سيد مرحوم
06-10-2005, 03:15 AM
سياسة الدس في أحاديث أهل البيت يكشفها لنا الامام الرضا(ع)
http://www.alradhy.com/images/alradhy_06.gif
العلامة الشيخ حسين الراضي
لم يُتحامل على فئة من الفئات أو طائفة من الطوائف مثل ما حصل لأهل البيت والقضاء عليهم وتشويه سمعتهم وإسقاطهم بشتى الطرق والوسائل ، وقد اتخذ في ذلك جميع الإمكانيات المادية والمعنوية والسياسية .
الوضع في فضائل أهل البيت
أساليب أعداء الأئمة عليهم السلام :
روى الشيخ الصدوق في [عيون أخبار الرضا عليه السلام] بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ : قُلْتُ لِلرِّضَا عليه السلام : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا أَخْبَاراً فِي فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ فَضْلِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ هِيَ مِنْ رِوَايَةِ مُخَالِفِيكُمْ وَ لَا نَعْرِفُ مِثْلَهَا عِنْدَكُمْ [1] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn1) أَفَنَدِينُ بِهَا ؟
فَقَالَ : ( يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عليه السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قَالَ : مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ ، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ ، وَ إِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنْ إِبْلِيسَ فَقَدْ عَبَدَ إِبْلِيسَ ) .
ثُمَّ قَالَ الرِّضَا [ عليه السلام ]:
( يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ إِنَّ مُخَالِفِينَا وَضَعُوا أَخْبَاراً فِي فَضَائِلِنَا وَ جَعَلُوهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ[2] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn2) :
أَحَدُهَا : الْغُلُوُّ ، وَثَانِيهَا : التَّقْصِيرُ فِي أَمْرِنَا ، وَثَالِثُهَا : التَّصْرِيحُ بِمَثَالِبِ [3] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn3) أَعْدَائِنَا.
فَإِذَا سَمِعَ النَّاسُ الْغُلُوَّ فِينَا : كَفَّرُوا شِيعَتَنَا وَنَسَبُوهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِرُبُوبِيَّتِنَا .
وَ إِذَا سَمِعُوا التَّقْصِيرَ : اعْتَقَدُوهُ فِينَا .
وَ إِذَا سَمِعُوا مَثَالِبَ أَعْدَائِنَا بِأَسْمَائِهِمْ : ثَلَبُونَا بِأَسْمَائِنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [4] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn4)
يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ : إِذَا أَخَذَ النَّاسُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَالْزَمْ طَرِيقَتَنَا فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ وَ مَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ ، إِنَّ أَدْنَى مَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَقُولَ لِلْحَصَاةِ هَذِهِ نَوَاةٌ ثُمَّ يَدِينُ بِذَلِكَ وَيَبْرَأُ مِمَّنْ خَالَفَهُ .
يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ احْفَظْ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ فَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ) [5] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn5)
إن هذا الحديث من الأحاديث المهمة جداً في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ويعجز الإنسان مثلي أن يؤدي حقه وأن يصل إلى مغزاه الحقيقي ، كيف وكل فقرة من فقراته يمكن أن تكون قاعدة من القواعد المهمة في كشف الحقائق والكثير مما أدخل على تراثنا وأحاديثنا زوراً وبهتاناً ، وهذا يحتاج إلى شرح وتفصيل ليخرج إلى الملأ من تلك الكنوز الدفينة الثمينة ويكشف عن جواهره العظيمة لتحيي الأمة وتسعد بالاستفادة من كنوز المعرفة منها .
إني أتصور أن هذا الحديث يحتاج إلى جهد كبير من الفضلاء والعلماء في شرحه وتبيان حقائقه ، ولعل الله يقيض من يتصدى لذلك ويفرده بتأليف ممن له القدرة العلمية والأدبية ويقدم خدمة كبيرة للمؤمنين .
إن بياني قاصر ومعلوماتي محدودة لا تدرك كنه هذه الحقائق العظيمة ، ولكن أحاول أن أشير مختصراً إلى ما أتمكن عليه ويسمح به الوقت :
في البداية أقول : إن استشهاد الإمام الرضا عليه السلام بحديث رواه عن آبائه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده ... إلخ )[6] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn6) يدل على أهمية مصدر المعرفة والمأخذ الذي يجب على الإنسان أن يأخذ منه وأن لا يتساهل في هذا الجانب ويأخذ من أي مصدر كان ، حتى ولو كان ذلك فيما يرجع إلى فضائل أهل البيت عليهم السلام ,كما لابد من تحقق النسبة إلى المنسوب إليه سواء كان النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام , وأن لا يتساهل في المعلومات التي تنسب إليهم بحجة التسامح في أدلة السنن أو لأنها فضائل أهل البيت عليهم السلام فتقبل من أي طريق كان خصوصاً إذا كانت من طريق مخالفيهم وهنا تكمن الخديعة والدسيسة .
