________



http://www.w6w.net/upload/13-06-2005/w6w_20050613175701a2fccc64.jpg


الامام الخوئي لاحد الاساتذة الجامعيين:
قل انني حمار ولا أفهم ولاداعي لأن تخرج من دين محمد !
__________________________________________

وعندما زار اية الله المرحوم الخوئي المرجع الديني الكبير الكاظميه زرته وقد كان فضيلة الشيخ محمد حسين مؤيد عنده وكان يمثله في بغداد رغم انه تاجر معروف الا انه ايضا من رجال الدين الفضلاء سالت المرحوم الخوئي نفس السؤال فتبسم وقال : زارني احد الاساتذه المحترمين من خريجي احدى الجامعات الامريكيه وربما كان استاذا فيها - وهو بمنظره الانيق النظيف - وسألني هل هذه الاحواض التي تستعملونها طاهرة مطهرة قلت له نعم فرد علي : انني ساخرج من دين محمد بن عبد الله اذا كانت هذه الاحواض طاهره مطهره - قال لنا الخوئي بالفارسيه " ديدم بد شود " فقلت له : - الكلام للامام الخوئي - كلما يسعك ان تقوله ان الامام الخوئي حمار لايفهم ولا داعي لان تخرج من دين محمد بن عبد الله ، ان هذا اجتهادي الخاص وليس بالضرورة ان يكون ما اراده الاسلام وقد اكبرت الامام الخوئي كثيرا على تواضعه وهو الامام الجليل وقد استقطب بتقليده اكثر الشيعه بما فيهم انا والشيخ مؤيد ، وهذا شان علمائنا الاعلام في تواضعهم وخضوعهم للواقع ومثل هذه الامثله تعرفنا ضرورة ان يكون المجتهد على اطلاع كامل بثقافة العصر واوضاعه ليستطيع ان يفهم الاحاديث الشريفة ومصادر التشريع بشكلها الصحيح السليم .

واذا كان لنا ان نفتخر ونعتز بتعاليم ديننا الدقيقه فالحديث الشريف على اطلاقه تفادي كل خلط يمكن ان يحصل وهكذا كل احاديثنا الصحيحة لايمكن ان يؤخذ عليها اي خلط او غلط على مر الدهور - فحلال محمد حلال الى يوم القيامه وحرامه حرام الى يوم القيامه - اي ان التعاليم الاسلاميه وضعت بصورة شاملة تلائم كل العصور.

قلت اذا كان لنا ان نفتخر فعلينا ان نستوعب حضارة كل عصر نعيشه لنتستطيع ان نطبق الاحكام الشاملة كما شرعت وكما ارادها المشرع، اذ ليس من المعقول ونحن في القرن العشرين مع هذا التقدم العلمي الهائل ونعرف التلوث الذي يمكن حدوثه من اسباب كثيرة لاحصر لها ، ليس من المعقول ان نتصرف في فهم وتفسير الاحاديث على عقلية وثقافة العصور المظلمه التي ما كانت تعرف عن الميكروبات والتلوث واي شىء

واذا كان موضوع الاحواض قد خرج عن دائرة الابتلاء اليوم بتوفر مياه الاساله وقد انعدمت الاحواض والحاجة اليها بصورة نهائية تقريبا فلا تزال هناك مواضيع اخرى كثيرة تحتاج الى تمحيص وفهم جيد .

وربما تكون من المواضيع المهمة موضوع المرأة والحجاب ولتوضيح الموضوع لابد من اعطاء صورة عن وضع المراة في المجتمع العراقي والنجف بالخصوص باعتبار ان مدينة النجف هي المركز الديني الاول للشيعة وهم في العراق يمثلون الاغلبية المطلقه وهي دار العلم التي يتخرج منها المئات كل عام من رجال الدين اللذين ينتشرون في ارجاء العراق والعالم الاسلامي مبلغين ومرشدين.

