سيد مرحوم
10-21-2005, 02:48 AM
منهج التعريف بأهل البيت عليهم السلام
العلامة المحقق الشيخ حسين الراضي "حفظه الله"
http://www.w6w.net/upload2/29-09-2005/w6w_20050929100407751d5152.jpg
(رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا وإلى نفسه ، فحدثهم بما يعرفون وسترعنهم ما ينكرون ويجهلون .والله ، ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما ذكر ، ولو كانوا يقولون عني ما أقول ما عبأت بقولهم ولكانوا أصحابي حقا ) الامام جعفر الصادق عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .
جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( الصادق ) عليه السلام يَقُولُ :
( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ .أَمَا وَاللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْراً ) [1]
ويؤيد هذا الحديث ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، أنه قال :
( رحم الله عبدا من شيعتنا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم .أما والله لو يروون ما نقول ، ولا يحرفونه ، ولا يبدلونه علينا برأيهم ما استطاع أن يتعلق عليهم بشيء ، ولكن أحدهم يسمع منا الكلمة فينيط عشرا ويتناولها برأيه ....... ) [2].
الكلام يقع في محورين :
المحور الأول : في الآليات الناجحة والفعالة للتعريف بأهل البيت عليهم السلام وإعطاء صورة واضحة عن حياتهم وسيرتهم وما يحملونه من رؤى وأفكار وأخلاق وما قدموه للأمة من خدمات جليلة وعظيمة طيلة حياتهم .
في المقدمة لا بد من التنبيه على بعض الأمور :
1- مما يلفت النظر في بداية الحديث هو الدعاء من الإمام عليه السلام لمن يقوم بهذا الواجب .
2- أن الأئمة عليهم السلام لم يعيشوا لأنفسهم وإنما هو لله وللدين ، فمحبتهم والحديث عنهم إنما هو حديث عن الإسلام ، لذلك قدموا كل ما يملكونه بما فيه دماءهم لأجل الإسلام .
3- ما هو حجم المسئولية ؟
4- الأئمة عليهم السلام هم أئمة لعموم المسلمين والإمام الصادق عليه السلام إمام المسلمين وقد أشارت إلى ذلك جملة من الروايات .
5- ولايتهم ولاية الله وعداوتهم عداوة لله وقد نص على ذلك عدد من الأحاديث .
6- مسئولية التعريف بأهل البيت عليهم السلام على من تقع ؟ لا شك على أن طبقة العلماء هي في مقدمة من يتحمل المسئولية وهذا لا يعفي الآخرين منها كما يشير إلى ذلك كل من هذين الحديثين .
مواصفات المبلغومن منطلق تحمل المسئولية لا بد من توفر مواصفات معينة في العالم الذي يريد أن يقوم بهذا الواجب وهي :
1) العلم بما يريد أن يبلغه ويعرف به وأن يكون قائما على بحثه وتتبعه ، وأن لا يكون قائماً على الجهل والتعصب أو التقليد الأعمى أو مسايرا للعوام والجهلة .
2) الحلم
3) التواضع واللين بل وحسن الأخلاق عموما .
4) الموضوعية .
5) العدل والإنصاف والتقوى .
6) الإيمان بما يريد أن يبلغه .
7) الخبرة بعقائد الطرف الآخر وتاريخه ومذهبه ومشاعره وشعائره ومقدساته .
8) بعد النظر والحس السياسي .
9) حسن الإدارة وسعة الصدر
قال تعالى{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت َ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} 159/ آل عمران .
إن هذه الآية تجمع أهم صفات المبلغ والداعية إلى الله ودينه القويم .
النبي يحمل نفسه المسئولية في الدعوة
نقل السيد الإمام الخميني عن أستاذه الشاه آبادي :
قال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دعا الناس إلى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين الله حسب المستوى المرغوب فيه ، أبدى احتمالا في نفسه وهو النقص في دعوته – الداعي – فانصرف إلى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه ، فنزلت هذه الآية المباركة مخاطبة إياه {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} 2/ طـه .
