المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ..النزعة الذكورية في النص الديني ............................سماحة الشيخ محمد صنقور..


سيد مرحوم
10-16-2005, 05:28 AM
النزعة الذكورية في النص الديني
من كتاب "مقالات حول حقوق المرأة"
لسماحة الشيخ محمد صنقور

يرى بعض الكتاب أن النص الديني عندما يتصدى للحديث عن قضايا تتعلق بالمرأة أو عن صفاتها ومكونات شخصيتها أو عن حقوقها وواجباتها فإنه يتصدى للحديث عن كل ذلك على أساس نزعة ذكورية، فكأنما الخطاب الديني ينزع عن رجل، وكأنما المرأة في الطرف المقابل والمتحدث عنها رجل معجب بجنسه وبملكاته، وهذا ما يبرر محاباة النص الديني للرجل وتصنيف المرأة في سياق دوني من موقع الرجل.

فهي من حيث الحقوق أقل حظاً من الرجل، ومن حيث المكونات الشخصية ناقصة عقل ودين، وعندما يتصدى النص الديني لبيان الصفات التي ينبغي أن تكون عليها المرأة المثالية تجد كل تلك الصفات تنحو نحو القبول بواقع الضعف والدونية، فالمرأة المثالية هي المطيعة لزوجها والراضية بقدرها والتي لا تدخر جهداً في توفير الراحة والمتعة لزوجها والتي تشقى من أجل إسعاد زوجها وقضاء حوائجه وتربية أطفاله.

وأما حينما يتصدى النص الديني لوعظ الرجل وتهذيبه وتربيته فإنه يحذره من فتنة المرأة، وذلك لأنها شيطان وذات كيد وفتنة، وهي في ذات الوقت عورة يجب سترها وحبسها حتى لا يبدو منها شيء يسيء للرجل ويخدش في كرامته، ثم أنه يضعها في مصاف المكاسب التي منحت للرجل، فهي زينة وريحانة وحرث ومتعة، وهي كالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام.

هذا إجمال ما ذكره بعض الكتاب، ولعمري ما وجدت رأياً في الدين فيما يتصل بالمرأة أشد جناية من هذا الرأي، فهو يعبر عن سليقة سوداوية قاتمة تحكي عقداً مستحكمة في النفس، إلا إنه ورغم ذلك سنجيب عن كل ما ورد في هذا البيان.

أما الحقوق التي زعموا أن حظ المرأة منها أقل من حظ الرجل فقد ذكروا القيمومة والشهادة، إذ أن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، والميراث حيث أن للرجل منه مثل حظ الأنثيين، والدية، إذ أن للمرأة المجني عليها نصف دية الرجل، والطلاق حيث هو حق للزوج دون الزوجة، والولاية حيث هي على البنت البكر دون الولد.

وقد أوضحنا واقع الحال فيما يتصل بجميع هذه الحقوق وأفردنا لكل واحدٍ منها بحثاً مستقلاً وأجبنا عن جميع ما يثار من إشكالات حول هذه الحقوق، فلا حاجة للإعادة.



المكونات الذاتية للمرأة:

وأما فيما يتصل بالمكونات الشخصية للمرأة فقد أكدت الآيات والروايات إن ما للرجل من ملكات ومكونات ذاتية فهي للمرأة على حدٍ سواء، وذلك بحكم إنسانيتها، حيث لم تفرق الآيات والروايات بين الرجل والمرأة من حيث واجديتهما للملكات الإنسانية، وقد أثبتنا في بحث القيمومة أن عنوان الإنسان عندما يستعمل في الخطاب الديني يراد منه كلاً من الرجل والمرأة سواءً بسواء، ومعنى ذلك أن المكونات الذاتية التي وصف النص الديني الإنسان بها ثابتة بنظر الشريعة لكل منهما، وهنا نشير إلى بعض الآيات لتأكيد ما ذكرناه:

1) "علم الإنسان ما لم يعلم"(102)
2) "بل الإنسان على نفسه بصيرة"(103)
3) "يا أيها الإنسان إنَّك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه"(104)
4) "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"(105)
5) "خلق الإنسان علمه البيان"(106)
6) "وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى"(107)
7) "أو لم يرَ الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين"(108)
8) "خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون"(109)
9) "ينبأ الإنسان يومئذٍ بما قدم وأخر"(110)
10) "فلينظر الإنسان مما خلق"(111)

هذه بعض الآيات التي وردت في القرآن الكريم، وهي تعبر عن أن المكونات الذاتية للمرأة في النص الديني لا تختلف عن المكونات الذاتية للرجل.

