المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة المقاومة ومنطق التاريخ


منتظرالامام
06-13-2005, 09:56 AM
عادة ما تصنع الشعوب من تاريخها وتجاربها ثقافة حية مستقاة من العبر والنتائج التي استحصلت عليها من واقع تلك التجارب والمحن التي واجهتها، وعادة ما تعتز تلك الشعوب وتفتخر بما حققته من انجازات او انتصارات لتعمل ليس فقط على الاحتفال بها بطريقة فولوكلورية وإنما ايضا على البناء عليها وتحويل كل الخلاصات التي تستقى من قراءتها قراءة واعية الى ثقافة هادفة تعمل على نقل تجارب الماضين وعبرها الى الاجيال اللاحقة.
وفي هذا السياق يأتي انتصار المقاومة اللبنانية على اسرائيل في ايار من العام 2000م. حيث استطاعت تلك المقاومة بعد جهاد استمر لعقود من الزمن وبعد كثير من التضحيات والاختبارات القاسية ان تفرض على اسرائيل الخروج ذليلة من اراض عربية احتلت: ولم يكن بدعا من الفعل ان تستطيع المقاومة ان تفرض على المحتل الخروج من ارضها، ولم يكن بدعا من النهج ان يعتمد اسلوب المقاومة والمواجهة العسكرية لاجبار المحتل على الخروج وإلحاق الهزيمة به، بل هذا ما يؤكده منطق التاريخ الذي يقول إن منطق الاحتلال لا يواجه الا بمنطق المقاومة وإن فعل الاحتلال لا يواجه الا بفعل المقاومة.
إن منطق التاريخ يقول ان القوة لا يردعها إلا القوة وإن فعل التحرير لا يتحقق لا بالتمني وبالترجي ولا بالتسول او الاستجداء وإلى هذا أشار الامام علي (ع) عندما قال: <<ردوا الحجر من حيث جاء فإن الشر لا يردعه إلا الشر>>، هذا الردع الذي هو شر على الأعداء لكنه خير لأبناء الوطن كل الوطن.
لقد انتصرت المقاومة على الاحتلال وطردت المحتل من معظم الاراضي اللبنانية لكن السؤال الذي يطرح: كم عمل اللبنانيون جميع اللبنانيين على استثمار هذا النصر ليس فقط على مستوى تحقيق بعض المكاسب السياسية او الاقتصادية وإنما ايضا على مستوى قراءة فعل المقاومة وحدث الانتصار من زوايا اخرى ترتبط بالعبر والاستنتاجات التي يمكن للبنانيين ان يستفيدوها من هذه التجربة، وعلى مستوى تثمير هذه التجربة في تدعيم صيغة العيش المشترك وأيضا على مستوى تشكيل ثقافة مقاومة واعية تتسع لجميع ابناء الوطن ويكون لباسها على مقاس كل الوطن، لتفضي هذه التجربة التي خيضت بالدموع والدماء الى ثقافة تمنح الوطن وأبناءه مناعة تحول دون اي احتلال جديد ودون اي اختراق خارجي ودون أي تدخل من اية دولة اجنبية في شؤون اللبنانيين ومستقبلهم وقضاياهم: فهل استطاع اللبنانيون ان يصنعوا ثقافة كهذه وهل لديهم ارادة كهذه لصناعة وتفعيل هذه الثقافة التي تعمل على تحديد معايير العداء والصداقة ومن هو العدو ومن هو الصديق وما هي بالتالي اساليب ووسائل الحماية والردع وطرق تحصين بلدنا من الاستهدافات الخارجية.
لذا بداية لا بد من تحديد المعايير التي تميز العدو من الصديق لأنه اذا تم تحديد تلك المعايير يمكن عندها الاقتراب من اجابات مشتركة ومتفق عليها، فهل العدو هو من اتفق اللبنانيون على كونه عدوا، والصديق من اتفق اللبنانيون على كونه صديقا؟ قد لا يتفق اللبنانيون على ذلك، إذ قد يوجد من يعتبره بعض اللبنانيين عدوا في حين يعتبره آخرون صديقا، وبالتالي قد لا يتفق على عدو واحد للوطن او على صديق واحد للوطن، او قد يتفقون على عدو واحد لكن منسوب العداوة لدى فئة من اللبنانيين قد يكون أقل من منسوب العداوة لدى فئة اخرى حتى ان هذا المنسوب قد يكون متدنيا جدا لدى البعض اذا لم يصل الى حدود الضحالة والجفاف في أحيان عديدة.
لعل هناك معيارا اكثر وضوحا ينبع من وقائع التاريخ وهو ان من أضر بلبنان وأساء الى الوطن قتلا وتدميرا وتشريدا واعتداء وانتهاكات... هو من يصح وصفه بكونه عدوا للبنان، في حين ان من ساعد لبنان ووقف الى جانبه في ايام المحن والشدائد والازمات هو صديق للبنان، وحتى إذا قيل ان هذا المعيار قد يُختلف في تطبيقه في موارد متعددة، لكن هل يشك احد ما من اللبنانيين في ان إسرائيل احتلت لبنان ودمرته ودمرت اقتصاده وارتكبت المجازر وقتلت الكثير من اللبنانيين فضلا عن اعداد كبيرة جدا من الاسرى والجرحى والمعاقين، هل يشك أحد من جاء فعل المقاومة ليطرد هذا العدو وليقيم توازن رعب ولربما ردع يحول دون معاودة هذا العدو للاعتداء مجددا على لبنان ومياهه وارضه وأهله وشعبه.