إنك طاهر وهادٍ ، ولا يوجد عيب ونقص فيك ، بل النقيصة في الناس {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } 56/ القصص
ويتابع الإمام بقوله :
وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في ترويض وتعب وجهاد . ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا المعنى أيضاً ، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب .
ويجب أن تكون هذه الآية المباركة قدوة للناس جميعاً وخاصة للعلماء الذين يريدون القيام بالدعوة إلى الله تعالى ، حيث أن رسول الله مع طهارة قلبه وكماله التجأ إلى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق المتعالي .
ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من جهنم والأمان من العذاب . وهذا لا يكون إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آذاننا فلا نسمع كلمات الأولياء والأنبياء [3]
10- إشعار الطرف الآخر بالمحبة والمودة وأن هذا العمل لله وليس لمقصد مادي أو مذهبي .
11- مخاطبة الطرف الآخر بأمور لا ينكرها عقائديا ومذهبيا وعقلياً .
12- الحكمة في الحديث .
عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ( صَانِعِ الْمُنَافِقَ بِلِسَانِكَ وَ أَخْلِصْ وُدَّكَ لِلْمُؤْمِنِ وَ إِنْ جَالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ ) [4]
أدواة التعريف بأهل البيت
لعبت الدعاية والإرهاب الفكري والعسكري في العصر الحديث أدواراً كبيرة في مختلف جوانب الحياة العقائدية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فسلخت مجتمعات كثيرة عن عقائدها وفكرها وأخلاقها وأسقطت دول وأقامت غيرها وأفقرت جماعة أخرى واستعبدت آخرين .
إننا لسنا بحاجة إلى أساليب الاستعمار والكفر العالمي من الدعاية الكاذبة والإرهاب الفكري والعسكري فيما نصبو إليه من الدعوة إلى الله وتعريف مذهب أهل البيت عليهم السلام إلى من يجهلهم ، ففي الأساليب والأدوات التي طرحتها أئمتنا لنا كفاية .
الأئمة عليهم السلام عرضوا لنا أساليب التعريف بمذهبهم وهي في الواقع قواعد أساسية ثابتة ، وإن اختلف الزمان أو المكان وفي ما يلي أذكر بعض ما يسمح به المقام ويوجد هنا قاعدتان :
القاعدة الأولى : تحبيب الأئمة :
تحبيب الأئمة من أهل البيت عليهم السلام لدى مخالفيهم وإبرازهم بالصورة التي تتناسب مع مقامهم كأئمة لعموم المسلمين ولعل هذا هو السر في تأكيد الآيات والروايات على ولايتهم ومحبتهم وذكر فضائلهم والبراءة من أعدائهم ؛ فإن ولايتهم ولاية لله ولرسوله وعداوتهم عداوة لله ولرسوله .
وعدم طرح الأمور التي تؤدي إلى عداوة أئمة أهل البيت عليهم السلام وتشويه سمعتهم ولو في نظر الآخرين .
ما طرحه الإمام الباقر والصادق عليهما السلام في الصحيحة والرواية من تحبيبهم إلى من يجهلهم أو يخالفهم وإبرازهم بالصفة السامية لهو من أبدع وأنجع الأساليب في إقناع الطرف المخالف وتبديد الصور الكاذبة العالقة في ذهنه جراء الدعاية المغرضة الكاذبة أو التربية الخاطئة .
أساليب التحبيب
أما ما هي أساليب التحبيب وكيف يتم ذلك؟
فهي وإن كانت تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر بل ومن شخص إلى آخر ومن وسيلة إلى أخرى إلا أن ما عرضه الأئمة عليهم السلام في كلامهم لشيعتهم وبالأخص في الروايات الصحيحة حول هذا الجانب فهو واف كاف :
1- الإقتداء بالأئمة عليهم السلام في هذا الجانب .
الأئمة هم القدوة
يجب على الشيعة أن يتعاملوا مع مخالفيهم بنفس الطريقة التي كان الأئمة عليهم السلام يتعاملون بها مع مخالفيهم حتى وإن اختلف الزمان أو المكان أو وسائل التعامل وبما أنهم عليهم السلام كانوا يتعاملون مع مخالفيهم بالأخلاق الحسنة وما يدعوهم إلى الوحدة بين المسلمين ورص صفوفهم وتقريبهم إلى الإسلام بل والكثير تأثر بأخلاق أهل البيت حتى أصبح من المحبين لهم فعلى الشيعة أن يتعاملوا بنفس الأخلاقية ففي الحديث الصحيح عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا وَ بَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا ؟
فَقَالَ : ( تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ وَ يَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ وَ يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ وَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ )[5]
2- الإحسان إلى المسيء .