وحسب التقليد الجاري - الذي اعتبر جزءا من الدين بمرور السنين وقد دعمه فتاوى بعض المجتهدين او كثير منهم من باب الاحتياط وبموجب العناوين الثانويه خشية الوقوع في الفتنة والوقوع في المحرم بكسر الطوق العرفي الذي سرى في المجتمع - ان جميع النساء في النجف في تلك الفترة - اقصد فترة الاربعينات - يرتدين العبائة بلا استثناء والاكثرية منهن يسترن وجوههن ( بالبوشيه ) بصورة كاملة عبائة صوف توضع فوق الراس وتغطي الجسم باكمله واغلب نساء الطبقات الدينيه و المتدينه تلبس عبائتين احدهما توضع على الكتف الى نهاية القدم وغالبا ما تكون من الكتان او ما شابهه سوداء اللون بالاضافة الى العبائة الصوف السوداء التي توضع على الراس الى نهاية القدم وحسبما سمعت ( وجهت ) انتقادات شديده لكريمة احد المراجع التي كانت تكتفي بعبائة واحدة تضعها على راسها الى نهاية القدم وبالطبع بالاضافة الى البوشيه - المارة الذكر - هذا كله رغم جو النجف الساخن اما في جنوب العراق فقلما كانت ( المرأة ) المحتشمة تسير في الاسواق لشراء الحاجيات لوحدها واذا صادف انها تسير في احد الازقة وصادفها رجل يمشي في نفس الزقاق فانها اما ان تتلصق بالجدار كي لايرى قدها وقوامها واما ان تجلس الى ان يمر والمعروف عن احد شيوخ الفرات انه مر بفتاة فلم تعباء به ولم تجلس فرماها ببندقيته وقتلها لانها امراءة غير مؤدبة وغير محتشمة لايليق بها ان تكون ضمن فتيات عشيرته واذا ما صادف ان وردت الى النجف امرأة من الخارج ( سافرة ) وغالبا ما يضعون على راسها فوطه فستجد عشرات الرجال والشباب والاطفال ينطلقون خلفها ويكادون يلتهمونها باعينهم وربما سار الصبيان خلفها جماعات لا للتمتع بمنظرها ولكن لانه شئ غريب وعجيب يلفت الانظار ويثير الدهشه وفي هذا الجو المحموم الغريب ومع هؤلاء الناس اللذين تتفتح افواههم وتجحظ عيونهم من الدهشة لوجود امراة سافرة يضطر العلماء ان يفتوا بوجوب ستر الوجه احتياطا او خشية الريبة والفتنة رغم ان غالبية كبار علمائنا القدامى يحكمون بجواز كشف الوجه والكفين وعملا بنص الاية ( وليضربن بخمرهن على جيوبيهن ) اضافة الى الروايات الصريحه والاتفاق في ان في الحج لايجوز ستر الوجه كما ان منطق التاريخ يؤيد ذلك ، اذ لايتصور ان في عهد الرسول كان الناس يعرفون استعمال القفاز او الجورب وان النساء بعد نزول اية الحجاب اخذن يبالغن بستر وجوههن كما ان طلب غض الابصار ربما يشير كذلك ان الوجه رغم انه مكشوف لكن المطلوب عدم اطالة النظر وفي بعض الاحاديث النظرة الاولى لك والثانية عليك كما ان هناك بعض الاحاديث التي تذكر ان الرسول عليه افضل الصلاة والسلام ادار وجه بعض الصحابه عند نظرهم الى بعض النساء واعتقد ان الحديث عن ان الوجه هو اجمل ما في المراة وان كشفه يوجب الفتنه اعتقد ان مثل هذا التعليل خارج عن الصدد فاننا ملزمون بتطبيق التشريع حرفيا وحسب النصوص وليس لنا حق التفلسف واستخراج المصلحه او المفسده لأن دين الله لايؤخذ بالعقول كما يقول الامام الصادق عليه السلام ثم ان الله سبحانه وتعالى اعرف بالمصالح والمفاسد وما من شك ان جل الامور ان لم يكن كلها تشتمل على مصلحه ومفسده في آن واحد والله سبحانه هو وحده العارف باصدار الحكم بالجواز بناء على المصلحه الغالبه او النهي بناء على المفسده الغالبة كما في الخمر والميسر حيث يقول ( فيهما منافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما ) فكما ان كشف الوجه يسبب بعض المفاسد فان الستر الكامل يسبب كثيرا من الحرج والمضايقات والحد من الحرية بالنسبة الى المراة ولذلك سبحانه وتعالى موازنة بين المفسدة والمصلحة امر بعدم اظهار الزينة الا ما ظهر منها وستر مواضع الفتنة بقوله تعالى ( ولا يبدين زينتهن الا ما ظهر منها ) ولو كان المطلوب الاخذ بالاستحسانات لكان الاولى ان يكون ستر وجه المراة في الحج والطواف اولى لان الكل في ساعة عباده والمفروض ان يكونوا اكثر تجنبا لموارد الشبهة والاثارة


يتبع..

