سيد مرحوم
06-13-2005, 10:28 AM
النجف الأشرف
في ذكريات الاستاذ الشيخ
محمد رضا المسقطي
http://www.wikalah.net/news/305/14_hawzanajaf.jpg
واخيرا - نقلت الى الشيخ اديب - بعد ان تنقلت بين عدة كتاتيب او الشيوخ - حسبما كنا نسميهم - وكان اغلبهم من الجالية الايرانيه ويرتدون لباس رجال الدين ، ويقوم هؤلاء بتحفيظ الطلاب الصغار سورا من القرآن الكريم وتعليمهم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب على طريقة القرون الوسطى ، اذ يبدأ الشيخ - او احد مساعديه ( الخلفة ) يقراء بصوت عال ويعيد الطلاب ما يقراء الشيخ بلهجة واحدة وامام كل واحد جزء من القرآن الكريم يحتوي على الايات التي يعيدون قرائتها وغالبا ما يهزون رؤسهم ويتأرجحون في جلستهم وهم جالسون على الارض ولايفصلهم عن ترابها او الطابوق سوى حصير صنع من سعف النخيل وبعض الاحيان لايفصلهم اي شيء خصوصا اذا كان المكان الذي اختاره الشيخ للتدريس ايوانا في الصحن العلوي الشريف ، وعندها يستخدم اغلب الطلاب مفرشا صغيرا خاصا يصطحبونه معهم ، وكثيرا ما كان التلاميذ الصغار يلاقون الامّرين من قسوة هؤلاء الشيوخ لعدم معرفتهم باصول التدريس وطريقة تلقين الطلاب ، فاذا ما تلكأ احدهم او عطس او تنحنح او لم يستوعب الدرس ، ويهوى عليه الشيخ بعصاه لينال جزاء ماحدث منه ، وقد يساعد بعض الاحيان سؤ حظ زميله ان تقع العصى عليه خصوصا اذا ما حاول الطالب المقصود الهرب او هرب بالفعل ، وهذا ما يحدث احيانا .
ومما يزيد الطين بلة ان اولياء الصغار غالبا ما كانوا يوصونهم بالشدة والعنف لانها في نظرهم الطريقة المثلى لتربية الطالب ودفعه الى التعليم والانتباه - وقد يترجم هذا العنف المتوارث او الشائع - بقوله للشيخ " لك الجلد ولي العظم " اي انك استعمل معه الشدة ولكن بدون كسر العظم.
ومن حسن حظي ان والدتي كانت على خلاف ذلك ، فانا ولدها العليل المدلل وكان خالي عندما يذهب ليسجلني يوصيهم بناء على رغبة والدتي بان لاأمس باي اذى.
وخالى رحمه الله كان يرتدي لباس رجال الدين وهو من عائلة دينية عريقة وكان وقورا وقويا ومحترما ، لذلك كانوا يلتزمون بتوصياته المشددة خصوصا انني كنت مضرب المثل - بين اخواني واخوتي - في الهدوء والدعة .
وكان خالي هو ولي امري لان والدي كان لايزال يعيش في مسقط ولا يمكث عندنا في السنة الا بضعة اشهر يشتغل فيها في تعلم الدروس الدينيه ، هوايته المفضله رغم انه يعد من التجار البارزين في مسقط راسه ومقر اقامته مسقط .
ومسقط في ذلك الحين كانت على راس دول الخليج وابرزها ومصدرا لاعادة التصدير الى المناطق المجاورة .
اجل لحسن حظي لم اضرب ولا مرة واحدة وان كان قلبي يتفطر ( الما ) عندما اشاهد الشيخ يهوي بعصاه بقسوة على قدمي أحد هؤلاء التلاميذ لانه لم ينتبه للدرس او لم يستوعبه او انه من ضجره قد ابدى احدى الحركات التى لاتليق او لايستسيغها الشيخ او اعتبرها سخرية منه او عدم احترام .