3- عدم المكاشفة .
والتعامل على الظاهر وعدم كشف الأمور المخفية في القلوب والنوايا ففي الحديث الصحيح عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) فِي حَدِيثٍ قَالَ : ( لَا تَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَ عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَ طَلَبِ الْحَلَالِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ إِيَّاكَ وَ مُكَاشَفَةَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَ نُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ ) [6]
4- الانفتاح على الآخرين .
5- والدعاء للمخالفين بالهداية .
سعة قلب النبي مع الناس
قال السيد ابن طاووس : و كنت في ليلة جليلة من شهر رمضان بعد تصنيف هذا الكتاب – يعني كتاب الإقبال - بزمان و أنا أدعو في السحر لمن يحب [ يجب خ ل ] و يحسن تقديم الدعاء له و لي و لمن يليق بالتوفيق أن أدعو له فورد على خاطري :
أن الجاحدين لله جل جلاله و لنعمه و المستخفين بحرمته و المبدلين لحكمته في عباده و خليفته ينبغي أن يبدأ لهم بالدعاء بالهداية من ضلالتهم فإن جنايتهم على الربوبية و الحكمة الإلهية و الجلالة النبوية أشد من جناية العارفين بالله و بالرسول (ص) فيقتضي تعظيم الله و تعظيم جلاله و تعظيم رسوله (ص) و حقوق هدايته بمقاله و فعاله أن يقدم الدعاء بهداية من هو أعظم ضررا و أشد خطرا حيث نعذر [ لم يقدر خ ل ] أن يزال ذلك بالجهاد و منعهم من الإلحاد و الفساد .
أقول فدعوت لكل ضال عن الله بالهداية إليه و لكل ضال عن الرسول بالرجوع إليه و لكل ضال عن الحق بالاعتراف به و الاعتماد عليه .
ثم دعوت لأهل التوفيق و التحقيق بالثبوت على توفيقهم و الزيادة في تحقيقهم و دعوت لنفسي و من يعنيني أمره بحسب ما رجوته من الترتيب الذي يكون أقرب إلى من أتضرع إليه و إلى مراد رسوله صلى الله عليه وآله و قد قدمت مهمات الحاجات بحسب ما رجوت أن يكون أقرب إلى الإجابات .
أ فلا ترى ما تضمنه مقدس القرآن من شفاعة إبراهيم (ع) في أهل الكفران فقال الله جل جلاله : { يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } فمدحه جل جلاله على حلمه و شفاعته و مجادلته في قوم [ لقوم ] لوط الذين قد بلغ كفرهم إلى تعجيل نقمته
أ ما رأيت ما تضمنه أخبار صاحب الرسالة و هو قدوة أهل الجلالة كيف كان ، كلما آذاه قومه الكفار و بالغوا فيما يفعلون قال صلى الله عليه وآله : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
أما رأيت الحديث عن عيسى (ع) كن كالشمس تطلع على البر والفاجر .
و قول نبينا (ص) اصنع الخير إلى أهله و إلى غير أهله فإن لم يكن أهله فكن أنت أهله .
و قد تضمن ترجيح مقام المحسنين إلى المسيئين قوله جل جلاله { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } و يكفي أن محمدا (ص) بعث رحمة للعالمين [7]
5- الالتزام بالدين .
إن تدين الأتباع له مدخلية كبرى في إعطاء الصورة الحسنة للمتبوع في نظر الآخرين الذين لا يعرفونه سواء كان الإسلام أو أهل البيت عليهم السلام أم غيرهما من المذاهب والأديان فإن الأتباع هم الذين يحكون الحالة لمن يتبعونه لذلك وقد ورد عن الصادق عليه السلام ، أنه قال للمفضل :
( أي مفضل قل لشيعتنا كونوا دعاة إلينا بالكف عن محارم الله ، واجتناب معاصيه وإتباع رضوانه ، فإنهم إذا كانوا كذلك كان الناس إلينا مسارعين ) [8].