ويبدو أن الإمام عليه السلام استشهد بحديث جده لينبه أتباعهم والموالين لهم على الاهتمام بهذا الجانب .
وفي جانب آخر لعلّ الإمام الرضا عليه السلام هو من أبرز الأئمة عليهم السلام الذين تصدوا إلى تزييف الأحاديث الباطلة والمزورة والموضوعة أو التي لعبت بها يد الأهواء من الزيادة والنقيصة والتي نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الأئمة عليهم السلام زوراً وبهتاناً فقد تصدى للرد على الزنادقة والمنافقين والغلاة والمفوضة , والمخالفين والوضاعين والكذابين وكشف كثيرا من الأحاديث المكذوبة والمزيفة . ومن يراجع كتاب ( عيون أخبار الرضا عليه السلام ) يجد الشيء الكثير من هذا .
ولما كان الإمام على معرفة ودراية من أغراض الأعداء وأهدافهم ضد أهل البيت وشيعتهم كشف تلك السياسة الخبيثة للأعداء وأبان عن تلك الأهداف وعن مخاطرها . وأن الأعداء قد دخلوا من طريق رواية الفضائل والكرامات لأهل البيت عليهم السلام وقسم الإمام تلك الأحاديث الموضوعة إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول :
الروايات التي وضعوها وقد نسبت الأئمة عليهم السلام إلى الغلو وأنهم آلهة يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون ، وأنهم أرباب يعبدون من دون الله أو أن لهم ما لله سبحانه من صفات وأفعال ونسبوها إلى الأئمة عليهم السلام ، وقد انخدع بها بعض الرواة من الشيعة فرووها في كتبهم كما هي من باب التدين بما روي عن النبي والأئمة .
ثم إن الأعداء أخذوا هذه الروايات التي دسوها ذريعة للتشهير بالشيعة وأتباع أهل البيت ويلصقون بهم كل رذيلة وبهتان كالغلو والكفر لأنهم يقولون بربوبية الأئمة عليهم السلام . وها هم الأعداء وأتباعهم يأخذون أتباع أهل البيت بهذه الجريرة فيكفرونهم وينسبون لهم الغلو والتفويض .
إبادة أتباع أهل البيت
إن المتتبع لتاريخ أهل البيت وشيعتهم يجد ما لاقوا من القتل والإبادة والتشريد والاضطهاد لأتفه الأسباب ولأمور غير ثابتة عليهم أو أنها مدسوسة عليهم ومعها يحاسبون عليها أشد الحساب ؛ فقد اتخذ أعداؤهم نسبة الغلو إليهم وتعميمها على كل من ينتسب إلى هذه الطائفة ذريعة لقتلهم واستحلال دمائهم وسلب أموالهم على مر التاريخ وإلى يومنا هذا .
إن المجازر المروعة في العراق وباكستان وأفغانستان وغيرها ، وقتل الأطفال والنساء الأبرياء في المساجد والحسينيات والأسواق والشوارع ، هو دليل واضح على ما ذكره الإمام الرضا عليه السلام
القسم الثاني ( التقصير ) :
دس الأعداء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام أعداداً ليست قليلة في تقصير الأئمة عليهم السلام مع الله سبحانه وتعالى ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع المقدسات الإسلامية مثل الكعبة المشرفة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والقرآن الكريم ، فدسوا في أحاديثهم القول بتحريف القرآن ، وأحاديث في تفضيل كربلاء على الكعبة المشرفة ومكة المكرمة وغيرها ، ويصورون أئمتنا عليهم السلام وكأنهم أعداء لهذه المقدسات التي قدسها القرآن الكريم ورسوله النبي العظيم وتسالم عليها المسلمون ، وأبقوا هذه الأحاديث على حالها لتؤدي مفعولها الذي وضعت من أجله .
القسم الثالث ثلب الأعداء :
وضع الوضاعون والكاذبون أحاديث على لسان الأئمة عليهم السلام في ثلب [7] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn7) أعداء أهل البيت بأسمائهم حتى يتمكن الأعداء من ثلب الأئمة عليهم السلام بأسمائهم ، واستشهد الإمام الرضا عليه السلام بالآية المباركة لينبه الموالين لهم لهذه الدسيسة والخديعة والسياسة الخبيثة التي وضعها الأعداء لهم .
ومع الأسف الشديد إننا نرى أمثلة عديدة وكثيرة لهذا القسم في أحاديث منسوبة إلى الأئمة عليهم السلام - لا تصمد أمام البحث العلمي - وأنهم كانوا يتجاهرون بثلب أعدائهم من السب والشتم واللعن بأسمائهم على رؤوس الأشهاد ويسمعها الداني والقاصي والبر والفاجر بينما هذه السياسية سياسة أعدائهم وليست سياستهم .
