المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أقرأ..البناء الفكري والسلطة الاجتماعية للطقوس والشعائر الدينية....صائب عبد الحميد...


سيد مرحوم
10-09-2005, 08:36 PM
البناء الفكري والسلطة الاجتماعية
للطقوس والشعائر الدينية

صائب عبد الحميد




حين يتكلم الفلاسفة عن مصادر المعرفة يهملون مصدراً خطيراً في صياغة المعارف لدى الافراد، الا هو البيئة الاجتماعية. لعلهم يتحدثون عما ينبغي ان يكون، لا عما هو كائن حقاً، ولعل الاخير هو من شأن علماء التربية والاجتماع وعلم النفس الاجتماعي.

فكيف تسهم البيئة الاجتماعية في صياغة المعارف والمفاهيم لدى ابناء المجتمع الواحد ؟

هذا مانقرأه في تلّون المجتمعات، واحتفاظها دائماً بمزايا وخصائص تفصلها الواحدة عن الاخرى. فمن اين جاءت لباقة المصري، وبساطة البصري ؟

من اين جاء سخاء القروي الاصيل، وشح المدني العريق ؟

من اين تشرّب النوروز في دماء الايرانيين والاكراد دون غيرهم من الامم ؟

من اين تعّلم صبيان بعض الشعوب الانحناءة تعبيراً عن التحية، فيما استهجنها صبيان شعوب اخرى ؟

من اين اخذت صبية مسلمة زيّها الخليع، وقابلتها صبية مثلها بحجاب رفيع ؟ قلنا صبية، ولم نقل راشدة..

من ايّ وحي من وحي السماء تعلّمنا الزغاريد في الافراح، وفي المآتم النواح ؟

من اين لا يفارق الهنود «البهارات»، ولا يتخلى العرب عن الثريد ؟

اذا كانت هذه هي حال الناس، سائر الناس، مع العادات والطقوس الشعبية، فكيف هو شأنهم مع الطقوس والشعائر الدينية ؟

ان نظرة واحدة الى الوراء، يلقيها المرء على الاجيال، كيف نشأت في احضان الوسط الاجتماعي والاسري، وكيف تلقّت منه معرفة هذا النوع من السلوك وما يرافقه من مفاهيم، تكفي للجزم بالتسوية بين النوعين من الطقوس، الشعبية والدينية، من حيث طبيعة الاعطاء والاخذ، والتعليم والتعلم، التلقين والتلقّي، التربية والتربّي، التنشيئة والنشوء، التكوين والتكون.

فالاجيال تتلقّى وتلّقن قبل ان تعرف البحث والنقد والتحليل: «كل مولود يولد على الفطرة، وابواه يهوّدانه، او ينصّرانه، او يمجّسانه» لا فرق بين استقباله هذه المفاهيم والمعتقدات وما يصحبها من سلوك، وبين استقباله آداب التحية والوان الطعام واشكال الثياب، والنطق واللغة.

فالوسط الذي علمه النطق والبيان، هو ذاته قد علمه هذه المفاهيم والاعراف والطقوس، بلا

فرق في طرق التعليم والتلقين.





وهذا هو الذي يفسّر تمدد الخرافة حتى تصبح ثقافة، اضافة الى أن الانسان في نفسه جنوح وميل الى تقبل الخرافة والسكون اليها حين يجد انها تعالج شيئاً من احتياجاته النفسية وتطلعاته الروحية، حين تسعفه ازاء هاجس الخوف من المجهول الكامن في لا شعوره. هذا الهاجس الذي استدعى حضور الالهة على الارض، او في دائرة النظر، على انحاء مختلفة عبر التاريخ، بعد ان كان الانسان الاول لا يعرف سوى اله واحد خلق السموات والارض ومافيهن وما بينهن، واحاط بكل شيء علماً.الانسان الاول الذي تزود بقدر من الوعي والادراك يكفيه للاستغناء بهذا الاله عما سواه. حتى اذا انتشر البشر وتكاثروا وتكاثرت اصناف العيش ومخاوفه، فكأن ذلك الوعي قد توزّع بينهم، فأخذ كل نصيباً، ولم يستقوا، فرجح قوم وتراجع آخرون فأحسوا بالحاجة الى آلهة تستوطن أرضهم او تطل عليها من قبة سمائهم، يلجأون اليها ويحتمون بها ويستمطرون رحمتها، فتخطى منهم بكل تقديس، ولينسجوا حولها ألوان الخرافات والاساطير التي تتعالى على النقاش والنقد والسؤال ! حتى اذا بعث الله تعالى نبياً في قومه يدعوهم الى الواحد القهّار، اعيته هذه الخرافات، واعجزه تمسّك الناس بها، وكم نبي افنى حياته داعياً بالحكمة والحجة والبرهان دون ان يفلح في زحزحة الخرافة من الاذهان ! وكم من نبي قتله قومه ومثّلوا به لانه قدح في قداسة ما يسطرون !