وهذه الرواية صريحة أن حسن السلوك من شيعة أهل البيت والتزامهم بالدين من أهم أسباب الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام وأن التزامهم سوف يدعو الآخرين إلى الدخول في مذهب أهل البيت عليهم السلام بل ويكونون إلى ذلك مسارعين .
6- استعمال الحكمة .
في الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتي هي دعوة إلى الله عز وجل فيقال ما ينبغي أن يقال وما تكلم به الأئمة عليهم السلام ، ويسكتوا عما سكت عنه الأئمة عليهم السلام وسوف يهتدون إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
فقد جاء عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ :
( لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ مَعْرِفَتَهُ وَوَلَايَتَهُ فَقَطْ حَتَّى تَسْتُرَهُ عَمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ . وَ يُحْسِبُكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا قُلْنَا وَتَصْمُتُوا عَمَّا صَمَتْنَا فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ مَا نَقُولُ وَسَلَّمْتُمْ لَنَا فِيمَا سَكَتْنَا فَقَدْ آمَنْتُمْ بِمِثْلِ مَا آمَنَّا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :{ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا }
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام : حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَتَغُرُّونَهُمْ بِنَا ) [9]
7- اجترار المودة لأهل البيت .
يجب على الشيعي المخلص لأهل البيت عليهم السلام أن يتحرى الطرق التي تحبب أهل البيت إلى مخالفيهم وأن يستعمل الوسائل والأعمال التي تؤدي بالمخالفين أن يودوا أهل البيت عليهم السلام فيجر مودة الناس إلى أهل البيت وذلك بأن يدخلهم ويقربهم إلى المفاهيم التي حملها علي بن أبي طالب وأولاده الطاهرون عليهم السلام .
فقد جاء عَنْ مُدْرِكِ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام :
( يَا مُدْرِكُ ...... ، أَقْرِأْ أَصْحَابَنَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَيْنَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ وَتَرْكَ مَا يُنْكِرُونَ )[10]
فمن أسباب اجترار المودة لأهل البيت عليهم السلام أن يحدث المخالفين لهم بما يعرفون كالأحاديث التي رواها في كتبهم وسلموا بها ولا ينبغي له أن يلزمهم بما رواه هو من طريقه وفي كتب الخاصة خصوصاً إذا كان بدرجة يصطدم مع معتقدات المخالفين أو يؤدي بهم إلى النفرة عن أهل البيت عليهم السلام والبعد عنهم أو العداء لهم ، والمساحات المشتركة كبيرة جداً وقد عرضها الأئمة عليهم السلام في أحاديثهم ، كأحاديث الوحدة والأخوة بين المسلمين وأداء الأمانة لهم وحضور جنائزهم ومواساتهم في نكباتهم .
انتهى القسم الاول
العلامة المحقق الشيخ حسين الراضي "حفظه الله"
http://www.w6w.net/upload2/29-09-2005/w6w_20050929100407751d5152.jpg
(رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلينا وإلى نفسه ، فحدثهم بما يعرفون وسترعنهم ما ينكرون ويجهلون .والله ، ما الناصب لنا حربا بأشد علينا مؤونة من الناطق علينا بما ذكر ، ولو كانوا يقولون عني ما أقول ما عبأت بقولهم ولكانوا أصحابي حقا ) الامام جعفر الصادق عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين .
جاء في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ( الصادق ) عليه السلام يَقُولُ :
( رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً حَبَّبَنَا إِلَى النَّاسِ وَلَمْ يُبَغِّضْنَا إِلَيْهِمْ .أَمَا وَاللَّهِ لَوْ يَرْوُونَ مَحَاسِنَ كَلَامِنَا لَكَانُوا بِهِ أَعَزَّ وَمَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَلَكِنْ أَحَدُهُمْ يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيَحُطُّ إِلَيْهَا عَشْراً ) [1]
ويؤيد هذا الحديث ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، أنه قال :
( رحم الله عبدا من شيعتنا حببنا إلى الناس ولم يبغضنا إليهم .أما والله لو يروون ما نقول ، ولا يحرفونه ، ولا يبدلونه علينا برأيهم ما استطاع أن يتعلق عليهم بشيء ، ولكن أحدهم يسمع منا الكلمة فينيط عشرا ويتناولها برأيه ....... ) [2].