ظاهرة السب واللعن لأهل البيت
ظاهرة السب والشتم واللعن لأهل البيت عليهم السلام كانت في حقبة من الزمن استمرت عشرات السنين حتى كبر عليها الصغير وهرم عليها الكبير . وبالأخص في الدولة الأموية والدولة العباسية ونقل التاريخ الشيء الكثير وكان عصر الإمام الكاظم عليه السلام من أكثر العصور التي اشتدت فيها هذه الظاهرة فقد نقل أبو الحسن علي بن محمد المدائني المولود 132 هـ والمتوفى سنة 224 هـ عن بعض معاصريه وهذه هي الحقبة التي عاش فيها الإمام الكاظم عليه السلام . تصور تلك الحالة في ذلك العصر .
وهي ما ذكرها ياقوت الحموي المتوفى 626 هـ في معجم الأدباء قال :
حدث المدائني قال : أمر المأمونُ أحمدَ بن يوسف بإدخالي عليه ، فلما دخلتُ ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام ، فحدثته فيه بأحاديث إلى أن ذكر لعن بني أمية له .
فقلت : حدثني أبو سلمة المثنى بن عبد الله أخو محمد بن عبد الله الأنصاري قال :
قال لي رجل : كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحداً يسمي علياً ولا حسناً ولا حسيناً ، وإنما أسمع معاوية ويزيد والوليد .
قال : فمررت برجل جالس على باب داره وقد عطشتُ فاستسقيتُهُ فقال : يا حسن اسقه ، فقلت له : أسميت حسناً ؟ فقال : إي والله ، إن لي أولاداً أسماؤهم حسن وحسين وجعفر ، فإن أهل الشام يُسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ولا يزال أحدُنا يلعنُ وَلَدَه ويشتمُهُ ، وإنّما سَمَّيتُ أولادي بأسماء أعداء الله ، فإذا لَعَنْتُ إنّما ألعن أعداء الله .
فقلت له : ظننتك خير أهل الشام ، وإذا جهنم ليس فيها شر منك .
فقال المأمون : لا جَرَمَ ، قد ابتعث الله عليهم من يلعن أحياءهم وأمواتهم ، ويلعن من في أصلاب الرجال وأرحام النساء - يعني الشيعة .[8] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn8)
وتحمل أتباع مذهب أهل البيت مسؤولية هذه السياسة الخبيثة على مر التاريخ حتى قتلوا تحت كل حجر ومدر وإلى يومنا هذا .
والقضية لا تتعدى إلى كونها دسيسة وسياسة إبادة وضعت بأشكال مختلفة وقد نجح الأعداء في تمرير هذه السياسة قديماً وحديثاً وإلى يومنا هذا .
ومثل هذا الحديث الذي كشف لنا سياسة الوضع والدس في أحاديث أهل البيت عليهم السلام من قبل الأعداء أحاديث أخرى كثيرة على شاكلته مثل ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال :
( وَوَجَدَ الْكَاذِبُونَ الْجَاحِدُونَ لِكَذِبِهِمْوَ جُحُودِهِمْ مَوْضِعاً يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَ قُضَاةِ السَّوْءِ وَ عُمَّالِ السَّوْءِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فَحَدَّثُوهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَكْذُوبَةِ وَ رَوَوْا عَنَّا مَا لَمْ نَقُلْهُ وَ لَمْ نَفْعَلْهُ لِيُبَغِّضُونَا إِلَى النَّاسِ ) [9] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn9)
وما حدثنا به التاريخ من أن بني أمية وبني العباس بنوا سياستهم في مجابهتهم لأهل البيت على الوضع والتزوير والكذب حتى تمكنوا من أن يستمروا على كراسيهم ولو لفترة من الزمن .
والذي يكشف لنا ضخامة هذه السياسة وخطرها أن الإمام الرضا عليه السلام تحدث عنها بهذا الوضوح وهو قد توفي في سنة 202 أو 203هـ .
والأئمة على قيد الحياة ويمكن لشيعتهم أن يراجعوهم حتى يكشفوا لهم زيفها كما فعل الإمام الرضا عليه السلام مع كثير منها .
ولكن المشكلة الكبرى في هذه الفترة الطويلة التي أعقبت الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا وما حصل على مر التاريخ .
وقد أشار الشيخ الطوسي المتوفى 460هـ إلى خطر مثل هذه الأخبار في مقدمة كتابه تهذيب الحكام وهو الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب ونستخلص من كلامه :
1- وجود الأحاديث المتناقضة عندنا .
2- أخذ مخالفونا هذا دليلا على تشويه مذهبنا .
3- بسب هذا الاختلاف دخلت الشبهة على بعض المؤمنين حتى انحرفوا عن المذهب .
4- من الخطأ أن يأخذ المؤمن عقيدته في المذهب عن تقليد .
5- أن تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها وتأويلها وتوجيهها من أعظم القربات إلى الله.