فأهلية التعلم والبصيرة والقدرة على النظر والتأمل والحرص والعجلة والعناد والمجادلة عن الذات والرؤى كلها مكونات وملكات مشتركة، كما أن كيفية الخلق ومكوناته وحسن القوام أمور مشتركة أيضاً، على أن المصير الذي ينتظرهما واحد والمسئوليات المناطة بهما واحدة وآثار العمل والسعي والكدح في الدنيا والآخرة متكافئة، غايته أن بعض الملكات والمسئوليات متفاوتة إلا إنها لم تكن لترقى لمستوى التكوين الإنساني، وإنما هي اختلافات اقتضتها طبيعة التكوين الجنسي عند الذكر والأنثى.


النساء ناقصات عقلٍ ودين:

بعد كل ذلك لا يسع المنصف اتهام النص الديني بالنزعة الذكورية. وأما ما ورد في بعض الروايات من أن النساء ناقصات عقل ودين فقد أوضحنا المراد من الفقرة الأولى في بحث مستقل، وأما الفقرة الثانية فبعد قطع النظر عن صحة السند وضعفه فإن الرواية أشارت إلى منشأ وصف المرأة بالنقص في الدين وأنه الابتلاء بحدث الحيض المانع للمرأة عن أداء الصلاة والصوم، فالرواية هنا ليست بصدد الانتقاص من إنسانية المرأة وإنما هي بصدد بيان أن المسئولية الدينية للمرأة أقل من المسئولية الدينية المناطة بالرجل، فالرجل مسئول عن أداء الصلاة على أي حال، وأما المرأة فليست مسئولة عن الصلاة في ظرف ابتلائها بحدث الحيض.

ولعل الرواية تشير إلى مورد من الموارد التي أعفيت فيها المرأة عن المسئولية الدينية و إلا فثمة موارد أخرى أُعفيت فيها المرأة عن بعض الواجبات والمسئوليات الدينية مثل الجهاد الابتدائي وحماية الثغور والنفقة وصلاة الجمعة والعيدين، وذلك هو ما يبرر وصف المرأة بالنقص في الدين والذي يعني أنها أقل مسئولية من الرجل من جهة الواجبات الدينية، وهذا لا يعبر عن أن الرجل أكثر حظوة وقرباً من الله عز وجل، إذ أن ملاك القرب هو التقوى، فالأكثر قرباً وكرامة عند الله عز وجل هو الأتقى كما صرحت بذلك الآية الشريفة "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(112).

والمتحصل أن وصف المرأة بالنقص في الدين لا يعني أكثر من نقص المسئوليات الدينية المناطة بالرجل، وذلك لم ينشأ جزافاً أو محاباة للرجل وإنما نشأ عن تفاوت في الخلق والتكوين

المرأة المثالية في الخطاب الديني:

أما دعوى أن المرأة المثالية في الخطاب الديني هي تلك التي تـرضى بواقع الضعف والدونية وتستفرغ وسعها في سبيل إرضـاءزوجها، فهي دعوى مجافية للحقيقة.

فعلاوة على أن الدونية أمر لا يقره الإسلام ولا يرتضيه لأحد فقد صرح رسول الله "ص"(113) أن الناس سواسية كأسنان المشط، وأنه لا فضل لأحدٍ على أحد إلا بالتقوى، وأن أكرمهم عند الله أتقاهم كما في الآية الشريفة(114)، وأن المؤمنين أخوة كما في آية أخرى، وانَّ للمؤمن أن يفعل بنفسه ما يشاء إلا أن يُذل نفسه كما ورد عن الإمام الصادق "ع"(115).