سيد مرحوم
06-16-2005, 02:45 AM
واستمراراً في نفس الموضوع سبق يوم كنت طالبا في كلية الفقه في اواخر الاربعينات ان قدمت مقالا للنشر في مجلة البذره التي ( يصدرها ) طلاب الكليه وعرض المقال على العلامة المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر عميد الجمعيه باعتباره وحده الذي كان يشرف على مقالات الصف المنتهى وفوجئت حين رايته قد شطب قسما من المقال

فسئلته : هل ما كتبته تعتبره غلطا وغير صحيح

قال : لا وقد استشهد بالمثل العامي - مكروهة وجابت بنيه - ثم قال لي ان الكل يحاولون جاهدين ان يمسكوا علينا مايشهروا به بنا وانت بهذا المقال ستهيئ لهم الوسيله

قلت له : استاذي مادام ما كتبته صحيحا حسب قولك فانني لااوافق على حذف ما حذفت منه

فاجابني : وانا لااستطيع ان اوافق على نشره واترك الجمعية تلاقي مشاكل لاطاقة لنا بها

واقترحت اخيرا ان ينشر المقال ويبقى مكان القسم المحذوف بياضا ويؤشر عليه ( حذفه الرقيب ) فوافق ونشر المقال على هذه الصوره ولم تكن العلة حسبما اعتقد فيما حذفه العلامة المظفر هي المناقشه العلميه لجواز كشف الوجه والكفين ، فهذا شئ مدون في الكتب الدراسيه ومعروف الا انني في الواقع كنت اضرب على الوتر الحساس وهو ما كان يخشى ان يحدث ضجة لقد قلت - حسبما اتخطر الان لانني لم احتفظ بالعدد - : ان اكثر علمائنا الكبار القدامى كانوا يفتون بجواز كشف الوجه والكفين - استنادا الى الادلة الصريحة الا ان اكثر ( علمائنا ) الحاضرين يفتون بعدم الجواز عملا بالاحتياط واستنتجت من ذلك ان علمائنا اليوم يلاحظون وضع العامة وتقاليدهم فهم لايريدون ان يفتوا بما يسبب اثارتهم ظنا منهم ان ذلك يسبب مشاكل وقد يشذ كثيرون وينالون بالسنتهم العلماء ويتهمونهم بالتشجيع على التفسخ وكما لاكت السنتهم المجتهد الكبير عندما خرجت أبنته بعابئة واحده رغم انها كانت تستر وجهها بالبوشيه فكيف اذا افتوا بجواز كشف الوجه والكفين وحتى لو لم ترتدي العبائة فيما لو كان جسدها مستورا وان كانت بالثياب الملونه وقلت فيما قلت : ان المفروض في علمائنا الاعلام - حفظهم الله - ان يوجهوا العامه الى ما هو الصحيح الا ان الامر يبدو اصبح على العكس فان العامة بتقاليدهم واعرافهم هي التي توجه العلماء في فتاويهم وهذا ما يعتبر كارثة ستشوه حقيقة الدين وتضيف اليه ما ليس فيه هذا خلاصة ما اذكره عن المقال وكما ان التسامح في الامور والمسائل الدينيه يفقدها مضمونها كذلك التشدد بما ليس من الدين تحت اي فلسفة يخرجها كذلك عن مضمونها وبعبارة اوضح كما ان تحليل الحرام يعتبر تعديا على الشريعه كذلك تحريم الحلال لافرق في ذلك ابدا ولا ننسى ان التشدد في كثير من الامور التى لاتعتمد على نصوص صريحة وانما هي استحسانا واحتياطات لاتعتمد على دليل ستؤدي الى نتائج عكسيه ، فان التشدد في الحجاب بالشكل الذي شرحناه والذي يفصل النساء عن الرجال فصلا تاما ويسبب الاحراج والمضايقات للكثيرمن العوائل - هو السبب في تقبل هذه الدرجة من الخلاعة والتسيب التي ورثناها من الغرب - وتلقته كثير من النفوس بلهفة وشوق فان اي تطرف ( ومبالغة ) يؤدي الى تطرف ومبالغة عكسية على مرور الزمن عندما تسنح الفرصة او تتجاوز حدها
والحديث الشريف ان الله يحب ان تستعمل رخصه كما تستعمل عزائمه يهدم قاعدة كثير من الاحتياطات المبنية على الاستحسان او التشدد لمجرد التشدد

ولا ادري ان المجتهد هل يصح منه ان يفتي بحرمة ما هو مكروه لمجرد ان يصون المقلدين من الوقوع في طريق المحرم بناء على المقولة القائلة من حام حول الحمى اوشك ان يقع فيه 0 أو الافتاء بالاحتياط الوجوبي في حين ان الادلة تسوقه وبقناعة تامة الى ان الاحتياط هو استحبابي وليس ( وجوبيا ) على ان كثير من المستحبات ليس لها اصل وانما هي مبنية على التسامح في ادلة السنن لذلك لم يدقق العلماء في صحتها واسانيد رواتها