منهج أهل البيت منهج القرآن
الإمام الرضا عليه السلام يخاطب ابن أبي محمود وينبهه أنه يوجد لأهل البيت طريقة خاصة في الحياة والتعامل مع مختلف الأطراف بما فيهم المخالفون لهم في الرأي والمذهب ، وهذه المنهجية هي منهجية القرآن الكريم والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد تحدث القرآن الكريم عن الكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين في عشرات الآيات بل المئات منها وخصوصاً في حديثه عن حال الأمة الإسلامية ، فلم يذكر أسماء هؤلاء ما عدا أبا لهب وزوجه .
وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وآله تحدث عن المنافقين كثيراً وهو يعرفهم بأسمائهم ومع هذا لم يذكرهم بأسمائهم ، أو قد يذكرهم لأخص الخواص إليه دون أن يجاهر بهم على الملأ ، وليس كما تدعي بعض الروايات المنسوبة إليه أو إلى الأئمة عليهم السلام من التجاهر بثلب أعدائهم ومخالفيهم على الملأ خصوصاً في زماننا الذي اتسعت فيه وسائل الإعلام والنشر .
الموضوعية عند أهل البيت
إن مما يلفت النظر المثال الذي ذكره الإمام الرضا عليه السلام لابن أبي محمود وما يسبب للمؤمن أن يخرج من الإيمان ، وذلك لعدم الموضوعية في مواقفه وتعنته عندما يدعي شيئاً بلا دليل ولا برهان ويصر عليه ويخطي الطرف الآخر ويتبرأ منه ، وكمثال على ذلك الحصاة ؛ يدعي بحسب تصوره أنها نواة ويصر على موقفه وأنه قد أصاب الواقع وأن من خالفه خارج عن الدين أو المذهب فيتبرأ منه ، لأنه يكون من مصاديق التبرؤ والبراءة الواجبة بحسب تفكيره وتصوره الشخصي .
إن مثل هؤلاء الأشخاص الذين استعملوا التعنت في مواقفهم ، وعدم الموضوعية لمن خالفهم في الرأي ، منهجاً وأسلوباً يستعملونه طيلة حياتهم وحملوه أهل البيت عليهم السلام يحتاجون أن يراجعوا حساباتهم ويعلموا أن طريقة أهل البيت عليهم السلام أبعد ما تكون عن ذلك وسعة أفقهم أوسع من هذا ، ونحن تبعاً لأهل البيت عليهم السلام على اطمئنان ويقين راسخ أن مبادئهم أقوى بكثير من أن يهزها الطرف الآخر برأي أو مناقشة ، بل على العكس من ذلك تماماً فإن فسح المجال للرأي والرأي الآخر يدل على قوة العلم والمعرفة بأحقية مبادئه والاطمئنان بها ، والذي يضطهد الأطراف الأخرى لآرائهم ومناقشاتهم حتى يؤدي به إلى ظلمهم هو أقرب ما يكون إلى الجهل والضعف .
مع الأسف الشديد إن الوسطية معدومة بين طوائف المسلمين في أكثر المجالات ومعظمها بل قد تكون الحالة السائدة هو التشدد وعدم تحمل الرأي الآخر ، بل في داخل الطائفة الواحدة ، ويحصل من التشنجات والاتهامات ما لا يحمد عقباه ويتحول النقاش العلمي إلى مهاترات وإسقاطات أقرب ما تكون إلى الجهل وعدم الورع والتقوى .
ماذا بعد خير الدنيا والآخرة ؟
ماذا يريد الموالي من أهل بيت العصمة والطهارة من قادته وأئمته عليهم السلام أن يقدموا له بعد خير الدنيا والآخرة ؟
فالإمام الرضا عليه السلام حريص كل الحرص على الموالين لهم أن يتنبهوا لدسيسة الأعداء وحيلهم وأحابيلهم ، كما حرص عليهم أن يستفيدوا من هذه القواعد والكنوز الثمينة التي أوضحها لهم وأن يتقيدوا بها ففيها الإرشاد إلى عبادة الله وطاعته وفيها كشف مخططات الأعداء في الدس والتزوير في الأحاديث ، وفيها الموضوعية للنقاش والبحث العلمي وسعة صدر الأئمة ومذهبهم للنقاش والحوار للطرف الآخر مهما كان مخالفاً .
وفيها رص صفوف الأمة الإسلامية وتوحيدها ووعيها وقوتها وعيشها عزيزة مرفوعة الرأس .
نعم إن أئمتنا أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام التقى .. وهم ساسة العباد الذين ساسوا الأمة خير سياسة نظرياً ، ولم توفق الأمة لأن تحظى بسياستهم عملياً إلا في فترات وجيزة جداً من تاريخها الطويل ، حتى أُبعدوا عن مسرح الحياة السياسية .. وهكذا أراد الأعداء .
http://www.alradhy.com/images/alradhy_06.gif
العلامة الشيخ حسين الراضي
لم يُتحامل على فئة من الفئات أو طائفة من الطوائف مثل ما حصل لأهل البيت والقضاء عليهم وتشويه سمعتهم وإسقاطهم بشتى الطرق والوسائل ، وقد اتخذ في ذلك جميع الإمكانيات المادية والمعنوية والسياسية .