فعلاوة على كل ذلك يمكن إيضاح زيف هذه الدعوى من خلال استعراض الآيات التي تصدت للحديث عن صفات النساء المثاليات، إذ بملاحظتها يتبين أن المرأة المثالية في الخطاب الديني هي الواجدة لصفات لو توفر عليها الرجل لكان رجلاً مثالياً، فالصفات التي تتأهل معها المرأة لأن تكون مثالية هي عينها الصفات التي تؤهل الرجل لوصف المثالية.

فمثلاً قوله تعالى: "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله
كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً"(116).

هذه الآية المباركة تُوضح وبكل جلاء أن المرأة المثالية هي من تكون في موقع الرضى الإلهي، وذلك المقام السامي تتأهل له المرأة عندما تكون واجدة لمجموعة من الصفات ذكرتها الآية الشريفة، وهي الإسلام والإيمان والقنوت لله عز وجل والصبر على النائبات والخشوع والتصدق والحفظ للفرج، والذكر الكثير لله عز وجل.

وعين هذه الصفات تؤهل الرجل لتسلم المقام السامي كما هو واضح من الآية الشريفة بلا أدنى خفاء بل أن هذه الصفات هي عينها التي أمتدح الله بها أنبياءه وكان لهم مقام النبوة نظراً لاشتمالهم على أعلى درجات هذه الصفات.

فإبراهيم وهو شيخ الأنبياء وصفه القرآن بأنه أُمة في رجل وأشار إلى منشأ اتصافه بذلك وأنه كان قانتاً مؤمناً ولم يكن من المشركين قال تعالى: "إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين"(117).

وأيوب وهو أحد أنبياء الله عز وجل أمتدحه القرآن بواحدة من الصفات الموجبة لتأهل الإنسان لمقام النبوة، وهي الصبر، قال تعالى: "إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب"(118)، وقد أمر الله عز وجل نبيه "ص" باقتفاء سيرة الأنبياء الذين صبروا على ما أصابهم فبلغوا بذلك أعلى مدارج الكمال وهو مقام أولي العزم والذي هي أعلى مرتبة لمقام

النبوة، قال الله تعالى: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل"(119).

وبذلك يتبين أن المرأة المثالية في الخطاب الديني هي تلك التي تتحلى بصفات الأنبياء من الإيمان والقنوت والصبر.

هذا وقد ضرب الله عز وجل مثلاً أعلى للذين آمنوا – الذكور والإناث – وهما امرأة فرعون والسيدة مريم، فرغم أنهما امرأتان إلا إن ذلك لم يحل دون اعتبارهما نموذجين ومثلين يُحتذى بهما.

فالأولى تمردت على طغيان زوجها ولم يُرهبها جبروته ولم تُقعدها سطوته عن أن تقول كلمة الحق محتسبة صابرة راجيةً لثواب الله عز وجل، فما غفلت عما أعده الله للصالحين من عباده، وما أعشى بصرها ما هي عليه من نعيم حيث أدركت ببصيرتها أن نعيم الدنيا زائل وأن ما ينتظرها من نعيم الله عز وجل دائم لا يزول.

وأما الثانية فكانت من القانتات الطائعات المصدقات بكلمات الله عز وجل والمذعنات لأوامره ونواهيه الحافظات لفروجهن، وذلك ما أهلها لمقام الصديقين، حيث وصفها القرآن الكريم بقوله: "وأمُّهُ صديقة"(120) فصيرها بذلك في مصاف الأنبياء والشهداء والصالحين، قال الله تعالى: "فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"(121)، وقال الله تعالى في موضع آخر: "واذكر في الكتاب إبراهيم أنه كان صديقاً نبياً"(122).

فالسيدة آسيا زوجة فرعون والسيدة مريم ابنة عمران هما نموذج المرأة المثالية في الخطاب الديني، قال الله تعالى: "وضرب اللهُ مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين، ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين"(123).

هذا ما يرتبط بالمرأة المثالية في الخطاب الديني، وأما الزوجة المثالية في الخطاب الديني فيمكن التعرف من ملاحظة الآية الخامسة من سورة التحريم حيث أفادت أن خير زوجة هي المسلمة المؤمنة القانتة التائبة العابدة السائحة، فحتى لو كانت ثيباً فإنها خير من بكر ليست واجدة لهذه الصفات، قال الله تعالى: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً"(124).