ولكن مع الاسف الشديد ان النظرة العامة تختلف فاذا ما دعاهم من يدعي الصلاح وعليه مظاهره الى تحريم الحلال اعتبر ذلك نوعا من الزهد والتقوى وقد يجمع حوله من يجللونه ويعظمونه في حين من يتجراء على العكس يكفر وقد لاتقبل له توبه وقد كان المرحوم المظفر له الحق عندما حذف قسما من المقال رغم اعترافه بان ماكتب فيه لايخالف الواقع فقد اثيرت ضجة كبيرة على الكليه عندما استخدمت ساعة منبهة بجرس للاعلان عن بدء الدرس او الانتهاء وزعموا مثيروا الضجه ان هذا يشبه الناقوس في الكنائس والتشبه بالكافرين حرام واثيرت ضجة اخرى عندما صنعت الكليه ( رحلات ) للطلبه ، لكل طالب رحلة وهي عبارة عن كرسي له واجهة يضع عليها كتبه ويستخدمها للكتابه بدل المنضده وقد نقل لنا العلامة المظفر نقاشه مع احد المراجع حيث استدعاه مستنكرا وضع كراسي لطلاب العلوم الدينيه في حين انهم يجب ان يقتدوا بامامهم ابي تراب الذي كان يجلس على الارض ،

وكان جواب المظفر له : انت تجلس على مفرش وتحته سجادة ايرانيه وتحت السجاده الايرانيه حصيرة

فاجابه : اني لااريد ذلك الا ان الوضع يقتضي ذلك

فرد عليه الجواب نفسه قائلا : ان الوضع اليوم بالنسبة الى الطلاب يقتضي ذلك ايضا

وفي محيط يعتبر الجرس ناقوسا محرما والجلوس على الكراسي عادة سيئة وترف لايجب ان يعود عليها طلاب العلوم الدينيه وكتابة المقالات الادبيه يصرفهم عن التعمق في الفقه واصوله كيف يستسيغ مقالا يوجه النقد اللاذع الى المراجع انفسهم ويتهمهم بمحاباة العامه
______________________

http://www2.alrwaq.net/upu/05061522163949368.jpg

عندما افتى السيد محسن الامين بحرمة ( التطبير ) صدرت عدة كراسات من بعض رجال الدين ينتقدونه ، ولم يجرأ عالم او مرجع واحد ان يفتي بالحرمة ويمنع هذه الظاهره السيئة
______________________

ومن امثلة هذه المحاباة التي جرت وتجر علينا الويلات وتشوه سمعة الطائفه هي بعض المراسم في شهر محرم كاللطم الذي يبرز فيه اكثر الفتيان والشقاة منهم بالخصوص صدورهم وعضلاتهم امام المارة والمارات حتى انه في بعض الاحيان تنضح صدورهم دما ، وكضرب القامات ، وعندما افتى العلامه المرحوم السيد محسن الامين العاملي بحرمة ضرب السيوف على الرؤوس ( التطبير ) في اليوم العاشر من المحرم صدرت عدة كراسات من بعض رجال الدين ينتقدونه ، ولم يجرأ عالم او مرجع واحد ان يفتي بالحرمة ويمنع هذه الظاهره السيئة التي ابتكرها - ولاشك - بعض اسلافنا المعروف عنهم التقدس والمبالغين في الامور اما جهلا او نفاقا ورياء ليعلوا شانهم

___________________

انتقد الاستاذ المعروف جعفر الخليلي المظاهر الدموية الشاذه والمسيئة للطائفة فتم شج رأسه بعمود من قبل مؤيديها
___________________


وعندما كتب الصحفي المعروف الاستاذ جعفر الخليلي في مجلته الهاتف ينتقد هذه الظاهرة الشاذه والمحرمه والمسيئة الى سمعة الطائفه اسائة كبيره شج راسه بعمود وهو على باب داره وعندما حاولت السلطه في حينه منع هذه الظاهره اما بغرض ازالتها او بغرض التشجيع على توسعها باعتبار ان الانسان حريص على ما منع كما حدث بالفعل فبعدما كان المتطبرون لايتجاوزون عشرين شخصا وغالبا ما كانوا من الاتراك المقيمين في النجف ارتفع العدد الى الالاف وشمل حتى الصغار والرضع وقد سمعت ان السلطة كانت توزع الاكفان التي يلبسها المتطبرون - مجانا - بواسطة احد رجال الدين المحسوبين على السلطه والمعروف عنه ممالاته للانكليز ايام الاحتلال ، واخترعوا لذلك المعاجز فقد اشاعوا ان ابواب الصحن العلوي - التي اغلقتها السلطه لمنع المتطبرين من دخوله - قد انكسرت اقفالها باول دفعة وهلل البسطاء لهذه المعجزه المزعومه وما دروا انها من ابتكارات السلطه التي اخترعت الحادثه وهيئت لها لتشغل الناس بهذه التفاهات وتصرفهم عن نقد السلطه والتحرك ضدها وهو ما كانت تخشاه لتعسفها وغمط حقوق الاكثريه