الوضع في فضائل أهل البيت
أساليب أعداء الأئمة عليهم السلام :
روى الشيخ الصدوق في [عيون أخبار الرضا عليه السلام] بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مَحْمُودٍ قَالَ : قُلْتُ لِلرِّضَا عليه السلام : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا أَخْبَاراً فِي فَضَائِلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ فَضْلِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ هِيَ مِنْ رِوَايَةِ مُخَالِفِيكُمْ وَ لَا نَعْرِفُ مِثْلَهَا عِنْدَكُمْ [1] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn1) أَفَنَدِينُ بِهَا ؟
فَقَالَ : ( يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ ، لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ عليه السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قَالَ : مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَهُ ، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ ، وَ إِنْ كَانَ النَّاطِقُ عَنْ إِبْلِيسَ فَقَدْ عَبَدَ إِبْلِيسَ ) .
ثُمَّ قَالَ الرِّضَا [ عليه السلام ]:
( يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ إِنَّ مُخَالِفِينَا وَضَعُوا أَخْبَاراً فِي فَضَائِلِنَا وَ جَعَلُوهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ[2] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn2) :
أَحَدُهَا : الْغُلُوُّ ، وَثَانِيهَا : التَّقْصِيرُ فِي أَمْرِنَا ، وَثَالِثُهَا : التَّصْرِيحُ بِمَثَالِبِ [3] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn3) أَعْدَائِنَا.
فَإِذَا سَمِعَ النَّاسُ الْغُلُوَّ فِينَا : كَفَّرُوا شِيعَتَنَا وَنَسَبُوهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِرُبُوبِيَّتِنَا .
وَ إِذَا سَمِعُوا التَّقْصِيرَ : اعْتَقَدُوهُ فِينَا .
وَ إِذَا سَمِعُوا مَثَالِبَ أَعْدَائِنَا بِأَسْمَائِهِمْ : ثَلَبُونَا بِأَسْمَائِنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ } [4] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn4)
يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ : إِذَا أَخَذَ النَّاسُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَالْزَمْ طَرِيقَتَنَا فَإِنَّهُ مَنْ لَزِمَنَا لَزِمْنَاهُ وَ مَنْ فَارَقَنَا فَارَقْنَاهُ ، إِنَّ أَدْنَى مَا يُخْرِجُ الرَّجُلَ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ يَقُولَ لِلْحَصَاةِ هَذِهِ نَوَاةٌ ثُمَّ يَدِينُ بِذَلِكَ وَيَبْرَأُ مِمَّنْ خَالَفَهُ .
يَا ابْنَ أَبِي مَحْمُودٍ احْفَظْ مَا حَدَّثْتُكَ بِهِ فَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ ) [5] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn5)
إن هذا الحديث من الأحاديث المهمة جداً في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ويعجز الإنسان مثلي أن يؤدي حقه وأن يصل إلى مغزاه الحقيقي ، كيف وكل فقرة من فقراته يمكن أن تكون قاعدة من القواعد المهمة في كشف الحقائق والكثير مما أدخل على تراثنا وأحاديثنا زوراً وبهتاناً ، وهذا يحتاج إلى شرح وتفصيل ليخرج إلى الملأ من تلك الكنوز الدفينة الثمينة ويكشف عن جواهره العظيمة لتحيي الأمة وتسعد بالاستفادة من كنوز المعرفة منها .
إني أتصور أن هذا الحديث يحتاج إلى جهد كبير من الفضلاء والعلماء في شرحه وتبيان حقائقه ، ولعل الله يقيض من يتصدى لذلك ويفرده بتأليف ممن له القدرة العلمية والأدبية ويقدم خدمة كبيرة للمؤمنين .
إن بياني قاصر ومعلوماتي محدودة لا تدرك كنه هذه الحقائق العظيمة ، ولكن أحاول أن أشير مختصراً إلى ما أتمكن عليه ويسمح به الوقت :
في البداية أقول : إن استشهاد الإمام الرضا عليه السلام بحديث رواه عن آبائه عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من أصغى إلى ناطق فقد عبده ... إلخ )[6] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn6) يدل على أهمية مصدر المعرفة والمأخذ الذي يجب على الإنسان أن يأخذ منه وأن لا يتساهل في هذا الجانب ويأخذ من أي مصدر كان ، حتى ولو كان ذلك فيما يرجع إلى فضائل أهل البيت عليهم السلام ,كما لابد من تحقق النسبة إلى المنسوب إليه سواء كان النبي صلى الله عليه وآله أو أحد الأئمة عليهم السلام , وأن لا يتساهل في المعلومات التي تنسب إليهم بحجة التسامح في أدلة السنن أو لأنها فضائل أهل البيت عليهم السلام فتقبل من أي طريق كان خصوصاً إذا كانت من طريق مخالفيهم وهنا تكمن الخديعة والدسيسة .