الكلام يقع في محورين :
المحور الأول : في الآليات الناجحة والفعالة للتعريف بأهل البيت عليهم السلام وإعطاء صورة واضحة عن حياتهم وسيرتهم وما يحملونه من رؤى وأفكار وأخلاق وما قدموه للأمة من خدمات جليلة وعظيمة طيلة حياتهم .
في المقدمة لا بد من التنبيه على بعض الأمور :
1- مما يلفت النظر في بداية الحديث هو الدعاء من الإمام عليه السلام لمن يقوم بهذا الواجب .
2- أن الأئمة عليهم السلام لم يعيشوا لأنفسهم وإنما هو لله وللدين ، فمحبتهم والحديث عنهم إنما هو حديث عن الإسلام ، لذلك قدموا كل ما يملكونه بما فيه دماءهم لأجل الإسلام .
3- ما هو حجم المسئولية ؟
4- الأئمة عليهم السلام هم أئمة لعموم المسلمين والإمام الصادق عليه السلام إمام المسلمين وقد أشارت إلى ذلك جملة من الروايات .
5- ولايتهم ولاية الله وعداوتهم عداوة لله وقد نص على ذلك عدد من الأحاديث .
6- مسئولية التعريف بأهل البيت عليهم السلام على من تقع ؟ لا شك على أن طبقة العلماء هي في مقدمة من يتحمل المسئولية وهذا لا يعفي الآخرين منها كما يشير إلى ذلك كل من هذين الحديثين .
مواصفات المبلغومن منطلق تحمل المسئولية لا بد من توفر مواصفات معينة في العالم الذي يريد أن يقوم بهذا الواجب وهي :
1) العلم بما يريد أن يبلغه ويعرف به وأن يكون قائما على بحثه وتتبعه ، وأن لا يكون قائماً على الجهل والتعصب أو التقليد الأعمى أو مسايرا للعوام والجهلة .
2) الحلم
3) التواضع واللين بل وحسن الأخلاق عموما .
4) الموضوعية .
5) العدل والإنصاف والتقوى .
6) الإيمان بما يريد أن يبلغه .
7) الخبرة بعقائد الطرف الآخر وتاريخه ومذهبه ومشاعره وشعائره ومقدساته .
8) بعد النظر والحس السياسي .
9) حسن الإدارة وسعة الصدر
قال تعالى{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْت َ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} 159/ آل عمران .
إن هذه الآية تجمع أهم صفات المبلغ والداعية إلى الله ودينه القويم .
النبي يحمل نفسه المسئولية في الدعوة
نقل السيد الإمام الخميني عن أستاذه الشاه آبادي :
قال شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دعا الناس إلى رسالته ولم يجد الإصغاء المطلوب والدخول في دين الله حسب المستوى المرغوب فيه ، أبدى احتمالا في نفسه وهو النقص في دعوته – الداعي – فانصرف إلى ترويض نفسه طيلة عشرة أعوام حتى ورمت قدماه ، فنزلت هذه الآية المباركة مخاطبة إياه {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} 2/ طـه .
إنك طاهر وهادٍ ، ولا يوجد عيب ونقص فيك ، بل النقيصة في الناس {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } 56/ القصص
ويتابع الإمام بقوله :
وعلى أي حال يستفاد من هذه الآية المباركة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في ترويض وتعب وجهاد . ويستفاد من مجموع أحاديث المفسرين هذا المعنى أيضاً ، رغم اختلافهم في كيفية الترويض والتعب .
ويجب أن تكون هذه الآية المباركة قدوة للناس جميعاً وخاصة للعلماء الذين يريدون القيام بالدعوة إلى الله تعالى ، حيث أن رسول الله مع طهارة قلبه وكماله التجأ إلى الترويض وأتعب نفسه حتى نزلت الآية الشريفة من الحق المتعالي .