وكان من الطبيعي ان يحدث الطلاب بعض الشغب ( نظرا ) لمقتضيات سئمهم وللساعات الطويلة التي يقضونها دون اية فرصة للراحة والتنفس - من الصباح الباكر وحتى الظهيره وعدة ساعات عصرا علما بان غالبية الطلاب تتراوح اعمارهم بين الخامسة والعاشرة جالسين على الارض لاتفصلهم عنها سوى قطعة حصيرة او سجادة باليه يتراوحون بين التربع والقرفصاء والويل لمن يمد قدميه ليدفع عنها الخدر ، ولايسعهم التحرك وتغيير جلستهم فقد حشروا في مكان لايسع لنصف عددهم.
قلت لحسن حظي لم اضرب ، وان كنت قد هربت مرة او مرتين خشية الضرب ، في حين ان الذنب لم يكن ذنبي وانما ذنب قريني الذي اخفى حركته الشاذة ببراعة ، ولحسن حظي ايضا رغم كثرة تنقلاتي بين هؤلاء الشيوخ من سن الخامسة حتى العاشرة لم اذهب ولا مرة واحدة الى ( الملة ) التي كانت تقوم بعمل هؤلاء الشيوخ ولكن لتعليم الفتيات الصغيرات والصبيان الصغار معا اذا كانوا في سن مبكرة وربما السبب في ذلك ان الملة كانت اكثر قسوة وشدة في المعاملة ، ولم تشاء والدتي ان تعرضني لذلك رغم انها ارسلت شقيقتي الكبرى واخي الاصغر الى الـ ملة ( وهنه ) التي كانت دارها في نفس محلتنا ( العماره )، وكانت شهادة التخرج من مكتب الشيخ والملة بالخصوص - وذلك عندما يختم الطالب او الطالبة القرآن الكريم - ، هي ان تقام في دار المتخرج حفلة يحضرها جميع الطلاب والطالبات وهم يرافقون المتخرج بزفة جماعيه تتقدمها الملة وهم يهزجون " حبابة وخاتمة القرآن " ويصلون على النبي حتى ( يصلوا ) الى دار الطالبه ليتناولوا الحلويات ولتحصل الملّة على هديتها - والتي تسمى خلعة - وهذا غالبا ما كان يحصل بالنسبة الى الطالبات ( اذا ختمن ) القرآن في سن مبكرة وكن من العائلات المرموقة او الثرية.
قلت انتقلت اخيرا الى الشيخ اديب وانا لم اتجاوز العاشرة ، وكان يستأجر غرفة وساحة مكشوفة في (البالا خانه ) اي في الطابق العلوي من بناية خلف الصحن الشريف لايفصلها عنه سوى ممر ومجاورة لحمام الرجال الذي يدعى " حمام الحضرة " لمجاورته للصحن العلوي الشريف.
والحمامات في النجف كانت عبارة عن ساحة مسقوفة تحيطها دكات يخلع فيها الواردون ملابسهم وتجمع في زاوية او في الوسط اذا اكتظ المكان وتغطى بعبائة المستحم او ثوبه ، وبعدها يقدم له ازار يابس يئتزر به وعندما يذهب الى داخل الحمام يبدله غالبا العامل بازار مبلل ليحتفظ له بالازار اليابس عند خروجه ، وداخل الحمام هو عبارة عن ساحة فيها دكات ترتفع عن ارض الحمام بمقدار لبنة يجلس عليها المستحمون ويجلبون الماء من الحوض الكبير ( الخزانة ) بمساحة غالبا ما تكون حوالي 4 امتار في 6 ، او 8 امتار ، يملأ بالماء المستخرج من البئر ويسخن حيث انه مجوف من التحت ويضاف اليه الماء كلما نقص ولا يغير ماؤه او ينزح الا كل شهر او شهرين او اكثر ، لذلك قبيل الفجر عندما يبداء الحمام يستقبل الزبائن يقوم اثنان او اربعة من عمال الحمام باستخدام قطعة قماش كبيرة يمسك كل واحد منهم بطرف منها ليقشعوا الاوساخ المتجمعة والتي تغطي سطح الحوض بشكل كامل وبسمك عدة سنتيمترات ، وطبعا اذا مازلت يد احدهم او فلتت قطعة القماش عن ملامسة الجدار وهو ما يلزم حدوثه فتتخلف بعض الاوساخ لتغوص مرة اخرى وتكدر صفاء الماء ، وبعدها يقوم هؤلاء العمال باستعمال اسطوانة مجوفه ( الطرمبه ) مفتوحة من طرفها وفيها ثقب صغير من الطرف الاخر وتستخدم لشطف الاوساخ المتجمعة في قاع الحوض ، وعندما تملاء الاسطوانة بالاوساخ ترفع لتفرغ خارج الحوض ولكن دائما عند رفعها لتفريغها في الخارج تفلت بعض الاوساخ لتعود الى الحوض مرة اخرى وتنتشر فيه - وتعليقا على هذه الاحواض - اتذكر قصة طريفة حدثت وتناقلتها الالسن مع الشيخ ميرزا جميل الخليلي - وهو شيخ من عائلة علمية معروفة بالنجف ويرتدي لباس رجال الدين لأنه منهم كما ان كثيرا من افرادها بما فيهم الشيخ ميرزا جميل يتعاطون الطب اليوناني بالوراثة حيث يتتلمذ الولد على والده او عمه او خاله .