ويبدو أن الإمام عليه السلام استشهد بحديث جده لينبه أتباعهم والموالين لهم على الاهتمام بهذا الجانب .
وفي جانب آخر لعلّ الإمام الرضا عليه السلام هو من أبرز الأئمة عليهم السلام الذين تصدوا إلى تزييف الأحاديث الباطلة والمزورة والموضوعة أو التي لعبت بها يد الأهواء من الزيادة والنقيصة والتي نسبت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى الأئمة عليهم السلام زوراً وبهتاناً فقد تصدى للرد على الزنادقة والمنافقين والغلاة والمفوضة , والمخالفين والوضاعين والكذابين وكشف كثيرا من الأحاديث المكذوبة والمزيفة . ومن يراجع كتاب ( عيون أخبار الرضا عليه السلام ) يجد الشيء الكثير من هذا .
ولما كان الإمام على معرفة ودراية من أغراض الأعداء وأهدافهم ضد أهل البيت وشيعتهم كشف تلك السياسة الخبيثة للأعداء وأبان عن تلك الأهداف وعن مخاطرها . وأن الأعداء قد دخلوا من طريق رواية الفضائل والكرامات لأهل البيت عليهم السلام وقسم الإمام تلك الأحاديث الموضوعة إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول :
الروايات التي وضعوها وقد نسبت الأئمة عليهم السلام إلى الغلو وأنهم آلهة يخلقون ويرزقون ويميتون ويحيون ، وأنهم أرباب يعبدون من دون الله أو أن لهم ما لله سبحانه من صفات وأفعال ونسبوها إلى الأئمة عليهم السلام ، وقد انخدع بها بعض الرواة من الشيعة فرووها في كتبهم كما هي من باب التدين بما روي عن النبي والأئمة .
ثم إن الأعداء أخذوا هذه الروايات التي دسوها ذريعة للتشهير بالشيعة وأتباع أهل البيت ويلصقون بهم كل رذيلة وبهتان كالغلو والكفر لأنهم يقولون بربوبية الأئمة عليهم السلام . وها هم الأعداء وأتباعهم يأخذون أتباع أهل البيت بهذه الجريرة فيكفرونهم وينسبون لهم الغلو والتفويض .
إبادة أتباع أهل البيت
إن المتتبع لتاريخ أهل البيت وشيعتهم يجد ما لاقوا من القتل والإبادة والتشريد والاضطهاد لأتفه الأسباب ولأمور غير ثابتة عليهم أو أنها مدسوسة عليهم ومعها يحاسبون عليها أشد الحساب ؛ فقد اتخذ أعداؤهم نسبة الغلو إليهم وتعميمها على كل من ينتسب إلى هذه الطائفة ذريعة لقتلهم واستحلال دمائهم وسلب أموالهم على مر التاريخ وإلى يومنا هذا .
إن المجازر المروعة في العراق وباكستان وأفغانستان وغيرها ، وقتل الأطفال والنساء الأبرياء في المساجد والحسينيات والأسواق والشوارع ، هو دليل واضح على ما ذكره الإمام الرضا عليه السلام
القسم الثاني ( التقصير ) :
دس الأعداء في أحاديث أهل البيت عليهم السلام أعداداً ليست قليلة في تقصير الأئمة عليهم السلام مع الله سبحانه وتعالى ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع المقدسات الإسلامية مثل الكعبة المشرفة ومكة المكرمة والمدينة المنورة والقرآن الكريم ، فدسوا في أحاديثهم القول بتحريف القرآن ، وأحاديث في تفضيل كربلاء على الكعبة المشرفة ومكة المكرمة وغيرها ، ويصورون أئمتنا عليهم السلام وكأنهم أعداء لهذه المقدسات التي قدسها القرآن الكريم ورسوله النبي العظيم وتسالم عليها المسلمون ، وأبقوا هذه الأحاديث على حالها لتؤدي مفعولها الذي وضعت من أجله .
القسم الثالث ثلب الأعداء :
وضع الوضاعون والكاذبون أحاديث على لسان الأئمة عليهم السلام في ثلب [7] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn7) أعداء أهل البيت بأسمائهم حتى يتمكن الأعداء من ثلب الأئمة عليهم السلام بأسمائهم ، واستشهد الإمام الرضا عليه السلام بالآية المباركة لينبه الموالين لهم لهذه الدسيسة والخديعة والسياسة الخبيثة التي وضعها الأعداء لهم .
ومع الأسف الشديد إننا نرى أمثلة عديدة وكثيرة لهذا القسم في أحاديث منسوبة إلى الأئمة عليهم السلام - لا تصمد أمام البحث العلمي - وأنهم كانوا يتجاهرون بثلب أعدائهم من السب والشتم واللعن بأسمائهم على رؤوس الأشهاد ويسمعها الداني والقاصي والبر والفاجر بينما هذه السياسية سياسة أعدائهم وليست سياستهم .