وهذا شيخ الانبياء ابراهيم الخليل (ع) ورغم حجته البليغة التي استعرضها القرآن الكريم، هل افلح في اقناع احد من قومه حتى وهم يشهدون المعجزات على يديه؟ (ألم تر إلى الذي حاج ابراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال ابراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأُميت، قال ابراهيم فان الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر)(1) .



لقد فر ابراهيم (ع) من قبضتهم وليس معه إلاّ زوجه هاجر وأخوه هارون وابن خاله لوط !
ولا يذهب الظن الى انها مشكلة الشعوب الشرقية وحسب ـ بل هي مشكلة الشعوب مهما تضاءل الوعي وتراجع العقل عن ممارسة دوره الفعال.


فهذه فرنسا بعد عصر النهضة والديانة المسيحية تعج بالخرافات، التي دعت كثيراً من فلاسفة اوربا الى محاربة الدين:«انك تقول ان الدين قد تسبب في كوارث لاحصر لها، وكان الاجدر بك ان تقول: الخرافات الدخيلة على الدين التي تتحكم في عالمنا البائس، هذه الخرافات والاساطير هي اقسى عدوّ لنا يصرفنا عن عبادة الله خالصة تليق به، دعنا نمقت شبح








(1) سورة البقرة، الآية 258.



---------------------
الخرافات التي ادخلت على الديانات فشوّهتها، واولئك الذين يحاربون الخرافات هم اصحاب الفضل في الجنس البشري، ان هذه الخرافات ثعبان يهزه الدين في حضنه، ويجب علينا سحق رأسه من غير ان نجرح الام التي تطعمه»(1).
وقام (فولتير) اخيراً ببناء كنيسة قال عنها: «انها الكنيسة الوحيدة التي بنيت في اوربا لعبادة الله»(2).
وختم (فولتير) حياته غلاماً يحالف الفقراء ويدافع عنهم، كريماً لا حدود لكرمه، يسعى في خدمة الناس وتحمل اعبائهم بنشر الاخلاق والمبادئ السليمة قولاً وعملاً، حتى ان شابين صغيرين سرقا بعض امواله فجاءا اليه يعتذران فركعا امامه، فاخد بايديهما وعفا عنهما، وقال لهما: «ان الركوع لله وحده ولا ينبغي لكما الانحناء امام احد سوى الله»(3).


لكن رجلاً كهذا تطرده فرنسا ليموت وراء وطنه(4)!