لقد شاهد الشيخ احد رجال الدين يتمضمض من ماء الخزانة فتقرب منه الميرزا وسلم عليه وقال له ان لدي مسئلة اود ان اسئلك عنها فرحب به الشيخ فقال له : اذا جلبت اناء نظيفا من البلور ووضعت فيه ماء نظيفا ووضعت داخله قليلا " خصيتي " فهل تتمضمض منه ؟ ! فزجره الشيخ وقال له : ابعد عني قبحك الله ، فاجابه : شيخي ان هذه الخزانه يغسل فيها العشرات او المئات خصيتهم وكثيرا من الاولاد الصغار يتبولون فيه ، وهذا كثيرا ما كان يحدث - وقد حدث لي ايضا عدة مرات عندما كنت صغيرا - فكيف تتمضمض به مع ان الحديث الشريف ينص على التمضمض من الماء الذي يشرب منه الشخص ، فهل تشرب من هذا الماء ؟ !
واود بهذه المناسبة ان اسرد لكم قصة اخرى ، عندنا شغاله تشتغل عندنا بعض ساعات النهار في المسح والتنظيف وكانت معها ابنتها الصغيره التي لم تبلغ الثالثه وكانت تغطي وجهها ويديها الاوساخ ، فأمرتها والدتي بان تغسل وجهها وتزيل عنها هذه الاوساخ ، فما كان منها الا ان غسلت وجهها ويديها بماء غسالة المسح الذي لم يزد وجهها الا وسخا فوق اوساخها وشملت الوجه واليدين باكملها بدل جوانب منها !! فهل ياترى في هذه القصة الغلط في التوجيه ؟ او في فهم المتلقي القصد ؟ هكذا بالنسبة الى كثير من الاحكام والروايات ، فان الغلط ليس في التشريع وانما سوء الفهم لغرض المشرع او التفسير الخاطيء لتعاليمه واوامره وارشاداته ! ومن المؤسف اننا لو دققنا لوجدنا الكثير من ذلك 0 وربما من جملة الاسباب التي منعت تقليد الميت ابتداء واكدت على تقليد الاعلم هو ان فهم كثير من الامور تتعلق بالمستوى الثقافي والحضاري والاجتماعي ، فليس غريبا اذا ما عرفنا مثلا ان الروايات التي تنص على ( ان الماء اذا بلغ حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وعلمائنا الاجلاء فيما مضى لم يكن احدهم يعرف المكروب واسباب التعفن ولم يستوعبوا مضمون الحديث المطلق ، حيث لاحظوا ان الماء اذا ترك لفترة دون ان يمسه اي شيء يتغير لونه وطعمه ورائحته او احدهما على الاقل وحسب ثقافة وحضارة ذلك الزمان لم يجدوا سببا لان يتغير الحكم ، ففسروا الحديث بان المقصود هو التغيير بالنجاسة واضافوا قيد " النجاسة " في فتواهم ورسائلهم العملية واصبح الحكم هكذا (( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته " بالنجاسه " )) واخذوا يتوسعون في التغيير بالنجاسه هل هو ادخال النجاسة اليه مرة واحدة - او يكفي تجمعها نتيجة كثرة الاستعمال .