_______________________

http://www2.alrwaq.net/upu/05061523251448183.jpg

ليس غريبا ان اعجب كل الاعجاب بذلك الشيخ الوقور ذي النظرات الثاقبه التي تنم عن ذكائه المفرط احيانا وتعكس طهارة نفسه وصفائها احيانا اخرى وهي مع ذلك تكشف في كثير من الاحيان عن قوة عزيمته ونفاذ تصميمه - حتى كأنه صاحب رسالة - يقف امام مجتمعه بكل صلابة وقوة وايمان يدافع عن مبادئه وآرائه الاصلاحية ويسعى الى نشرها ليجتذ كل نقاط الضعف والنقص في مجتمعه الذي يفترض ان يكون قدوة ونبراس خير وهدايه الفضيلة وحدها رائده وتحقيق الفضيلة هو كل ما يسعى اليه
_______________________


ليس غريبا ان اعجب كل الاعجاب بذلك الشيخ الوقور ذي النظرات الثاقبه التي تنم عن ذكائه المفرط احيانا وتعكس طهارة نفسه وصفائها احيانا اخرى وهي مع ذلك تكشف في كثير من الاحيان عن قوة عزيمته ونفاذ تصميمه - حتى كأنه صاحب رسالة - يقف امام مجتمعه بكل صلابة وقوة وايمان يدافع عن مبادئه وآرائه الاصلاحية ويسعى الى نشرها ليجتذ كل نقاط الضعف والنقص في مجتمعه الذي يفترض ان يكون قدوة ونبراس خير وهدايه الفضيلة وحدها رائده وتحقيق الفضيلة هو كل ما يسعى اليه

اليست مدينة النجف الاشرف هي العاصمة الدينية لملايين المسلمين ، ثم اليست بيئته بالذات هي الجامعة الدينيه التي تخرج ويتخرج منها الاف العلماء والفقهاء والمراجع الذين يوجهون العالم الاسلامي الشيعي اذا لايصح ان يكون في هذا المجتمع اي تسيب او فقدان للقيم والموازين ولا يصح ان يؤثر في تسيير رجاله اية اهواء وشهوات كانت ماديه او اعتباريه لحب الزعامة والشهره

اجل فليس غريبا ان اعجب به كما اعجب به واحترمه كل من عاشره ولو لفترة قصيرة ، ولم اشاهد في حياتي من لمز او غمز فيه شخصيا اوشكك في نواياه واخلاصه

ان هذه الروحيه وهذه المبادئ هي التي جرته الى نكران الذات بشكل غريب حتى انه لايانف من قيام اي عمل مهما كان حقيرا في سبيل ذلك وهذه المبادئ هي التي دعته لان يتحدى كل التقاليد السائدة ويضحي بمكانته ويتنازل لان يقابل ويدرس الصغار المبتدئين امثالي

كنت لازلت في الثانية عشرة من سنوات عمري يوم ذهبت بصحبة ابن خالتي وابيه الذي كان من رجال الدين وتربطه رابطة قوية بذلك الشيخ الوقور والعالم الجليل العلامه الشيخ محمد رضا المظفر مؤسس وعميد جمعية منتدى النشر ورائد حركة الاصلاح والتنظيم في جامعة النجف الاشرف والتي رغم مئات العلماء والفطاحل الذين تخرجوا منها لاتزال تفتقد التنظيم وتتخبط تخبطا عشوائيا في كثير من امورها

لاغرابة اذا ما انبهر الفتى اليافع بالجو الجديد ، فقد انتقل فجأة من تلك الساحة والغرفة الضيقتين الذي كان يدرس فيها الشيخ ( اديب ) طلابه كمثل بقية الكتاتيب - جالسين على الارض ومتلاصقين بعضهم ببعض - الا انه يختلف عنهم كثيرا في اسلوب ومواد التدريس فقد كان مدرسا سابقا في احدى المدارس الايرانيه لذلك فهو يتقن الرياضيات وكل المناهج التي تدرس في الثانويات ويحسن التكلم باللغة الفرنسيه والعربيه بالاضافة الى لغته الفارسيه وكان يرتدي العمامة ولباس رجال الدين كعادة اكثر مديري الكتاتيب في ذلك العهد لقد قضى الفتى في هذا المكتب حوالي عامين وهو اخر مكتب له وقد اخذ احسن قسط من التعليم فيه ، فاغلب الكتاتيب - التي تنقل ما بينها - كانت اقرب الى التهريج وضياع الوقت منها الى التربية والتعليم وكان الطالب بالكاد وبعد فترة ربما تطول يتعلم قراة القران والكتابة بصورة بدائيه