وتلاحظون أن هذه الصفات هي عينها التي وصف الله عز وجل بها النساء المثاليات في الآية الخامسة والثلاثين من سورة الأحزاب، وهي عينها التي وصف الله عز وجل بها الرجل المثالي في نفس الآية المذكورة وهي عينها الأوصاف التي بلغ بها الأنبياء مقام النبوة.

وأما ما ورد من الحث على حسن التبعل وأن الزوجة الصالحة هي من تسعى لإرضاء زوجها والتودد له ومؤانسته وإشباع رغبته فذلك لا يعبر عن الدونية إلا حينما تنحرف السليقة، إذ أن ذلك ينسجم مع طبيعة الزوجة بل ومطلق المرأة، إذ ترغب كل امرأة في التغنج والمؤانسة وإبراز مفاتنها والظهور بمظهر الحسن والجمال، ولا ترى في ذلك إساءة لكبريائها بل هو تعبير بنظرها عن أنوثتها التي تعتز بها وتسعى من أجل أبراز معالمها، فهي تحرص على نعومة ملمسها ورشاقة جسدها ونضارة وجهها وترى أن أشد إساءة يمكن انْ تصادفها هو أن يصفها أحد بالقبح.

على أن الخطاب بحسن التبعل يقابله خطاب آخر للرجل بحسن العشرة، ورد عن الرسول الكريم "ص" أنه قال: "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً"(125)، وورد عنه "ص" "شر الناس المضيق على أهله"(126)، وورد عنه "ص": "خدمتك زوجتك صدقة"(127)، كما ورد عن الرسول "ص" إنه قال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"(128)، وقال "ص": "خياركم خياركم لنسائه"(129).

طاعة الزوج:

وأما ما ورد من الحث على إطاعة الزوج فذلك أولاً في حدود ما هو مشروع، لأن الروايات أكدت أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأما ثانياً فالطاعة المفروضة على الزوجة إنما هو في حدود ما يتصل بشئون الحياة الزوجية، وذلك بحكم قيمومته والتي أوضحنا مبررات جعلها في بحث مستقل، فليس للرجل أن يفرض على زوجته اختيار عملٍ معين كما أنه ليس له أن يفرض عليها أن تعمل أو أن يفرض عليها عدم العمل إلا أن يكون ذلك منافياً للحقوق الزوجية، والأمر كذلك بالنسبة للرجل حيث لا يجوز له الاشتغال بعملٍ يستوجب التفريط في الحقوق الزوجية إلا أن يكون ذلك برضا زوجته.

وأما بالنسبة لعمل المنزل فللزوجة حق الامتناع عن القيام به، وليس للزوج أن يفرض عليها الخدمة المنزلية سواء المرتبطة به شخصياً أو المرتبطة بأولاده، فهي ليست مسئولة عن أبسط الخدمات فضلاً عن خطيرها، وإذا ما تجشمت ذلك فإنما هو إحسان منها.

وأما بالنسبة لأموال الزوجة فهي المعنية بصرفها في أية جهة شـاءت دون أن يكـون للزوج حق التدخل في ذلك كما أنه ليس لـه سلطان على انتمائها السياسي أو الفكري.

والمتحصل أن حق الطاعة للزوج يتحدد بحدود الشئون الزوجية والأسرية، فالزوجة يلزمها تمكين نفسها لزوجها متى ما رغب ما لم يكن ثمة مانع شرعي أو تكويني من مرض أو إرهاق أو ما إلى ذلك، كما أنه ليس للزوجة البت في أمرٍ يتصل بالأولاد دون مراجعة زوجها، فهو المعني بتربية أولاده وتعليمهم وتمريضهم والقيام على تدبير شئونهم، فيلزمها مراجعتهُ لو أرادت إبرام أمر يرتبط بهم، ولو منعها من ذلك لزمها امتثال منعه، وهكذا فيما يرتبط بالتصرف في بيته وممتلكاته.