ظاهرة السب واللعن لأهل البيت
ظاهرة السب والشتم واللعن لأهل البيت عليهم السلام كانت في حقبة من الزمن استمرت عشرات السنين حتى كبر عليها الصغير وهرم عليها الكبير . وبالأخص في الدولة الأموية والدولة العباسية ونقل التاريخ الشيء الكثير وكان عصر الإمام الكاظم عليه السلام من أكثر العصور التي اشتدت فيها هذه الظاهرة فقد نقل أبو الحسن علي بن محمد المدائني المولود 132 هـ والمتوفى سنة 224 هـ عن بعض معاصريه وهذه هي الحقبة التي عاش فيها الإمام الكاظم عليه السلام . تصور تلك الحالة في ذلك العصر .
وهي ما ذكرها ياقوت الحموي المتوفى 626 هـ في معجم الأدباء قال :
حدث المدائني قال : أمر المأمونُ أحمدَ بن يوسف بإدخالي عليه ، فلما دخلتُ ذكر علي بن أبي طالب عليه السلام ، فحدثته فيه بأحاديث إلى أن ذكر لعن بني أمية له .
فقلت : حدثني أبو سلمة المثنى بن عبد الله أخو محمد بن عبد الله الأنصاري قال :
قال لي رجل : كنت بالشام فجعلت لا أسمع أحداً يسمي علياً ولا حسناً ولا حسيناً ، وإنما أسمع معاوية ويزيد والوليد .
قال : فمررت برجل جالس على باب داره وقد عطشتُ فاستسقيتُهُ فقال : يا حسن اسقه ، فقلت له : أسميت حسناً ؟ فقال : إي والله ، إن لي أولاداً أسماؤهم حسن وحسين وجعفر ، فإن أهل الشام يُسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ولا يزال أحدُنا يلعنُ وَلَدَه ويشتمُهُ ، وإنّما سَمَّيتُ أولادي بأسماء أعداء الله ، فإذا لَعَنْتُ إنّما ألعن أعداء الله .
فقلت له : ظننتك خير أهل الشام ، وإذا جهنم ليس فيها شر منك .
فقال المأمون : لا جَرَمَ ، قد ابتعث الله عليهم من يلعن أحياءهم وأمواتهم ، ويلعن من في أصلاب الرجال وأرحام النساء - يعني الشيعة .[8] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn8)
وتحمل أتباع مذهب أهل البيت مسؤولية هذه السياسة الخبيثة على مر التاريخ حتى قتلوا تحت كل حجر ومدر وإلى يومنا هذا .
والقضية لا تتعدى إلى كونها دسيسة وسياسة إبادة وضعت بأشكال مختلفة وقد نجح الأعداء في تمرير هذه السياسة قديماً وحديثاً وإلى يومنا هذا .
ومثل هذا الحديث الذي كشف لنا سياسة الوضع والدس في أحاديث أهل البيت عليهم السلام من قبل الأعداء أحاديث أخرى كثيرة على شاكلته مثل ما روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال :
( وَوَجَدَ الْكَاذِبُونَ الْجَاحِدُونَ لِكَذِبِهِمْوَ جُحُودِهِمْ مَوْضِعاً يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَ قُضَاةِ السَّوْءِ وَ عُمَّالِ السَّوْءِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ فَحَدَّثُوهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْمَكْذُوبَةِ وَ رَوَوْا عَنَّا مَا لَمْ نَقُلْهُ وَ لَمْ نَفْعَلْهُ لِيُبَغِّضُونَا إِلَى النَّاسِ ) [9] (http://alradhy.com/hadeth/#_ftn9)
وما حدثنا به التاريخ من أن بني أمية وبني العباس بنوا سياستهم في مجابهتهم لأهل البيت على الوضع والتزوير والكذب حتى تمكنوا من أن يستمروا على كراسيهم ولو لفترة من الزمن .
والذي يكشف لنا ضخامة هذه السياسة وخطرها أن الإمام الرضا عليه السلام تحدث عنها بهذا الوضوح وهو قد توفي في سنة 202 أو 203هـ .
والأئمة على قيد الحياة ويمكن لشيعتهم أن يراجعوهم حتى يكشفوا لهم زيفها كما فعل الإمام الرضا عليه السلام مع كثير منها .
ولكن المشكلة الكبرى في هذه الفترة الطويلة التي أعقبت الغيبة الكبرى وإلى يومنا هذا وما حصل على مر التاريخ .
وقد أشار الشيخ الطوسي المتوفى 460هـ إلى خطر مثل هذه الأخبار في مقدمة كتابه تهذيب الحكام وهو الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب ونستخلص من كلامه :
1- وجود الأحاديث المتناقضة عندنا .
2- أخذ مخالفونا هذا دليلا على تشويه مذهبنا .
3- بسب هذا الاختلاف دخلت الشبهة على بعض المؤمنين حتى انحرفوا عن المذهب .
4- من الخطأ أن يأخذ المؤمن عقيدته في المذهب عن تقليد .