اما الشيخ اديب فكان يسلك في تعليمه تقريبا اصول التدريس في المدارس الرسميه ، فقد كان ينوع المعلومات ويهتم جدا بالرياضيات ويدرس بعض الطلاب الذين انهوا فترة دراستهم اللغة الفرنسيه وهو بعد ذلك خلط بين اسلوب التدريس في الحوزات العلميه اذ عهد الى الطلاب المتقدمين بتعليم الطلاب الذين اقل منهم تعليما - وبين اسلوب الامتحان المتبع في المدارس الرسميه اذ كان يمتحن الطالب بنفسه لينقله من فصل لاخر او من مرحلة لاخرى بعد تقرير المسؤل عنه لذا كنت اجامل واتودد الى المسؤل عنى وكان السيد علي نجل الامام الخوئي ليقدم تقريرا عني استحقه برغم قصر الفترة لكي اؤدي الامتحان الذي ينقلني الى المرحلة التاليه

وربما كان الشيخ ( اديب ) هو الوحيد المتفرد في هذا الاسلوب من الدراسه بين كتاتيب النجف وقد استفاد من اسلوبه الكثيرون يومئذ واعرف منهم من اتقن الفرنسية وحصل على اجازة فتح صيدليه في النجف في السوق الكبير ، وحسبما اتخطر انها كانت تدعى صيدلية الزهراء

قلت لقد انبهر الفتى عندما انتقل الى مدرسة كبيرة نسبيا تحتوي على صفوف تعج بعشرات الطلاب يرتدي اكثرهم لباس رجال الدين ويجلسون على كراسي منسقه ويدرسهم اساتذه كلهم من رجال الدين الفضلاء الذين لهم مكانتهم في المجتمع .



يتبع ..

سيد مرحوم
10-19-2005, 03:23 PM
وبعد ان انهى مرحلة عند الشيخ اديب فكر والده - على اثر ترجيح والحاح مدير احدى المدارس الابتدائيه والذي كان يخص الولد لامه بقرابة قريبة ولم تكن في المقدور الالتحاق بالمدارس الثانويه وقد رشحه قريبه بالالتحاق بالصف السادس ولم يكن ذلك ممكنا حيث يجب ان يلبس السترة والبنطلون حسب تعاليم المدارس وهما من لباس الكفار والتشبه بالكفار حرام لايليق بوالده الورع ان يفعل ذلك فقد نهاه عن ذلك اكثر اصدقائه، رغم ان التامل في هذه الاحاديث فان التفسير الاصح لها هو التشبه بحيث يلتبس الامر ويظن انه منهم كمن يلبس غطاء الراس الخاص باليهود.

ولم يكن يرجح لهم قريبه الالتحاق بالمدارس المسائيه لصغر سنه الذي لا يتناسب مع بقية طلاب المدارس المسائيه.

وقد كانت بشارة سارة لوالده عندما اخبر بان هناك مدرسة فتحت منذ فترة قريبه تابعه لجمعية منتدى النشر والتي تدرس فيها العلوم الدينيه على الطريقة الحديثه وعلى اسلوب المدارس الرسميه ، فهناك صفوف وساعات تدريس منظمه وامتحانات تعطى بعدها شهادات تميز الناجح والمتفوق عن غيره كما انه تدرس فيها بعض العلوم الاخرى كالرياضيات والتاريخ وغيرها ومؤسس الجمعية من الفضلاء المعروفين بالتقوى ورجل دين مرموق ومن عائلة عريقه . وقد اختار الاساتذة من رجال الدين الفضلاء الذين لهم مكانتهم وسمعتهم الطيبة في المجتمع .

ولقد سر الولد كذلك بهذا الخبر خصوصا عندما وجد بعض اقرانه وزملائه - ومنهم صديقه الحميم المرحوم عبد الصاحب القاموسي - قد انتقلوا من الشيخ اديب الى هذه المدرسه وقد شده الاسلوب الشيق في تدريس الادب واختيار ارق الاشعار واعذبها في الحماس والغزل العذري مما كان يشد اكثر الطلاب ايضا وحفظ ما يتلقون من قصائد ، وهو بالذات كان يستمتع بذلك غاية الاستمتاع فمنذ طفولته المبكره وهو في الثامنه كان يحس برغبته في ان يلعب مع قريباته المميزات وينظر الى البعض منهن نظرات خاصه ولازالت والدته تتحدث عنه وهو الرابعة - وهو يتذكر ذلك جيدا - عندما طلب منها ان تختار له قماشا جميلا على ان تخيطه له فلانه الجميله بالذات .