وقد تنبه المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفرالى هذا اللبس والخلط الحاصل بين نص الروايات ونص الفتاوى في الرسائل العمليه واشار بوضوح الى ان النص الوارد في الروايات من الائمة عليهم السلام هو :- ( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وان القيد الاخير الموجود في الفتاوي المسجلة في الرسائل العمليه والمضافة الى نص الروايه حتى يحسبها القارئ لاول وهلة انها جزء من الروايه. في حين ان القيد الاخير ( بالنجاسة ) هو من اضافة العلماء الاقدمين وكان رايه - وهو الصحيح - اننا اذا اخذنا نص الروايات على اطلاقها فان جميع الاحواض التي تستعمل - للتطهير - والتي قلما كانت تخلوا منها دار في النجف خصوصا قبل وصول المكائن التي تجلب الماء من نهر الفرات بواسطة الانابيب من الكوفة والتي تبعد حوالي عشرة كيلو مترات عن النجف ستصبح غير قابله للتطهير وتنفعل بالنجاسه حكمها حكم الماء القليل.
وهذه الاحواض كانت تملاء من الابار التي كانت في جميع بيوت النجف الا ماندر والقسم الاكبر من هذه الابار كانت متصلة بعضها ببعض وبينها ممرات وتسمى بالابار السلطانيه ، وقد سمعت - ان الثوار ايام ثورة العشرين واحتلال النجف من قبل السلطات الانجليزيه بعد محاصرتها قرابة اربعين يوما - كانوا يستعملون هذه الابار للهروب من مداهمة السلطات لهم والانتقال من دار الى دار او الخروج الى خارج البلدة
وقد كان نقص الماء في الاحواض نتيجة الاستعمال يعوض باستخراج الماء من الابار كل يوم او كل بضعة ايام وهناك عمال مختصون يدعون المَلة - بفتح الميم - وهم متواجدون في كل محلة ويطلبون لملأ الحوض من البئر وغالبا ما كان اهل الدار يحتفظون بالدلاء والرشاء وفي بعض الاحيان الرجال في الدار هم الذين يقومون بهده المهمة لتلافي نقص ماء الحوض خشية ان يخرج عن قدر الكر وعندئذ يفقد ميزة عدم انفعاله بالنجاسة او لضعف حالتهم الماديه. ويتم قشع الاوساخ التي تغطي سطح الحوض عندما يترك طوال الليل هادئا - بواسطة ازار يمسكه اثنان كل من طرف صباح كل يوم قبل استعمال الحوض وبنفس الطريقة التي تقشع فيها الاوساخ من احواض الحمامات وبعدها ايضا يستعملون ( الطرمبه ) لنزح ما تبقى في قاع الحوض ويفلت من الاوساخ ما يفلت لعدم تمكن تفادي ذلك 0 وهذه الاحواض تستعمل لغسيل كلما يحتاجون الى غسله لعدم وجود مياه غيرها عندهم ويستحمون فيها بالصيف ويتمضمضون منها عند الوضوء لكل صلاة او عند استخدام السواك 0 وغالبا ما كانت تفرغ هذه الاحواض وتنظف لتملاء كل سنه او ستة اشهر ، تفرغ مياهها في البالوعه وكثير من البيوتات ليست لديهم بالوعه سن والمقصود ( بالسن ) البالوعة العميقه التي تجتاز الطبقة الصخريه والتى عادة لاتمتلاء اصلا ولا تحتاج الى النزح حيث ان المياه والفضلات تتسرب في الطبقات السفلى.
اجل ان كثيرا من البيوتات التي ليست لديهم بالوعة عميقه خشية من امتلاء البالوعه واضطرارهم الى نزحها - وهذا ما يكلفهم - يرشون ماء الاحواض - بما فيها من الاوساخ المتعفنة في قعر الحوض - في الازقة التي تلي بيوتهم ويقوم بهذا العمل ( الملاء ) او بعض الاولاد الصغار بحيث يضطر المارة ان يمسكو بانوفهم من شدة ( العفونه ) ويرفعوا ثيابهم قليلا لان تجمع المياه التي قد يبلغ بضعة اصابع - تلوث ثيابهم .