5- أن تمييز الأحاديث الصحيحة عن غيرها وتأويلها وتوجيهها من أعظم القربات إلى الله.
منهج أهل البيت منهج القرآن
الإمام الرضا عليه السلام يخاطب ابن أبي محمود وينبهه أنه يوجد لأهل البيت طريقة خاصة في الحياة والتعامل مع مختلف الأطراف بما فيهم المخالفون لهم في الرأي والمذهب ، وهذه المنهجية هي منهجية القرآن الكريم والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد تحدث القرآن الكريم عن الكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين في عشرات الآيات بل المئات منها وخصوصاً في حديثه عن حال الأمة الإسلامية ، فلم يذكر أسماء هؤلاء ما عدا أبا لهب وزوجه .
وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وآله تحدث عن المنافقين كثيراً وهو يعرفهم بأسمائهم ومع هذا لم يذكرهم بأسمائهم ، أو قد يذكرهم لأخص الخواص إليه دون أن يجاهر بهم على الملأ ، وليس كما تدعي بعض الروايات المنسوبة إليه أو إلى الأئمة عليهم السلام من التجاهر بثلب أعدائهم ومخالفيهم على الملأ خصوصاً في زماننا الذي اتسعت فيه وسائل الإعلام والنشر .
الموضوعية عند أهل البيت
إن مما يلفت النظر المثال الذي ذكره الإمام الرضا عليه السلام لابن أبي محمود وما يسبب للمؤمن أن يخرج من الإيمان ، وذلك لعدم الموضوعية في مواقفه وتعنته عندما يدعي شيئاً بلا دليل ولا برهان ويصر عليه ويخطي الطرف الآخر ويتبرأ منه ، وكمثال على ذلك الحصاة ؛ يدعي بحسب تصوره أنها نواة ويصر على موقفه وأنه قد أصاب الواقع وأن من خالفه خارج عن الدين أو المذهب فيتبرأ منه ، لأنه يكون من مصاديق التبرؤ والبراءة الواجبة بحسب تفكيره وتصوره الشخصي .
إن مثل هؤلاء الأشخاص الذين استعملوا التعنت في مواقفهم ، وعدم الموضوعية لمن خالفهم في الرأي ، منهجاً وأسلوباً يستعملونه طيلة حياتهم وحملوه أهل البيت عليهم السلام يحتاجون أن يراجعوا حساباتهم ويعلموا أن طريقة أهل البيت عليهم السلام أبعد ما تكون عن ذلك وسعة أفقهم أوسع من هذا ، ونحن تبعاً لأهل البيت عليهم السلام على اطمئنان ويقين راسخ أن مبادئهم أقوى بكثير من أن يهزها الطرف الآخر برأي أو مناقشة ، بل على العكس من ذلك تماماً فإن فسح المجال للرأي والرأي الآخر يدل على قوة العلم والمعرفة بأحقية مبادئه والاطمئنان بها ، والذي يضطهد الأطراف الأخرى لآرائهم ومناقشاتهم حتى يؤدي به إلى ظلمهم هو أقرب ما يكون إلى الجهل والضعف .
مع الأسف الشديد إن الوسطية معدومة بين طوائف المسلمين في أكثر المجالات ومعظمها بل قد تكون الحالة السائدة هو التشدد وعدم تحمل الرأي الآخر ، بل في داخل الطائفة الواحدة ، ويحصل من التشنجات والاتهامات ما لا يحمد عقباه ويتحول النقاش العلمي إلى مهاترات وإسقاطات أقرب ما تكون إلى الجهل وعدم الورع والتقوى .
ماذا بعد خير الدنيا والآخرة ؟
ماذا يريد الموالي من أهل بيت العصمة والطهارة من قادته وأئمته عليهم السلام أن يقدموا له بعد خير الدنيا والآخرة ؟
فالإمام الرضا عليه السلام حريص كل الحرص على الموالين لهم أن يتنبهوا لدسيسة الأعداء وحيلهم وأحابيلهم ، كما حرص عليهم أن يستفيدوا من هذه القواعد والكنوز الثمينة التي أوضحها لهم وأن يتقيدوا بها ففيها الإرشاد إلى عبادة الله وطاعته وفيها كشف مخططات الأعداء في الدس والتزوير في الأحاديث ، وفيها الموضوعية للنقاش والبحث العلمي وسعة صدر الأئمة ومذهبهم للنقاش والحوار للطرف الآخر مهما كان مخالفاً .
وفيها رص صفوف الأمة الإسلامية وتوحيدها ووعيها وقوتها وعيشها عزيزة مرفوعة الرأس .
نعم إن أئمتنا أئمة الهدى ومصابيح الدجى وأعلام التقى .. وهم ساسة العباد الذين ساسوا الأمة خير سياسة نظرياً ، ولم توفق الأمة لأن تحظى بسياستهم عملياً إلا في فترات وجيزة جداً من تاريخها الطويل ، حتى أُبعدوا عن مسرح الحياة السياسية .. وهكذا أراد الأعداء .