اثر التلقّي في الوسط العلمي





حين ينشأ الفرد على التلّقي السلبي، سيكون هذا الطريق هو منهجه المعتاد في اكتساب العلوم والمعارف، فاذا ماترقّى في سلّم التحصيل اصبح يردد افكار ومقولات المصادر التي استقى منها، والاساتذة الذين تتلمذ عليهم، وكأنها الحقيقة الاوحدية التي لا ينبغي ان ينازعها شيء، ولا ينحصر هذا النوع من التلقي ـ في الاغلب الاعم ـ في المناهج وطرق البحث والنظر، بل يتعداه حتى الى دقائق الافكار والمفاهيم وحلول المسائل وردّ الشبهات. بل قد يبلغ به الامر احياناً ان يرى أية محاولة لمناقشة ونقد افكار وآراء ذلك المصدر او الاستاذ بمثابة انحراف عقيدي خطير تجدر مواجهته وقمعه بكل اسلوب مجْد، وان كان الحديد والنار.
و(كل حزب بما لديهم فرحون)(5) فمقلّدوا المصادر الاخرى والاساتذة الآخرون يحملون عليه بمثل ما يحمل عليهم، وكل منهم في نظر الآخر منحرف ضال، بل قد لا يستحق الحياة ابداً.
ان احدهما لا يعود الى نفسه لينظر في حقيقة ما يقوله خصمه فيه، وانما يندفع بالقوة ذاتها

(1) ول ديورانت، قصة الفلسفة، بيروت، ص 302.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه، ص 311.
(4) المصدر نفسه، ص 312.
(5) سورة المؤمنون، الآية 53.








--------------------




الى تقريع خصمه والتنكيل به، لان كل واحد يرى انه قد اتمّ بناء نفسه ومعارفه، فهي اعلى من ان يرقى اليها الكلام. بمثل هذه الروح تتمسّك الشعوب بأعرافها وتقاليدها، فلا يدان الرجل الذي يقتل زوجته وام اولاده لانها نسيت فقدّمت له الشاي قبل ان تضع فيه السكر، لايدان لانه ليس للمرأة في مجتمعه وجود فوق هذا، وسوف لا يجد ادنى مشكلة في التزوج من اخرى في اليوم التالي لجريمته هذه.

ولا بحث بين فصائل الهنود الذين يعبدون نهراً وقد جعلوا له عيداً سنوياً يرمون فيه خمسين فتاة باكراً في بطن النهر، ثمناً لحمايته اياهم ! لا بحث لان الفتيات انفسهن يتدافعن على نيل هذا الشرف، حتى يضطر الزعماء الروحانيون الى انتخاب خمسين منهم من بين المئات المتطوعات، اما بالسبق الى التطوع واما بالاقتراع او بغيره(1)!


ترى كيف ترقى هذا الروحاني الى الزعامة أليس بالدرس والعلم والمواظبة ؟ لكنّ درسه وعلمه لم يزده إلاّ تمثيلاً لهذه الخرافة وتأصيلاً لها بكل ماتعلّمه من ادوات الحِجاج والجدل !

وكم من كبار المبدعين في علوم الفيزياء والكيمياء وطبقات الارض مازالوا يحافظون على طقوسهم الخرافية بكل اجلال وتقديس ! طقوس تلقّونها تلقيناً منذ الصغر، فكانت كالنقش على الحجر، لاتزول او يزول الحجر !









فهل في هذا مفارقة ؟









كيف لاتفعل هذه العلوم فعلها في تحرير العقل من عقال التلقين الخرافي ؟



ان هذه العلوم تزيد في حجم نوع المعلومات والمعارف التي يحملها الفرد، وليس من الضروري ان تعيد نظم طريقة التفكير لديه، انها قد تزيد في الحافظة، بل في القدرة على الفهم والاستيعاب في هذا الباب او غيره من ابواب المعارف، لكنها قد لا تعود الى بناء العقل وسليقته في التلقي والاستلهام، فقد يبلغ المرء اعلى درجات العلم في تخصصه، لكنه يبقى في فلك هذا التخصص مفكراً ومحللاً وربما مبدعاً، فيما يحافظ الذهن على ما تروّض عليه من اساليب التلقي، فتراه يغفل حتى اموراً واضحة يلتفت اليها الصغار ويقطعون اشواطاً في هضمها ونقدها، واكثر ما تكون هذه الظاهرة وضوحاً في ميادين الاعتقاد والمفاهيم التي تتصل بها. فترى مفكراً حاذقاً مثل ابي حامد الغزالي، مثلاً ينقد الفكر الفلسفي بكل عمق وجدارة، لكنه في ما يتصل بمسلماته المذهبية لا يرقى تفكيره الى تفكير ايّ مقلد بسيط، يردد من لقّنه اياه محيطه، فيرى مبدأ «عدالة الصحابة» مثلاً قضية فوق مستوى النقاش والنقد،



(1) ول ديورانت، قصة الحضارة، ج 4 .