ونحن رغم ثقل الخطايا والذنوب لم نفكر البتة في معادنا ومآلنا وكأننا نحمل صك الخلاص والبراءة من جهنم والأمان من العذاب . وهذا لا يكون إلا نتيجة أن حب الدنيا قد أصم آذاننا فلا نسمع كلمات الأولياء والأنبياء [3]
10- إشعار الطرف الآخر بالمحبة والمودة وأن هذا العمل لله وليس لمقصد مادي أو مذهبي .
11- مخاطبة الطرف الآخر بأمور لا ينكرها عقائديا ومذهبيا وعقلياً .
12- الحكمة في الحديث .
عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ( صَانِعِ الْمُنَافِقَ بِلِسَانِكَ وَ أَخْلِصْ وُدَّكَ لِلْمُؤْمِنِ وَ إِنْ جَالَسَكَ يَهُودِيٌّ فَأَحْسِنْ مُجَالَسَتَهُ ) [4]
أدواة التعريف بأهل البيت
لعبت الدعاية والإرهاب الفكري والعسكري في العصر الحديث أدواراً كبيرة في مختلف جوانب الحياة العقائدية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية فسلخت مجتمعات كثيرة عن عقائدها وفكرها وأخلاقها وأسقطت دول وأقامت غيرها وأفقرت جماعة أخرى واستعبدت آخرين .
إننا لسنا بحاجة إلى أساليب الاستعمار والكفر العالمي من الدعاية الكاذبة والإرهاب الفكري والعسكري فيما نصبو إليه من الدعوة إلى الله وتعريف مذهب أهل البيت عليهم السلام إلى من يجهلهم ، ففي الأساليب والأدوات التي طرحتها أئمتنا لنا كفاية .
الأئمة عليهم السلام عرضوا لنا أساليب التعريف بمذهبهم وهي في الواقع قواعد أساسية ثابتة ، وإن اختلف الزمان أو المكان وفي ما يلي أذكر بعض ما يسمح به المقام ويوجد هنا قاعدتان :
القاعدة الأولى : تحبيب الأئمة :
تحبيب الأئمة من أهل البيت عليهم السلام لدى مخالفيهم وإبرازهم بالصورة التي تتناسب مع مقامهم كأئمة لعموم المسلمين ولعل هذا هو السر في تأكيد الآيات والروايات على ولايتهم ومحبتهم وذكر فضائلهم والبراءة من أعدائهم ؛ فإن ولايتهم ولاية لله ولرسوله وعداوتهم عداوة لله ولرسوله .
وعدم طرح الأمور التي تؤدي إلى عداوة أئمة أهل البيت عليهم السلام وتشويه سمعتهم ولو في نظر الآخرين .
ما طرحه الإمام الباقر والصادق عليهما السلام في الصحيحة والرواية من تحبيبهم إلى من يجهلهم أو يخالفهم وإبرازهم بالصفة السامية لهو من أبدع وأنجع الأساليب في إقناع الطرف المخالف وتبديد الصور الكاذبة العالقة في ذهنه جراء الدعاية المغرضة الكاذبة أو التربية الخاطئة .
أساليب التحبيب
أما ما هي أساليب التحبيب وكيف يتم ذلك؟
فهي وإن كانت تختلف من زمان إلى زمان ومن مكان إلى آخر بل ومن شخص إلى آخر ومن وسيلة إلى أخرى إلا أن ما عرضه الأئمة عليهم السلام في كلامهم لشيعتهم وبالأخص في الروايات الصحيحة حول هذا الجانب فهو واف كاف :
1- الإقتداء بالأئمة عليهم السلام في هذا الجانب .
