المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغناء.. بين انفعالات المتدينين وقيود التقليد


سيد مرحوم
10-28-2005, 12:45 AM
وجهة نظر
الغناء.. بين انفعالات المتدينين وقيود التقليد

علي داوود (http://rasid.no-ip.org/writers.php?id=1489)* (http://rasid.no-ip.org/artc.php?id=8329#writer_desc) - 25 / 10 / 2005م - 1:01 ص


http://rasid.no-ip.org/media/lib/pics/1129300652.jpg

واحدة من حلقات طاش ما طاش الجريئة لهذا العام تضمنت نقدا للموقف الفقهي العام تجاه عدد من القضايا، وانصراف العلماء الى التشدد في ارسال الفتوى والتكتم على معالم الاختلاف التي تحكم هذه الموضوعة او تلك، وهو ما حرص على اثارته افراد الفريق في ما يخص موضوعة الغناء والدعوة الى الجهاد.

من المؤكد انهم ارادو الافادة من الجدل الذي دفع به الشيخ عبدالمحسن العبيكان حول الغناء وحلق اللحية اضافة الى مواقفه المعارضة لدعوات الجهاد في العراق، حيث يبدو العبيكان الصوت المعاد انتاجه حكوميا لمواجهة التيار التقليدي الذي يتسيد الوسط السلفي.

ثمة حرص على ارسال مزيد من الضوء باتجاه موضعة الغناء في دائرة الاختلاف الفقهي، هذا الاختلاف الذي يراد منه اخراج الكثيرين من مواضع الحرج، وتخفيف النظرة السلبية لمن ذهبوا بعيدا في علاقتهم بالغناء، خاصة وان اهل الفن يأتون في مقدمة اولئك المتهمين والمنبوذين في العرف الديني لالتصاقهم بعنوان الموسيقى والغناء.

هل هي من الثوابت ام محل اختلاف... جملة كررها القصيبي وهو يجادل شيخه في حكم الغناء، ونحن نكررها معه لأن ما يجري في الوسط السلفي من سجالات لا تفترق عن شبيهاتها في الوسط الشيعي الذي وان تسامح البعض من فقهائه في حكم الموسيقى فأن الموقف العام فيه يميل الى ادانة الغناء بالوانه ضمن فتاوى واضحة في عنوانها وغير واضحة في موضوعها.

حروب كثيرة شهدتها وتشهدها المنتديات الالكترونية تصب في اتجاه الانتصار الى الرأي السائد بحرمة الغناء وتجريم المتعاطين له اخلاقيا، وربما المقالات الاخيرة التي تسللت الى راصد تأتي كامتداد لهذا السجال المتناسل من رحم المنتديات.

لن تعدم اصواتا في هذه الحوارات المتناثرة تأخذها الحماسة الى الاجتهاد الشخصي في اجتراح مباني فقهية جديدة وتلصيق احاديث من هنا وهناك لاجل قطع دابر «الاستهتار باحكام الله» بوصف علي الجبر، وممارسة التلفيق والتأويل في نقل اقوال علمية يظن انها تدين الغناء.

في الغالب لايجد المتلذذون بسماع الاغاني في هذه السجالات طريقا واضحا لرأي فقهي متسامح مع الغناء، ويميلون فقط الى التعبير عن المردود الايجابي على المستوى النفسي لسماعهم للغناء، تفنيدا لرأي المناوئين، ما يجعلهم اكثر اقتناعا برأيهم باعتبارهم يعيشون الغناء كتجربة حقيقية فيما المعارضون ينأون بأنفسهم عن التجربة!.

وورطة اولئك ان احدا لم يخبرهم بمساحة الاختلاف حول الغناء، فما يصدق على آراء الفقهاء في الوسط السلفي يصدق كذلك على مستوى المذهب الشيعي الذي لا يكف فيه الكثيرون عن ترداد القول بالاجماع عن حرمة الغناء، فيما يحتفظ التاريخ لنا بقامات فقهية انتهت الى قول مغاير لهذا الرأي.
انتهى الفيض الكاشاني (1090هـ) الى فهمه المختلف في شأن الغناء حين رأي بعدم حرمة الغناء لذاته وانما لما يحيط به من امور محرمة كالاختلاط والقول الفاحش، وهو الرأي الذي سانده فيه السيد محمد باقر السبزواري، من اكابر فقهاء الشيعة في حينه.

لقد كان للكاشاني مراجعته الخاصة للاحاديث المتداولة حول موضوعة الغناء، وهي الاحاديث التي يهش بها المعارضون للغناء على غرمائهم، وانتهى فيها اما الى التشكيك في سندها او في دلالتها على الحرمة.

لا يبدو الكاشاني وحيدا في سماء التشيع وان كان السجال قد تفجر من بعده واصبح ما كتب عن الغناء منذ ذلك التاريخ اضعاف مضاعفة عن ما قبله، فثمة اسماء فقهية استأنست هذا القول او كانت قريبة منه، وفي ضمنهم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء الذي يرى بأن «الغناء ـ سواء رافقته آلات الطرب «الموسيقى» أم لا ـ مباح مالم يستخفف السامع إلى حد يخرج معه عن الكمال، فهو إذ ذاك غير مشروع»، والمرحوم الاصفهاني، استاذ الامام الخميني، القائل: «اذا انحصر اثر الغناء والموسيقى في بعث السرور والنشاط في النفس فقط، ولم يؤثرا بعمق على العقل البشري فلا يحرمان، فيكونان كبعض المرطبات التي يبعث شربها النشاط والانتعاش ولا تؤثر في العقل، وتنحصر حرمة الغناء بحالة الاطراب المشابة للسكر الذي ينتج عن تناول الخمر»... ولعل من المتأخرين يبرز السيد محمد حسين فضل الله الذي يقترب كثيرا من رأي الكاشاني.

لا تخلو مقالات العامة من المتدينين من الارتباك والانفعال، فهي في المحصلة تعبير عن قلقهم لاتساع مساحة الغناء في حياتنا، وهو قلق يشاركهم فيه التربيون وعلماء الاجتماع من الفئات الاخرى، كما انها تعبير عن امتثالهم لرأي مراجعهم، الامر الذي يحرك النقاش في الموضوعة بقيود التكليف، اي الالتزام بفتوى فقيه، فقناعة الفرد ناشئة عن موقف مرجعه المختزل في فتوى صغيرة سيعمد الى تمطيطها بمقايسات منطقية مغلوطة او اقتباسات مجتزأة او تخريجيات فقهية لا اصل لها وكل ذلك من اجل تشويه صورة الغناء!.

ومن هنا لن يأخذنا الحوار الى منطقة محايدة طالما ظل الفرد مشدودا الى فتوى مرجعه وليس الى بحث مجرد من العواطف، وطالما ظل هذا النمط من التقليد الذي ينظم العلاقة بين الفرد الواحد منا ومرجعه يهيمن على روح البحث عند اولئك الباحثين والمتحاورين في هذا الشأن.

_____________________

علي داوود
البلد: المملكة العربية السعودية
البريد الإلكتروني: ali_ali26@yahoo.com (ali_ali26@yahoo.com)
صفوى

http://www.rasid.com/artc.php?id=8329