-------------




فمهما وجدت لصحابي من خطأ وانحراف فلا بد ان تلتمس له تأويلاً، فاذا امتنع التأويل وتعذّر الاعذار، فقل لعلّ له تأويلاً لم ادركه ولم يدركه غيري من اهل العلم(1)!


وامثلة هذا من الكثرة بمكان في تاريخنا القديم والمعاصر، فكم من عملاق في تخصصه يحلّق في تفصيل دقائق المسائل في اكثر العلوم تعقيداً، حتى اذا تناول مسألة تعود الى الاعتقادات والتقاليد السائدة رأيته قزماً يتشبث بكل ما هو واه ومتهافت وداحض من الاقوال والآراء.


هذه مسألة غلق باب الاجتهاد، كم من مفكر وفقيه وضعته على المحك فتحدّرت شواهق فكره وقمم فقهه، تحت تأثير التلقين المسبق والتقليد، الى ما لا يبرره اليوم عقل ولا منطق، حتى وان كان له ما يبرره بالامس. والانكى من ذلك حين تستفحل التقاليد بالفرد، فيما يتقدم في سلم الاكتساب العلمي، فيوظف كل قدراته العلمية في تبرير تلك التقاليد واحاطتها بالصبغة الشرعية الى الحد الذي يعتبر فيه مناقشتها خروجاً سافراً على الشرع واحكامه !

ففي حاضرنا هذا نلمس الغضب بادياً من لهجة فقيه يرفع اليه سؤال حول الترجيح بين اقامة صلاة الظهر جماعة في وقتها يوم عاشوراء، وبين المضي في المراسم المعروفة ؟ يتفجر الغضب في لهجته على من ينتابه الشك في ضرورة المضي بهذه المراسم حتى لو تأخرت الصلاة عن وقتها ! هذا في الوقت الذي تعدّ فيه اقامة صلاة الظهر في وقتها واحدة من ابرز مظاهر العاشر من محرم، حيث عطّل الامام الحسين (ع) جهاده وطلب من عدوه هدنة من اجل اقامة الصلاة في وقتها، فان لم يكن الحفاظ على وقت الصلاة لازماً بذاته، فينبغي ان يكون لازماً في مراسم عاشوراء بالدرجة الاولى، ان كانت هذه المراسم قد جاءت لاحياء الذكرى بحقّها، فلا بد ان يكون من ابرز هذه المراسم هو تعطيل الاعمال كلها من اجل اقامة الصلاة في وقتها.

اننا لا نجد كبير فرق من هذه النواحي بين العامي الساذج وبين المتفقّه، إلاّ في القدرة على توظيف العلم في تبرير وتأصيل التقاليد السائدة والمفاهيم، حتى ما كان منها مصدره الخرافة، او الظروف السياسية القاهرة، او تدنّي الوعي الديني العام.









العقل النقدي












ذو العقل النقدي وحده هو الذي يستطيع ان ينجو من اسر التقاليد التي يتلقاها الآخرون تلقي



(1) الغزالي، ابي حامد، الاقتصاد في الاعتقاد.
--------------------





المسلمات والبديهيات. هذه «المسلمات» امام طائلة من الاستفهامات وادوات البحث، حتى يعرف حقيقة موقعها في سلّم المعرفة. مما نقل عن السيد محسن الحكيم قوله لبعض طلابه:«اياك والمسلمات !ولا سيما في غير العبادات من ابواب الفقه، فان كثيراً من المشهورات عند الناس والطلاب، وكثيراً من المرتكزات في الاذهان اذا راجعها الطالب في مظانها وتأمل فيها وجدها لا واقع لها يعتمد عليه، ولا اصل تستند اليه»(1).