يتبع
في ذكريات الاستاذ الشيخ
محمد رضا المسقطي
http://www.wikalah.net/news/305/14_hawzanajaf.jpg
واخيرا - نقلت الى الشيخ اديب - بعد ان تنقلت بين عدة كتاتيب او الشيوخ - حسبما كنا نسميهم - وكان اغلبهم من الجالية الايرانيه ويرتدون لباس رجال الدين ، ويقوم هؤلاء بتحفيظ الطلاب الصغار سورا من القرآن الكريم وتعليمهم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب على طريقة القرون الوسطى ، اذ يبدأ الشيخ - او احد مساعديه ( الخلفة ) يقراء بصوت عال ويعيد الطلاب ما يقراء الشيخ بلهجة واحدة وامام كل واحد جزء من القرآن الكريم يحتوي على الايات التي يعيدون قرائتها وغالبا ما يهزون رؤسهم ويتأرجحون في جلستهم وهم جالسون على الارض ولايفصلهم عن ترابها او الطابوق سوى حصير صنع من سعف النخيل وبعض الاحيان لايفصلهم اي شيء خصوصا اذا كان المكان الذي اختاره الشيخ للتدريس ايوانا في الصحن العلوي الشريف ، وعندها يستخدم اغلب الطلاب مفرشا صغيرا خاصا يصطحبونه معهم ، وكثيرا ما كان التلاميذ الصغار يلاقون الامّرين من قسوة هؤلاء الشيوخ لعدم معرفتهم باصول التدريس وطريقة تلقين الطلاب ، فاذا ما تلكأ احدهم او عطس او تنحنح او لم يستوعب الدرس ، ويهوى عليه الشيخ بعصاه لينال جزاء ماحدث منه ، وقد يساعد بعض الاحيان سؤ حظ زميله ان تقع العصى عليه خصوصا اذا ما حاول الطالب المقصود الهرب او هرب بالفعل ، وهذا ما يحدث احيانا .
ومما يزيد الطين بلة ان اولياء الصغار غالبا ما كانوا يوصونهم بالشدة والعنف لانها في نظرهم الطريقة المثلى لتربية الطالب ودفعه الى التعليم والانتباه - وقد يترجم هذا العنف المتوارث او الشائع - بقوله للشيخ " لك الجلد ولي العظم " اي انك استعمل معه الشدة ولكن بدون كسر العظم.
ومن حسن حظي ان والدتي كانت على خلاف ذلك ، فانا ولدها العليل المدلل وكان خالي عندما يذهب ليسجلني يوصيهم بناء على رغبة والدتي بان لاأمس باي اذى.
وخالى رحمه الله كان يرتدي لباس رجال الدين وهو من عائلة دينية عريقة وكان وقورا وقويا ومحترما ، لذلك كانوا يلتزمون بتوصياته المشددة خصوصا انني كنت مضرب المثل - بين اخواني واخوتي - في الهدوء والدعة .
وكان خالي هو ولي امري لان والدي كان لايزال يعيش في مسقط ولا يمكث عندنا في السنة الا بضعة اشهر يشتغل فيها في تعلم الدروس الدينيه ، هوايته المفضله رغم انه يعد من التجار البارزين في مسقط راسه ومقر اقامته مسقط .
ومسقط في ذلك الحين كانت على راس دول الخليج وابرزها ومصدرا لاعادة التصدير الى المناطق المجاورة .
اجل لحسن حظي لم اضرب ولا مرة واحدة وان كان قلبي يتفطر ( الما ) عندما اشاهد الشيخ يهوي بعصاه بقسوة على قدمي أحد هؤلاء التلاميذ لانه لم ينتبه للدرس او لم يستوعبه او انه من ضجره قد ابدى احدى الحركات التى لاتليق او لايستسيغها الشيخ او اعتبرها سخرية منه او عدم احترام .
وكان من الطبيعي ان يحدث الطلاب بعض الشغب ( نظرا ) لمقتضيات سئمهم وللساعات الطويلة التي يقضونها دون اية فرصة للراحة والتنفس - من الصباح الباكر وحتى الظهيره وعدة ساعات عصرا علما بان غالبية الطلاب تتراوح اعمارهم بين الخامسة والعاشرة جالسين على الارض لاتفصلهم عنها سوى قطعة حصيرة او سجادة باليه يتراوحون بين التربع والقرفصاء والويل لمن يمد قدميه ليدفع عنها الخدر ، ولايسعهم التحرك وتغيير جلستهم فقد حشروا في مكان لايسع لنصف عددهم.