ولا شك ان حسن اختيار الاشعار الرقيقه من الغزل العذري كان له الاثر الكبير في تنمية الروح الادبيه والملكة الشعريه بالذات لكثير من الطلاب وقد برز منهم عدة شعراء في السنين الدراسيه مثل الدكتور الشيخ احمد الوائلي ، والسيد محمد حسين الصافي ، والشيخ احمد الدجيلي ، والشيخ محمد حسين المحتصر وهو بالذات بعد مرور سنتين او اكثر قليلا نظم قصيدة من عدة ادوار ( رباعيات ) في زواج قريبه الذي يكبره حوالى السنه وكان قريبه في سن الخامسة عشر من عمره . وليس غريبا ان يدرس الشعر والشعر العذري الرقيق في الغزل بالذات في مدرسة دينية اكثر طلابها يرتدون البزة الدينيه المميزه وبعضهم من اولاد العلماء والمراجع كالسيد محمد رضا الحكيم نجل اية الله السيد محسن الحكيم ، والسيد محسن الحمامي نجل اية الله السيد حسين الحمامي ، والسيد علي الخوئي نجل اية الله السيد ابو القاسم الخوئي ، والشيخ محد حسن ال ياسين نجل اية الله الشيخ محمد رضا ال ياسين ، والسيد محمد حسن القاضي نجل العالم الرباني السيد ميرزا على القاضي ، والشيخ احمد المظفر نجل اية الله الشيخ محمد حسن المظفر وغيرهم . وفي مدينة كالنجف الاشرف دون ان يكون لذلك اي صدى يثير النقد او الاعتراض رغم ان هناك الكثير من المتزمتين كانوا يترصدون الزلات والهفوات لهذه الجمعية الفتيه ومدرستها والتي في نظرهم قد تجاوزت الاعراف والتقاليد بنظامها واسلوبها في التدريس .

قلت لاغرابة في ذلك لان تعاطي الشعر والادب في النجف بجميع انواعه وخصوصا الغزل كان زينة مجالس الادب وخصوصا في مناسبات الاعراس والافراح والمناسبات الدينيه التي كثيرا ما تبداء القصائد فيها بالغزل ايضا ، وقد كانت هذه المجالس تضم العلماء والمراجع وثلة كبيرة من الفضلاء واولاد العلماء والطبقة المقدسه من عامة الناس والتجار والوجهاء ممن يتذوقون الشعر ويشترك الجميع في تشجيع الشعراء دون تحفظ وتتعالى هتافات طلب الاعاده حتى من كبار العلماء . ولم تكن زمرة التطرف والجمود التي تستنكر الغزل البرئ لها اثرها حينذاك . اما في المجالس الخاصه فكان حتى الشعر الماجن يقراء ويتندر به للتسليه كظرف برئ مستساغ ، واعتقد ان هذه السلوكيه امتدت من السلف الصالح منذ صدر الاسلام فالتقاط اشعار عمر بن ابي ربيعه كانت تهم حتى امثال ابن عباس حبر الامه .

ولا ازال اتذكر جيدا يوم نزل والدي متسلقا السلالم الى سطح الدار - حيث ان كثير من بيوت النجف كانت ساحتها اخفض من الشارع والزقاق تفاديا للحر والهجير - ووجهه يتهلل فرحا وبيده منشور صغير هو قصيدة العلامه السيد رضا الهندي الموسوي في مدح الامام علي عليه السلام . ويستهلها بالغزل الفاضح على عرف المتزمتين اليوم والذي يعتبره البعض شبيه الكفر حيث يقول :

آمنت هوى بنبوته وبعينيه سحر يؤثر

او تشجيعا على الفسق وشرب الخمر حيث يقول :

بكر للسكر قبيل الفجر فصفو الدهر لمن بكر

وقد اثارت قصيدته الرقيقة ضجة وصخبا لكنها ضجة استحسان واعجاب وليست ضجة نقد واستنكار . وقد طبعت ووزعت في النجف وكانت حديث المجالس وحفظها الكثيرون واعجب بها الكل دون ان يسمع اي صوت نشاز يستنكر ذلك .

وفي تلك الفترة لم يكن قد وصل التلفاز ولم يكن يملك المذياع ( الراديو ) سوى قلة قد لاتصل الى عدد الاصابع . وقد كان تعاطي الشعر وخصوصا الرقيق والظريف منه والغزل بالذات هو زينة المجالس الادبيه وسهرات السمر لدى الطبقات المثقفه تسلية للنفس وترفيها عن الروح بما فيهم الفضلاء والعلماء .