وفي السياق نفسه يقول:«لا يصل الانسان الى النتائج حتى يشكك فيها، وانما العثرات والاخطاء نتيجة الاستسلام الى حسن الظن بما يقوله العظماء من المدرسين والمؤلفين»(2)!


ترى فكيف بالاستسلام الى حسن الظن بما يشيع في الاوساط العامة، ويتولاه من لاحظ له من العلم والمعرفة ؟

ان مبدأ الشك بالكليات العامة ليس مبدأ ديكارتياً كما يصوره بعض علماء الاسلام، خطأً، انما هو مبدأ اسلامي أصّله القرآن الكريم، فلما عطّله المسلمون تحت وطأة التقليد والتلقين، ودعا له ديكارت نسبوه اليه بعد ان رأوه كفراً بواحاً ! فالقرآن هو القائل في اولئك: (ان يتبّعون إلاّ الظن وما تهوى الانفس)(3).





والقائل: (قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)(4).

هذه هي روح القرآن، وهذه معالم العقل الذي ينشده القرآن، وكم حذّر النبي (ص) من ان يكون المرء (امّعة) يردد ما يقوله الناس دون تمييز بين حق وباطل، بين حقيقة قائمة على البرهان وبين شائعة مصدرها الاوهام.

لما توفّي ابراهيم ابن النبي (ص) صادف ان كسفت الشمس، فذاع بين الناس ان الشمس كسفت لموت ابراهيم، شائعة لها حتى في نفوس المشركين ما ليس للحجة والبرهان، وكم كان النبي (ص) محتاجاً لان يوقظ اذهان المشركين ويستقطبهم نحوه، لكنه ردّ على هذه الشائعة قائلاً: «الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت احد ولا لحياته»(5).

(1) من محاضرات السيد الحكيم، نشر مركز دراسات تاريخ العراق الحديث.
(2) المصدر نفسه.
(3) سورة النجم، الآية 23.
(4) سورة البقرة، الآية 111.
(5) الزمخشري، ربيع الابرار، ج 1،ص 116.





--------------------

انه العقل النقدي الواعي الذي لا يستسلم للعواطف والظنون.








هذا العقل هو سر الاختلاف بين عالمين كبيرين، يرى احدهما ان كل ما ينسب الى الشعائر الحسينية فلا يحق لاحد ان يتكلم فيه، لان ادنى كلام فيه سيكون قدحاً بالقضية الحسينية كلها، فيما يرى الآخر ان القضية الحسينية لا يصح ان تحيا الا بما هو حسيني اصيل او ما هو ماض مع أصالة المبادئ الحسينية. الشهيد المطهري ينقل حواراً جرى بينه وبين بعض القائمين على مراسم العزاء الحسيني وقد دعاه لقراءة المراثي مؤكداً ان الهدف من اقامة العزاء هو البكاء على الامام الحسين (ع)، ولا شك انه هدف مقدس، وما دام الهدف مقدساً فلتكن الوسيلة ما تكون !


قال له المطهري: حسناً، اذا كان الامر يتعلّق بالعزاء والرثاء بحد ذاته، فهل يمكن ان نقول كلاماً ينطوي على امور فيها اهانة ؟