وتأكيد الروايات على لزوم الطاعة في حدود ما ذكرناه باعتبار أن الزوجة غالباً ما تكون في بيت زوجها ويكون ما تحت يديها من متاعٍ وأثاث وغيره مملوك لزوجها، فلو اتفق أن كان بيت الزوجية مملوكاً لها فإن لها حق التصرف فيه بأي نحو شاءت دون الحاجة لمراجعته.

ورغم أن للزوج حق الطاعة في حدود ما ذكرناه إلا أن ذلك لا يسوغ له الاعتساف والإجحاف، كما لا يبرر له التضييق على زوجته، ولو تجاوزت حدود هذا الحق لم يكن له إهانتها وتوبيخها نعم له أن ينصحها ويذكِّرها بحقه وإن كان الأجدر به التغاضي عن الهفوات وصغائر الأمور كما أكدت كل ذلك الروايات الكثيرة، ولو تعدت الزوجة حقوق زوجها وبلغت بذلك مستوى النشوز فإن ثمة مراتب مقررة في الشريعة لمعالجة هذه الحالة فصلناها في بحث "ضرب الزوجة".

المرأة شيطان؟!

وأما دعوى أن النص الديني وصف المرأة بالشيطان فهو محض افتراء، لأنه إنما وصف المرأة الواجدة لمجموعة من الصفات السيئة بالشيطان ولم يصف مطلق المرأة بذلك بل إنه أثنى على المرأة الواجدة لبعض الصفات بأحسن الثناء ووصف بعض النساء بما وصف به الأنبياء والشهداء.

على أن ثمة رجالاً وصفوا بالشياطين في الخطاب الديني، ووصف الرجل الواجد لبعض المساوئ بالشيطان، وقد سمى القرآن الكريم الذين يقفون في طريق الأنبياء بالشياطين "وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن"(130).

المرأة فتنة؟!

وأما وصف المرأة في الخطاب الديني بالفتنة فهو لا يُسيء لمقام المرأة، وذلك لأن المراد من أن المرأة فتنة هو أن رغبة الرجل الجامحة في معاشرة المرأة جنسياً واحدة من أقوى الوسائل التي يعتمدها الشيطان لفتن الرجل عن دينه وإيقاعه في المعصية، فالخطاب الديني بصدد تحذير الرجل من الافتتان والوقوع في وحل الرذيلة، وهذا هو معنى ما ورد من أن "النساء حبالة الشيطان"(131)، أي أن عشق الرجل لمواقعة المرأة واحد من أهم الوسائل التي يتوسل بها الشيطان لغرض صرف الرجل عن الالتزام بدينه.

وواضح أن ذلك لا يُسيء لمقام المرأة، إذ أن رغبة الرجل في مواقعتها خارج اختيارها، ومن غير الإنصاف أن يُدان أحد لمجرد أنه واجد لأمر يرغب فيه الآخرون فتدعوهم تلك الرغبة لمقارفة كل عظيم لغرض تحصيلها، فالتعبير عن المرأة بأنها فتنة كالتعبير عن الغني بأنه فتنة الحسود وفتنة الفقير، فكما أنه لا غضاضة على الغني أن يكون غناه منشأً لأذى الحسود ومنشأً لإغراء الفقير بالسرقة فكذلك لا غضاضة على المرأة في أن يكون عشق الرجل لها منشأ لاقترافه الحرام.

هذا وقد وصف القرآن الكريم الأولاد بالفتنة(132)، فهل أن في ذلك إساءة للأولاد، الأمر ليس كذلك بعد أن كان المراد من هذا التعبير هو أن حب الإنسان لأولاده قد يدعوه لتجاوز الحدود الشرعية، وقد يُغريه بالقعود عن الالتزام بواجباته التي يتوهم منافتها لرعاية الأولاد.

المرأة شرٌ؟!

وبذلك يتبين المنشأ لوصف المرأة بالشر في بعض الروايات(133)، حيث أن مساق الروايات يعطي بأن المراد من ذلك هو أن المرأة باعتبارها معشوقة الرجل وموضع حاجته الملحة كانت سبباً لوقوع كثير من الشرور في الأرض، فكثير من الغارات والقتل والسبي والإعتساف كان لغرض الاستيلاء على الحسناوات من النساء وقضاء الوطر منهن، وليس في ذلك من غضاضة على المرأة، ولا لوم عليها فيما يجترحه الآخرون بسببها، فما هي إلا واحد من ضحايا اعتساف الإنسان وظلمه.