الأئمة هم القدوة
يجب على الشيعة أن يتعاملوا مع مخالفيهم بنفس الطريقة التي كان الأئمة عليهم السلام يتعاملون بها مع مخالفيهم حتى وإن اختلف الزمان أو المكان أو وسائل التعامل وبما أنهم عليهم السلام كانوا يتعاملون مع مخالفيهم بالأخلاق الحسنة وما يدعوهم إلى الوحدة بين المسلمين ورص صفوفهم وتقريبهم إلى الإسلام بل والكثير تأثر بأخلاق أهل البيت حتى أصبح من المحبين لهم فعلى الشيعة أن يتعاملوا بنفس الأخلاقية ففي الحديث الصحيح عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : قُلْتُ لَهُ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَصْنَعَ فِيمَا بَيْنَنَا وَ بَيْنَ قَوْمِنَا وَ بَيْنَ خُلَطَائِنَا مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى أَمْرِنَا ؟
فَقَالَ : ( تَنْظُرُونَ إِلَى أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَقْتَدُونَ بِهِمْ فَتَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَعُودُونَ مَرْضَاهُمْ وَ يَشْهَدُونَ جَنَائِزَهُمْ وَ يُقِيمُونَ الشَّهَادَةَ لَهُمْ وَ عَلَيْهِمْ وَ يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ إِلَيْهِمْ )[5]
2- الإحسان إلى المسيء .
3- عدم المكاشفة .
والتعامل على الظاهر وعدم كشف الأمور المخفية في القلوب والنوايا ففي الحديث الصحيح عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) فِي حَدِيثٍ قَالَ : ( لَا تَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ وَ عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ وَ طَلَبِ الْحَلَالِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ إِيَّاكَ وَ مُكَاشَفَةَ النَّاسِ فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ نَصِلُ مَنْ قَطَعَنَا وَ نُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْنَا فَنَرَى وَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْعَاقِبَةَ الْحَسَنَةَ ) [6]
4- الانفتاح على الآخرين .
5- والدعاء للمخالفين بالهداية .
سعة قلب النبي مع الناس
قال السيد ابن طاووس : و كنت في ليلة جليلة من شهر رمضان بعد تصنيف هذا الكتاب – يعني كتاب الإقبال - بزمان و أنا أدعو في السحر لمن يحب [ يجب خ ل ] و يحسن تقديم الدعاء له و لي و لمن يليق بالتوفيق أن أدعو له فورد على خاطري :
أن الجاحدين لله جل جلاله و لنعمه و المستخفين بحرمته و المبدلين لحكمته في عباده و خليفته ينبغي أن يبدأ لهم بالدعاء بالهداية من ضلالتهم فإن جنايتهم على الربوبية و الحكمة الإلهية و الجلالة النبوية أشد من جناية العارفين بالله و بالرسول (ص) فيقتضي تعظيم الله و تعظيم جلاله و تعظيم رسوله (ص) و حقوق هدايته بمقاله و فعاله أن يقدم الدعاء بهداية من هو أعظم ضررا و أشد خطرا حيث نعذر [ لم يقدر خ ل ] أن يزال ذلك بالجهاد و منعهم من الإلحاد و الفساد .
أقول فدعوت لكل ضال عن الله بالهداية إليه و لكل ضال عن الرسول بالرجوع إليه و لكل ضال عن الحق بالاعتراف به و الاعتماد عليه .
ثم دعوت لأهل التوفيق و التحقيق بالثبوت على توفيقهم و الزيادة في تحقيقهم و دعوت لنفسي و من يعنيني أمره بحسب ما رجوته من الترتيب الذي يكون أقرب إلى من أتضرع إليه و إلى مراد رسوله صلى الله عليه وآله و قد قدمت مهمات الحاجات بحسب ما رجوت أن يكون أقرب إلى الإجابات .
أ فلا ترى ما تضمنه مقدس القرآن من شفاعة إبراهيم (ع) في أهل الكفران فقال الله جل جلاله : { يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } فمدحه جل جلاله على حلمه و شفاعته و مجادلته في قوم [ لقوم ] لوط الذين قد بلغ كفرهم إلى تعجيل نقمته
أ ما رأيت ما تضمنه أخبار صاحب الرسالة و هو قدوة أهل الجلالة كيف كان ، كلما آذاه قومه الكفار و بالغوا فيما يفعلون قال صلى الله عليه وآله : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) .
أما رأيت الحديث عن عيسى (ع) كن كالشمس تطلع على البر والفاجر .