قيل: هل تذرف الدموع ام لا ؟ اذا كانت الدموع تنهمر نتيجة لذلك فاعملوا ما شئتم، انفخوا في المزامير، واقرعوا الطبول، واتلوا المراثي، والبسوا الرجل ملابس المرأة، واعملوا شبيه عرس القاسم، واختلقوا وحرّفوا!
فاجابه المطهري: لا معنى لهذه الامور في قضية الامام الحسين (ع).
فرد الآخر قائلاً: ان قضية الامام الحسين (ع) تختلف عن غيرها من القضايا، فان كذبت سامحك ! وان اختلفت سامحك، وان حرّفت سامحك، وان اصطنعت شهيداً سامحك، وان البست الرجل ملابس المرأة سامحك، كل ذنب تقترفه يسامحك لان الهدف مقدس(1)!
لقد اصبحنا نلمس تعاملاً واضحاً مع ما يشبه القاعدة الشرعية في تعطيل الاحكام التي لا تنسجم مع صور العزاء المألوفة لدى الناس، بحجة انها لاجل الامام الحسين (ع) وكأنه (ع) قد جاهد واستشهد من اجل اختراق احكام الشريعة وتمييعها، لا من اجل احيائها والالتزام بها!
وليس هذا بالامر الخفي على اصحابه. نقل الشهيد المطهري في بعض كتبه ان الامام البروجردي ايام زعامته جمع رؤساء المواكب قبل عاشوراء بغية تصحيح بعض الممارسات الشائعة في هذه المناسبة، فابتدأ حديثه بمحاولة اختبار لمدى تقبلهم طرحه، فقال: اني ارى ان بعض مايجري في ايام عاشوراء غير صحيح. ثم سكت ينتظر رد الفعل فاطرق القوم وكأن على رؤوسهم الطير حتى ردّ احدهم قائلاً: سيدنا نحن نقلّدك في سائر ايام السنة، لكنّا لا نقلدك

(1) صرخات الشهيد مطهري بشأن تحريفات عاشوراء، ص 50 ـ 51، عن: محسن آجين، الالتقاط الفكري والتحجر العقائدي في نظر العلامة المطهري. وانظر: المطهري، الملحمة الحسينية، ج1، ص38ـ41.







---------------------ايام عاشوراء ! فترك السيد حديثه وصرفهم(1).



نعود لنركز على الفرق بين رجل يرى ان هناك مظاهر لابد من تصحيحها وتهذيبها، وبين آخر يدعو الى تركيزها بحذافيرها وبكل مستحدث فيها ويصنّف في ذلك رسائل وكتباً، انه الفرق بين عقل نقدي حر وبين آخر متلق صنعته وصاغته هذه التقاليد ذاتها، فهو لا يرى حقيقة غيرها.





خطاب التصحيح من الذروة الى الهّوة


لو امعنا النظر في مستوى خطابنا الديني على الاصعدة المختلفة في الربع الاخير من هذا القرن، لسرنا على خط بياني يتصاعد حتى يبلغ ذروته في جيل الامام الخميني (رض) والشهيدين الصدر والمطهري، ومن عاصرهم، ثم يأخذ بالانحدار الا توقفات نادرة لا تعود به الى نقطة قريبة من تلك الذروة.
فحول ظاهرة التكسّب بالدين والقداسة الكاذبة نقرأ خطاباً بليغاً يستهل الخطابات الثورية والاصلاحية للامام الراحل في كتابه (الحكومة الاسلامية) بلغة لا تعرف التمويه ولا المواربة، فيقول:«قبل كل شيء احسموا وضع هؤلاء المتقدّسين، فان وجود هؤلاء بمثابة تقييد لكم من الداخل. ان هؤلاء اسمهم مقدسون، لا انهم مقدّسون واقعا»ً(2).
ويمضي على مدى عدة صفحات في مثل هذه النبرة. ثم يلفت الاذهان اكثر واكثر حين يجعل هذا الموضوع ذاته هو موضوع آخر رسائله في اخريات ايام حياته، بعد تجربة الاعداد للثورة ثم قيادتها وقيادة الدولة، فيقول في رسالته الاخيرة هذه: وليس قليلاً اذن خطر المتحجرين والمزيفين الحمقى في الحوزات العلمية، وعلى الطلبة الاعزاء ان لا يتقاعسوا لحظة واحدة في معرفة امر هؤلاء الثعابين»(3).
وفي جوّ الخطاب هذا نسمع صرخة الشهيد مطهري:«لقد شهر علي السيف بوجوه اناس من هذا النمط، يبدو عليهم الصلاح والنسك والاستقامة، وهم ذوو شمائل وخصال توحي وكأن الحق معهم، وانهم من اصحاب الزهد والبساطة الغارقين في العبادة، ثم طفق علي (ع) يحصد رؤوسهم بحدّ سيفه »(4).