قلت لحسن حظي لم اضرب ، وان كنت قد هربت مرة او مرتين خشية الضرب ، في حين ان الذنب لم يكن ذنبي وانما ذنب قريني الذي اخفى حركته الشاذة ببراعة ، ولحسن حظي ايضا رغم كثرة تنقلاتي بين هؤلاء الشيوخ من سن الخامسة حتى العاشرة لم اذهب ولا مرة واحدة الى ( الملة ) التي كانت تقوم بعمل هؤلاء الشيوخ ولكن لتعليم الفتيات الصغيرات والصبيان الصغار معا اذا كانوا في سن مبكرة وربما السبب في ذلك ان الملة كانت اكثر قسوة وشدة في المعاملة ، ولم تشاء والدتي ان تعرضني لذلك رغم انها ارسلت شقيقتي الكبرى واخي الاصغر الى الـ ملة ( وهنه ) التي كانت دارها في نفس محلتنا ( العماره )، وكانت شهادة التخرج من مكتب الشيخ والملة بالخصوص - وذلك عندما يختم الطالب او الطالبة القرآن الكريم - ، هي ان تقام في دار المتخرج حفلة يحضرها جميع الطلاب والطالبات وهم يرافقون المتخرج بزفة جماعيه تتقدمها الملة وهم يهزجون " حبابة وخاتمة القرآن " ويصلون على النبي حتى ( يصلوا ) الى دار الطالبه ليتناولوا الحلويات ولتحصل الملّة على هديتها - والتي تسمى خلعة - وهذا غالبا ما كان يحصل بالنسبة الى الطالبات ( اذا ختمن ) القرآن في سن مبكرة وكن من العائلات المرموقة او الثرية.
قلت انتقلت اخيرا الى الشيخ اديب وانا لم اتجاوز العاشرة ، وكان يستأجر غرفة وساحة مكشوفة في (البالا خانه ) اي في الطابق العلوي من بناية خلف الصحن الشريف لايفصلها عنه سوى ممر ومجاورة لحمام الرجال الذي يدعى " حمام الحضرة " لمجاورته للصحن العلوي الشريف.
والحمامات في النجف كانت عبارة عن ساحة مسقوفة تحيطها دكات يخلع فيها الواردون ملابسهم وتجمع في زاوية او في الوسط اذا اكتظ المكان وتغطى بعبائة المستحم او ثوبه ، وبعدها يقدم له ازار يابس يئتزر به وعندما يذهب الى داخل الحمام يبدله غالبا العامل بازار مبلل ليحتفظ له بالازار اليابس عند خروجه ، وداخل الحمام هو عبارة عن ساحة فيها دكات ترتفع عن ارض الحمام بمقدار لبنة يجلس عليها المستحمون ويجلبون الماء من الحوض الكبير ( الخزانة ) بمساحة غالبا ما تكون حوالي 4 امتار في 6 ، او 8 امتار ، يملأ بالماء المستخرج من البئر ويسخن حيث انه مجوف من التحت ويضاف اليه الماء كلما نقص ولا يغير ماؤه او ينزح الا كل شهر او شهرين او اكثر ، لذلك قبيل الفجر عندما يبداء الحمام يستقبل الزبائن يقوم اثنان او اربعة من عمال الحمام باستخدام قطعة قماش كبيرة يمسك كل واحد منهم بطرف منها ليقشعوا الاوساخ المتجمعة والتي تغطي سطح الحوض بشكل كامل وبسمك عدة سنتيمترات ، وطبعا اذا مازلت يد احدهم او فلتت قطعة القماش عن ملامسة الجدار وهو ما يلزم حدوثه فتتخلف بعض الاوساخ لتغوص مرة اخرى وتكدر صفاء الماء ، وبعدها يقوم هؤلاء العمال باستعمال اسطوانة مجوفه ( الطرمبه ) مفتوحة من طرفها وفيها ثقب صغير من الطرف الاخر وتستخدم لشطف الاوساخ المتجمعة في قاع الحوض ، وعندما تملاء الاسطوانة بالاوساخ ترفع لتفرغ خارج الحوض ولكن دائما عند رفعها لتفريغها في الخارج تفلت بعض الاوساخ لتعود الى الحوض مرة اخرى وتنتشر فيه - وتعليقا على هذه الاحواض - اتذكر قصة طريفة حدثت وتناقلتها الالسن مع الشيخ ميرزا جميل الخليلي - وهو شيخ من عائلة علمية معروفة بالنجف ويرتدي لباس رجال الدين لأنه منهم كما ان كثيرا من افرادها بما فيهم الشيخ ميرزا جميل يتعاطون الطب اليوناني بالوراثة حيث يتتلمذ الولد على والده او عمه او خاله .