و قول نبينا (ص) اصنع الخير إلى أهله و إلى غير أهله فإن لم يكن أهله فكن أنت أهله .
و قد تضمن ترجيح مقام المحسنين إلى المسيئين قوله جل جلاله { لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } و يكفي أن محمدا (ص) بعث رحمة للعالمين [7]
5- الالتزام بالدين .
إن تدين الأتباع له مدخلية كبرى في إعطاء الصورة الحسنة للمتبوع في نظر الآخرين الذين لا يعرفونه سواء كان الإسلام أو أهل البيت عليهم السلام أم غيرهما من المذاهب والأديان فإن الأتباع هم الذين يحكون الحالة لمن يتبعونه لذلك وقد ورد عن الصادق عليه السلام ، أنه قال للمفضل :
( أي مفضل قل لشيعتنا كونوا دعاة إلينا بالكف عن محارم الله ، واجتناب معاصيه وإتباع رضوانه ، فإنهم إذا كانوا كذلك كان الناس إلينا مسارعين ) [8].
وهذه الرواية صريحة أن حسن السلوك من شيعة أهل البيت والتزامهم بالدين من أهم أسباب الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام وأن التزامهم سوف يدعو الآخرين إلى الدخول في مذهب أهل البيت عليهم السلام بل ويكونون إلى ذلك مسارعين .
6- استعمال الحكمة .
في الدعوة إلى أهل البيت عليهم السلام والتي هي دعوة إلى الله عز وجل فيقال ما ينبغي أن يقال وما تكلم به الأئمة عليهم السلام ، ويسكتوا عما سكت عنه الأئمة عليهم السلام وسوف يهتدون إلى الحق وإلى صراط مستقيم.
فقد جاء عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ :
( لَيْسَ هَذَا الْأَمْرُ مَعْرِفَتَهُ وَوَلَايَتَهُ فَقَطْ حَتَّى تَسْتُرَهُ عَمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ . وَ يُحْسِبُكُمْ أَنْ تَقُولُوا مَا قُلْنَا وَتَصْمُتُوا عَمَّا صَمَتْنَا فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ مَا نَقُولُ وَسَلَّمْتُمْ لَنَا فِيمَا سَكَتْنَا فَقَدْ آمَنْتُمْ بِمِثْلِ مَا آمَنَّا وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى :{ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا }
قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام : حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ لَا تُحَمِّلُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ فَتَغُرُّونَهُمْ بِنَا ) [9]
7- اجترار المودة لأهل البيت .
يجب على الشيعي المخلص لأهل البيت عليهم السلام أن يتحرى الطرق التي تحبب أهل البيت إلى مخالفيهم وأن يستعمل الوسائل والأعمال التي تؤدي بالمخالفين أن يودوا أهل البيت عليهم السلام فيجر مودة الناس إلى أهل البيت وذلك بأن يدخلهم ويقربهم إلى المفاهيم التي حملها علي بن أبي طالب وأولاده الطاهرون عليهم السلام .
فقد جاء عَنْ مُدْرِكِ بْنِ زُهَيْرٍ قَالَ : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام :
( يَا مُدْرِكُ ...... ، أَقْرِأْ أَصْحَابَنَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ ، وَقُلْ لَهُمْ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَيْنَا فَحَدَّثَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ وَتَرْكَ مَا يُنْكِرُونَ )[10]
فمن أسباب اجترار المودة لأهل البيت عليهم السلام أن يحدث المخالفين لهم بما يعرفون كالأحاديث التي رواها في كتبهم وسلموا بها ولا ينبغي له أن يلزمهم بما رواه هو من طريقه وفي كتب الخاصة خصوصاً إذا كان بدرجة يصطدم مع معتقدات المخالفين أو يؤدي بهم إلى النفرة عن أهل البيت عليهم السلام والبعد عنهم أو العداء لهم ، والمساحات المشتركة كبيرة جداً وقد عرضها الأئمة عليهم السلام في أحاديثهم ، كأحاديث الوحدة والأخوة بين المسلمين وأداء الأمانة لهم وحضور جنائزهم ومواساتهم في نكباتهم .
انتهى القسم الاول