ان ثقافة المقاومة تعني ان يعرف جميع اللبنانيين ان اسرائيل هي عدو لجميع اللبنانيين وليس لفئة منهم وأن اسرائيل عندما احتلت لبنان فقد أضرت بجميع اللبنانيين وليس بفئة خاصة منهم وأن اسرائيل عندما ارتكبت ما ارتكبته من جرائم ومجازر وقتل وتدمير وتشريد... كانت ترتكب بحق جميع اللبنانيين وليس فقط بحق فئة خاصة منهم. ولذلك عندما تحقق النصر على اسرائيل، فإن هذا النصر كان للبنان كل لبنان وللبنانيين جميع اللبنانيين.
وبالتالي فإن فعل الحماية الذي تقوم به المقاومة ليس فعلا يختص بفئة دون اخرى او منطقة دون اخرى، بل هو فعل حماية لجميع اللبنانيين ولكل لبنان. وإن فعل الردع الذي تنجزه المقاومة هو فعل يخدم مصلحة وأمن واستقرار جميع اللبنانيين وليس مصلحة فئة خاصة منهم وأمنها واستقرارها.
وهكذا كانت المقاومة في تاريخها وماضيها الذي لا يستطيع احد ان يقول فيه انها قاتلت لفئة دون اخرى او لمنطقة دون اخرى، ولا يستطيع احد ان يقول ان التضحيات التي قدمتها المقاومة لم تخدم لبنان كل لبنان في أمنه واستقراره.
لقد كان ممكنا التشكيك في اهداف المقاومة ومشروعها وخياراتها عندما كانت المقاومة في بداياتها، فهناك من شكك في اعتماد الخيار المقاوم لدحر الاحتلال وهناك من شكك في نوايا المقاومة ومشروعها وغاياتها، لكن هل يمكن لأحد من اللبنانيين وبعد أكثر من عقدين من الزمان أن يشك في جدوائية فعل المقاومة وصوابية خيارها وقدرتها على تحقيق توازن رعب او ردع يمنع إسرائيل من احتلال لبنان او الاعتداء عليه مجدداً؟ لقد استطاعت المقاومة أن تهزم إسرائيل وتحرر الأرض وتعيد بعض الحقوق وتسترجع الاسرى وتمنح لبنان القدرة على والقوانين الدولية، وإذا كان الخيار الذي أثبت جدوائيته مع عدو كهذا هو الخيار المقاوم: فأية ثقافة يجب ان يحملها اللبنانيون، هل هي ثقافة التخلي عن مكامن القوة امام عدو شرس ولئيم، ام ثقافة المناعة والحماية والردع التي أثبتت المقاومة وبعد تجارب مريرة وقاسية قدرتها على توفيرها لجميع اللبنانيين ولكل لبنان.
إن منطق التاريخ يقول إن العدو لا يبلغ الهزيمة، ولذلك فإن اسرائيل لن تستمرئ هزيمتها القاسية التي ألحقتها بها المقاومة اللبنانية في العام 2000م. مع ما أدت إليه هذه الهزيمة من تداعيات كبيرة على الداخل الفلسطيني، وتحقق الفلسطينيين والعرب من جدوائية خيار المقاومة وقدرته على تحقيق النصر على اسرائيل، ولذلك لا يمكن ان يستشم من سعي الاسرائيليين الى نزع سلاح المقاومة وتخلي لبنان عن قوته الردعية إلا نوايا عدوانية مبيتة، ولذا فإن وقوف اسرائيل وراء القرار 1559 يعني ان اسرائيل تريد ان تثأر لهزيمتها في لبنان العام 2000م، وبما انها لا تستطيع حراكا طالما أن سلاح المقاومة موجود بما يشكل من قوة ردع، لعدوانها المحتمل وثأرها المرتقب، لذا كان لا بد من العمل على تجريد المقاومة من سلاحها حتى تستطيع ان تثأر بسهولة لهزيمتها وبالطريقة التي تراها مناسبة وأن تعاود من جديد عدوانها. ومن هنا كان من الضروري العمل على صناعة ثقافة المقاومة وعلى تفعيل هذه الثقافة لتتحول الى ثقافة لجميع اللبنانيين ولا تبقى هذه الثقافة لفئة دون اخرى، ليتفق اللبنانيون على عدو واحد ويتمسكوا بثقافة واحدة للمقاومة، لان منطق التاريخ يقول ايضا انه رب نصر صار هزيمة ورب هزيمة صارت نصرا فالمحافظة على نصر التحرير بما يعنيه من استمرار الحماية للبنان وحقوقه تقتضي تحصين لبنان بثقافة المقاومة والممانعة والتي ترتكز على فكرة اساس مفادها ان الوسيلة الوحيدة التي اثبتت بعد تجارب استمرت لأكثر من نصف قرن قدرتها على حماية لبنان هي المقاومة وقوتها الردعية.
محمد شقير
جريدة السفير