والتعبير عنها بالشر إنما هو لمناسبة أن الرغبة في معاشرتها هو الباعث للرجل على ارتكاب العظائم، فكما أن وصف الأموال بالشر لا يكون ذماً للمال واقعاً وإن كان هو الدافع للسلب والنهب والابتزاز فكذلك لا يكون وصف المرأة بالشر ذماً للمرأة واقعاً، وذلك لأن الرغبة فيها - المنتج لوقوع الظلم - خارج عن اختيارها، وإذا كان ثمة من لومٍ فهو على من يتذرع بالظلم والشرور لبلوغ غاياته.

المرأة عورة؟!

وأما ما وصف المرأة في بعض الروايات(134) بالعورة التي يجب سترها فهو لا يُسيء لإنسانية المرأة، وذلك لأن الموصوف بالعورة ليس هو المرأة وإنما جسد المرأة، على الأقل إن ذلك هو المقصود قطعاً من الروايات، هذا أولاً.

وثانياً: إن المراد من هذا التعبير هو أن جمال المرأة لما كان مثاراً لشهوة الرجل فإن تكشفها يُغري الرجل بارتكاب الفجور، والذي هو منافٍ لمقاصد الشرايع السماوية.

فالعورة هنا بمعنى ما يجب ستره، فكما أن على الرجل انْ يستر من جسده ما يثير شهوة المرأة فكذلك على المرأة ستر ما يثير شهوة الرجل، وذلك احتراز عن وقوع الحرام، ولذلك كانت القواعد من النساء معفيات من بعض ما يجب على الشابات ستره من أجسادهن.

وبملاحظة الروايات يتضح أن إطلاق وصف العورة على جسد المرأة إنما هو بالنسبة للرجل الأجنبي، ولذلك لا يحرم على المرأة أن تتكشف أمام امرأة أخرى أو أمام محارمها من الرجال، وهكذا الحال بالنسبة للرجل فمقدار ما يثير المرأة الأجنبية من جسده يلزمه ستره، وهو عورة بالنسبة للمرأة الأجنبية.

وأما منشأ إطلاق وصف العورة على معظم جسد المرأة الأجنبية فلأن معظم جسدها مثار لشهوة الرجل خلافاً لجسد الرجل، حيث أن ما يثير منه المرأة الأجنبية هو بعضه، لذلك وصف ذلك البعض بالعورة دون سائر الجسد.

وبذلك يتبين أن تستر المرأة عن الناظر الأجنبي إنما لغرض إكرامها بالدرجة الأولى حتى لا ينظر الآخرون إليها نظرة بهيمية، لهذا أكدت النصوص على أن نظر الأجنبي إلى جسد المرأة المؤمنة توهين لتلك المؤمنة وإساءة لكرامتها، فالإسلام حريص على أن ينظر الآخرون للمرأة حينما يتعاملون معها نظرة الإنسان لأخيه الإنسان، ومن الواضح أنه لا يسع الرجل حين تكون المرأة مبدية لمفاتنها إلا أن تشوب نظراته ولحظاته ريبة ورغبة، وهو ما يجعل المرأة واحداً من المناظر البديعة التي يرغب الرجل – على أقل تقدير – في الاستئناس بالنظر إليها، وهو ما يُسيء لإنسانية المرأة والتي أبى الإسلام إلا أن تكون كريمة كما هو الرجل.

المرأة مكسب الرجل؟!

وأما دعوى أن النص الديني وضع المرأة في مصاف المكاسب التي مُنحت للرجل فهي تشير – كما هو مصرح به في متن الدعوى – إلى قوله تعالى: "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب"(135).

أقول: إن الآية المباركة بصدد تعداد ما يعشقه الإنسان ويصبو إليه مما يجعله منصرفاً عن الغاية التي من أجلها خلق، فهذه التي ذكرت في الآية الشريفة هي الدنيا التي يخلد إليها الإنسان فيذهل عن آخرته ويتخلى عن مسئوليته التي انيطت به، وليس معنى عد النساء في ضمن ما يشغل الإنسان عن خالقه هو أن النساء مكسب من المكاسب التي مُنحت للرجل وإنما هي واحد من الصوارف التي تصرف الرجل عن مسئولياته الدينية باعتبارها موضع شهوة الرجل.