وشخصية المرحوم العلامه الشيخ محمد رضا المظفر مؤسس الجمعيه كانت نقيه ليس عليها اي غبار وليس لاحد فيها مغمز او ملمز ، والكل يعرف انه لم يتوخى اي فوائد ماديه حيث لم ياخذ اي فلس ولا فوائد معنويه او اعتباريه بل العكس ان انشغاله بتاسيس هذه الجمعيه وملحقاتها من مدرسة وكلية لم ترفع من شخصيته ان لم تكن قد وضعت منها . فهو من عائلة دينية عريقة واخوه الشيخ محمد حسن من المجتهدين الورعين البارزين .

وكان المأمول - كما عرف به من ذكاء وفطنة وصفاء - ان يصبح من المراجع البارزين لو استمر في الدرس والتدريس بالمستوى الذي يليق به . الا انه كان يعتبر نفسه صاحب رسالة - وهو بالفعل كذلك - فمن كان يفكر ويهتم بالاصلاح في ذلك المحيط الديني المنطوي على نفسه والجامد على الاسلوب القديم في التدريس والمتمسك بالتقاليد لحد المبالغة لايحيد عنها قيد انملة في النهج والاسلوب وحتى فى طريقة الجلوس والاكل وحتى اللباس من قمة الراس الى اخمص القدم اذ يلزم ان يلبس حذاء هو اشبه بمداس ابو القاسم الطنبوري .

وربما كان من الطريف ان انقل لكم حادثة صادفتني او صادفتها : ففي اواخر الاربعينات في الايام التي بدات المظاهرات الصاخبه تجوب شوارع بغداد بمناسبة ازمة فلسطين الاولى وكنت في طريقي قرب تمثال الرصافي واذا بمظاهرة تدافع فيها الناس حيث كان احد المتظاهرين يحمل على كتفه فتاة وهي تهتف :

( خذوني للوغى معكم خذوني وان لم تفعلوا فخذوا ردائي به شدوا الجراح اذا دمينا )

ودفعتني الموجة الى اقصى الرصيف فانزلقت فردة من مداسي الى حيث لاادري وعندما مرت المظاهره وبعدت فحصت عنها فلم اعثر لها على اثر فما كان مني الا ان دخلت الى اقرب معرض لبيع الاحذيه وكان بجنبي واشتريت منه حذاء بقياطين بدينارين وهو مبلغ كبير بالنسبة لي في تلك الايام وبالفعل لم يكن متوفرا لدي فرهنت شالا على كتفي حيث كان الفصل فصل شتاء بارد وذهبت الى احد معارفي في الشورجه واستقرضت منه المبلغ . ولم يكن هينا ان ارمي الحذاء خصوصا وقد شعرت براحة كبيرة في لبسه حيث كنت اسحل المداس سحلا بحيث قبل وصولي الى الدار بعدة امتار يسمع صوته يشخط الارض فيستشعرون بقدومي . ولم يكن هينا كذلك لانني لم استطع تسديد مبلغه الا بالكاد وبعد فتره . لذلك بقيت البسه عندما عدت الى النجف وقد سمعت كثيرا من التعليقات والتلميح بالنقد خصوصا وانه ذا قياطين وكأن القياطين من عمل الشيطان ، فالطبقة المقدسه من التجار كانوا يلبسون مثل هذا الحذاء ويسمونه ( القندره ) ولكن بدون قياطين ( قبغلي ) ، اما طلبة العلوم الدينيه فلبسه مستنكر لديهم سواء بدون قياطين او معهما ، وطبعا مع القياطين يكون النقد اشد والذع اذا ما تجراء احدهم على ذلك .

وبالصدفة كان في جوارنا احد ائمة الجماعه وكانت لي صلة بابنائه المعممين والذين هم ايضا يدرسون في منتدى النشر وكنت ازوره احيانا حيث كان يجلس قبل صلاة الظهر بساعة في منزله يستقبل زواره وعندما دخلت عليه وجه لي النقد بشكل لاذع اذ شدد على هؤلاء الذين يتجاوزون تقاليد وسيرة اهل العلم وهم يزعمون انهم يسيرون على نهجهم ، وطبعا عرفت باني المقصود بذلك التعريض ، فسئلته : شيخي هل هناك استحباب في لبس هذا النوع من الحذاء او كراهية في لبس غيره ، وقبل ان استمع الى رده استرسلت انا في الاجابه وذكرت له حديثا في احد كتب الحديث الموثوقه عندنا والتي تذكر ان المستحب في الحذاء ان يكون له لسان من الخلف تمسك كعب الرجل ، وكنت استخرجت هذا الحديث - الذي نقلته لكم الان بالمضمون وليس بالنص لاني لااتذكر النص - تحسبا لما ساقابل من نقد وتجريح .

لقد سردت هذه القصة المطوله لادلل على قدر الجمود الذي كان يلازم رجال الدين ومحيطهم دون الاستناد الا على التقليد الاعمى الذي لايفهمون هم انفسهم معناه ومصدره .


يتبع..