لقد شاهد الشيخ احد رجال الدين يتمضمض من ماء الخزانة فتقرب منه الميرزا وسلم عليه وقال له ان لدي مسئلة اود ان اسئلك عنها فرحب به الشيخ فقال له : اذا جلبت اناء نظيفا من البلور ووضعت فيه ماء نظيفا ووضعت داخله قليلا " خصيتي " فهل تتمضمض منه ؟ ! فزجره الشيخ وقال له : ابعد عني قبحك الله ، فاجابه : شيخي ان هذه الخزانه يغسل فيها العشرات او المئات خصيتهم وكثيرا من الاولاد الصغار يتبولون فيه ، وهذا كثيرا ما كان يحدث - وقد حدث لي ايضا عدة مرات عندما كنت صغيرا - فكيف تتمضمض به مع ان الحديث الشريف ينص على التمضمض من الماء الذي يشرب منه الشخص ، فهل تشرب من هذا الماء ؟ !
واود بهذه المناسبة ان اسرد لكم قصة اخرى ، عندنا شغاله تشتغل عندنا بعض ساعات النهار في المسح والتنظيف وكانت معها ابنتها الصغيره التي لم تبلغ الثالثه وكانت تغطي وجهها ويديها الاوساخ ، فأمرتها والدتي بان تغسل وجهها وتزيل عنها هذه الاوساخ ، فما كان منها الا ان غسلت وجهها ويديها بماء غسالة المسح الذي لم يزد وجهها الا وسخا فوق اوساخها وشملت الوجه واليدين باكملها بدل جوانب منها !! فهل ياترى في هذه القصة الغلط في التوجيه ؟ او في فهم المتلقي القصد ؟ هكذا بالنسبة الى كثير من الاحكام والروايات ، فان الغلط ليس في التشريع وانما سوء الفهم لغرض المشرع او التفسير الخاطيء لتعاليمه واوامره وارشاداته ! ومن المؤسف اننا لو دققنا لوجدنا الكثير من ذلك 0 وربما من جملة الاسباب التي منعت تقليد الميت ابتداء واكدت على تقليد الاعلم هو ان فهم كثير من الامور تتعلق بالمستوى الثقافي والحضاري والاجتماعي ، فليس غريبا اذا ما عرفنا مثلا ان الروايات التي تنص على ( ان الماء اذا بلغ حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وعلمائنا الاجلاء فيما مضى لم يكن احدهم يعرف المكروب واسباب التعفن ولم يستوعبوا مضمون الحديث المطلق ، حيث لاحظوا ان الماء اذا ترك لفترة دون ان يمسه اي شيء يتغير لونه وطعمه ورائحته او احدهما على الاقل وحسب ثقافة وحضارة ذلك الزمان لم يجدوا سببا لان يتغير الحكم ، ففسروا الحديث بان المقصود هو التغيير بالنجاسة واضافوا قيد " النجاسة " في فتواهم ورسائلهم العملية واصبح الحكم هكذا (( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته " بالنجاسه " )) واخذوا يتوسعون في التغيير بالنجاسه هل هو ادخال النجاسة اليه مرة واحدة - او يكفي تجمعها نتيجة كثرة الاستعمال .