وهذا لا يعني أنها خلقت لذلك، حيث صرَّحت الآيات الكثيرة أن المرأة إنسان خلقت للغاية التي خلق لها الرجل، وكونها واحداً من مناشئ غفلة الرجل عن دينه لا يعني أنها من أجله خلقت، فكما لا يصح لنا تصنيف الأبناء في ضمن ما خُلق لأجل الإنسان لمجرد إنهم وسائل انصرافه عن دينه فكذلك لا يصح تصنيف النساء في ضمن ما خلق من أجل الرجل لمجرد ذلك.

فالآية بصدد ما يصرف الإنسان عن دينه وخالقه وليست بصدد تعداد ما منح للإنسان، ولذلك صُدرت الآية "بزين" – ولم تصدر بخُلق أو مُنح – وكان متعلق التزيين حب الشهوات.

وليس مقصود الآية أن المرأة زينة الرجل حتى يقال أنها بمثابة الذهب والفضة، وذلك لأن متعلق التزيين حب الشهوات، ومعنى ذلك أن الحب والعشق يصرفان الإنسان عن النظرة الواقعية للأشياء، فالذهب والفضة والخيل والأنعام وإن كانت من المظاهر التي يتزين بها الإنسان إلا أن الآية ليست بصدد ما يزين الإنسان وإنما هي بصدد بيان ما يصرف الإنسان النظرة الواقعية للأشياء، لأن معنى التزيين هو أن يظهر الشيء بمظهر يجتذب الأنظار والنفوس رغم أنه لو جُرد عن الزينة لكان الأمر مختلف، فالآية المباركة تقول أن حب الشهوات الكامن في النفس يُضفي على الأشياء المذكورة حلة توجب غفلة الإنسان عن واقع الأشياء، فهي بذلك تستحث الإنسان على النظر للأشياء بمنظور يناسب الغاية التي من أجلها خلق الإنسان وهي العبودية لله عز وجل وهذا ما يقتضي تصيير هذه الأشياء وسائل للقرب والرضا الإلهي.

الزوجة حرث؟!

وأما وصف الزوجة بالحرث في قوله تعالى: "نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم أنى شئتم"(136) فهو تشبيهٌ كما هو واضح.

والمصحح لتشبيه شيء بشيء هو وجود وجه شبه بين المشبه والمشبه به، فالمصحح لتشبيه الرجل الشجاع بالأسد هو اشتراكهما في وجه شبه واحد وهو الشجاعة، فالتشبيه لا يقتضي إسراء كل خصائص المشبه به للمشبه و إلا لكان المدح ذماً، وهو غير مقصود حتماً، فحينما تصف رجلاً بالأسد فإنك تمدحه في حين أنه لو كان التشبيه مقتضياً لإسراء جميع خصائص المشبه به للمشبه لكان هذا الوصف ذماً، إذ أن الأسد بهيمة لا عقل له.

وهكذا الحال بالنسبة لتشبيه الزوجة بالحرث، فإن المصحح لهذا التشبيه هو اشتراكهما في أن كلاً منهما موضع التخلق، فالحرث "الأرض" موضع لتخلق النبات والزوجة موضع لتخلق الإنسان، وكون الأرض مملوكة للإنسان لا يعني أن تشبيه شيء بها يقتضي كونه مملوكاً للإنسان و إلا لكان تشبيه الرجل الشجاع بالأسد ذماً لأنه يقتضي اعتبار الرجل الشجاع بهيمة و لكان معنى تشبيه المرأة بالظبي هو أن المرأة بهيمة، ولا يقول بذلك من له أدنى معرفة بمساقات الكلام.

فالتشبيه ينشأ عن وجود شبهٍ بين المشبَّه والمشبه به، وتحديد وجه الشبه يقوم على أساس الخصائص البارزة في المشبه به عند المخاطب والمتكلم، على أن سياق الكلام له أثر في تحديد وجه الشبه.