وقد تنبه المرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفرالى هذا اللبس والخلط الحاصل بين نص الروايات ونص الفتاوى في الرسائل العمليه واشار بوضوح الى ان النص الوارد في الروايات من الائمة عليهم السلام هو :- ( اذا بلغ الماء حد كر لاينفعل بالنجاسة الا اذا تغير لونه او طعمه او رائحته ) وان القيد الاخير الموجود في الفتاوي المسجلة في الرسائل العمليه والمضافة الى نص الروايه حتى يحسبها القارئ لاول وهلة انها جزء من الروايه. في حين ان القيد الاخير ( بالنجاسة ) هو من اضافة العلماء الاقدمين وكان رايه - وهو الصحيح - اننا اذا اخذنا نص الروايات على اطلاقها فان جميع الاحواض التي تستعمل - للتطهير - والتي قلما كانت تخلوا منها دار في النجف خصوصا قبل وصول المكائن التي تجلب الماء من نهر الفرات بواسطة الانابيب من الكوفة والتي تبعد حوالي عشرة كيلو مترات عن النجف ستصبح غير قابله للتطهير وتنفعل بالنجاسه حكمها حكم الماء القليل.
وهذه الاحواض كانت تملاء من الابار التي كانت في جميع بيوت النجف الا ماندر والقسم الاكبر من هذه الابار كانت متصلة بعضها ببعض وبينها ممرات وتسمى بالابار السلطانيه ، وقد سمعت - ان الثوار ايام ثورة العشرين واحتلال النجف من قبل السلطات الانجليزيه بعد محاصرتها قرابة اربعين يوما - كانوا يستعملون هذه الابار للهروب من مداهمة السلطات لهم والانتقال من دار الى دار او الخروج الى خارج البلدة
وقد كان نقص الماء في الاحواض نتيجة الاستعمال يعوض باستخراج الماء من الابار كل يوم او كل بضعة ايام وهناك عمال مختصون يدعون المَلة - بفتح الميم - وهم متواجدون في كل محلة ويطلبون لملأ الحوض من البئر وغالبا ما كان اهل الدار يحتفظون بالدلاء والرشاء وفي بعض الاحيان الرجال في الدار هم الذين يقومون بهده المهمة لتلافي نقص ماء الحوض خشية ان يخرج عن قدر الكر وعندئذ يفقد ميزة عدم انفعاله بالنجاسة او لضعف حالتهم الماديه. ويتم قشع الاوساخ التي تغطي سطح الحوض عندما يترك طوال الليل هادئا - بواسطة ازار يمسكه اثنان كل من طرف صباح كل يوم قبل استعمال الحوض وبنفس الطريقة التي تقشع فيها الاوساخ من احواض الحمامات وبعدها ايضا يستعملون ( الطرمبه ) لنزح ما تبقى في قاع الحوض ويفلت من الاوساخ ما يفلت لعدم تمكن تفادي ذلك 0 وهذه الاحواض تستعمل لغسيل كلما يحتاجون الى غسله لعدم وجود مياه غيرها عندهم ويستحمون فيها بالصيف ويتمضمضون منها عند الوضوء لكل صلاة او عند استخدام السواك 0 وغالبا ما كانت تفرغ هذه الاحواض وتنظف لتملاء كل سنه او ستة اشهر ، تفرغ مياهها في البالوعه وكثير من البيوتات ليست لديهم بالوعه سن والمقصود ( بالسن ) البالوعة العميقه التي تجتاز الطبقة الصخريه والتى عادة لاتمتلاء اصلا ولا تحتاج الى النزح حيث ان المياه والفضلات تتسرب في الطبقات السفلى.
اجل ان كثيرا من البيوتات التي ليست لديهم بالوعة عميقه خشية من امتلاء البالوعه واضطرارهم الى نزحها - وهذا ما يكلفهم - يرشون ماء الاحواض - بما فيها من الاوساخ المتعفنة في قعر الحوض - في الازقة التي تلي بيوتهم ويقوم بهذا العمل ( الملاء ) او بعض الاولاد الصغار بحيث يضطر المارة ان يمسكو بانوفهم من شدة ( العفونه ) ويرفعوا ثيابهم قليلا لان تجمع المياه التي قد يبلغ بضعة اصابع - تلوث ثيابهم .
يتبع