(1) مطهري، الشهيد مرتضى، الملحمة الحسينية، ج 1، ص 162 ـ 163.
(2) الامام الخميني، الحكومة الاسلامية.
(3) رسالة الامام الخميني الى العلماء في 22 شباط 1989م ـ 15 رجب 1409هـ، انظر: المعالم الجديدة للمرجعية الشيعية، ص 183
(4) مطهري، الملحمة الحسينية، مصدر سابق، ص 22.





--------------------




هذه الشريحة من المتكسبين بالدين، القائمين على استغفال الناس وغفلتهم الواقعية، هي التي استهدفها بعض الباحثين(1)، وهي التي ملأت قلب السيد الشهيد الصدر قيحاً: «لماذا تعيش الحوزة العلمية في هذا البلد مئات السنين ثم بعد هذا يظهر افلاسها في نفس البلد الذي تعيش فيه ؟! واذا بأبناء هذا البلد او بعض ابناء هذا البلد يظهرون بمظهر الاعداء والحاقدين والمتربصين بهذه الحوزة ؟!... الا تفكّرون في ان هذه هي جريمتنا قبل ان تكون جريمتهم..»(2)


وعلى صعيد اصلاح المنبر الحسيني نقف امام كم هائل من خطابات الشهيد المطهري التي تستوي في الذروة، ولا تكاد تترك شاردة ولا واردة الا واتت عليها، تصريحاً ونقداً وتحليلاً.
لقد بلغ به الامر ان يدعو الى البكاء على الامام الحسين (ع)، ولكن لا لأجل فاجعة كربلاء، وانما لأجل الاكاذيب التي الصقها خطباء المنبر بهذه الفاجعة: «واقول بكل مرارة: ان التحريفات التي اصابت هذه القضية على ايدينا قادت كلها باتجاه التقليل من قيمتها، ومسخها وتحويلها الى حادثة لاطعم لها ولا معنى ! والمسؤولية هنا تقع على الرواة والعلماء، كما تقع على عامة الناس»(3) ثم ينقل كلام المرحوم الميرزا حسين النوري في كتابه (اللؤلؤ والمرجان) حيث يقول: «اننا يجب ان نبكي الحسين (ع) ولكن ليس بسبب السيوف التي استهدفت جسده الطاهر الشريف في ذلك اليوم التاريخي، بل بسبب الاكاذيب التي الصقت بالواقعة» !(4)
واما على مستوى الشعائر فلقد تعددت الخطابات، بدءاً بالسيد هبة الدين الشهرستاني والسيد محسن الامين، وقد جدد نداءاتهم في هذه الحقبة التي نحن بصددها اعلام نذكر منهم الشيخ محمد جواد مغنية وهو يقول: «ان العادات والتقاليد المتبعة عند العوام لا يصّح ان تكون مركزاً للعقيدة،لان الكثير منها لا يقرّه الدين الذي ينتمون اليه وحتى لو ايدها وساندها شيوخ يتسمون بسمة الدين ! ومنها ما يفعله بعض عوام الشيعة من لبس الاكفان وضرب الرؤوس بالسيوف في اليوم العاشر من المحرم. ان هذه العادة المشينة بدعة في الدين والمذهب، وقد احدثها لانفسهم اهل الجهالة دونان يأخذ بها امام او عالم كبير،كما هو الشأن في كل دين ومذهب حين توجد به عادات لاتقرها العقيدة التي ينتسبون اليها ويسكت عنها من يسكت خوف



(1) كالدكتور علي شريعتي، وغيره.
(2) الاسدي، مختار، الاختلاف والنقد ثم الاصلاح، قم، 1997، ص 58.
(3) مطهري، الملحمة الحسينية، مصدر سابق، ص 22.
(4) المصدر نفسه.




------------------ الاهانة والضرر..»(1).



وهذا هو الحق، فلما جرّد لها الامام الخامنئي (دام ظله) حسامه، تعاقبت رجال العلم على تأييده ومساندة موقفه، رغم انها سكتت طويلاً ولم تبس ببنت شقة، الامر الذي كان يفسره اصحاب المظاهر بالتأييد والمساندة، وهم يظنّون خطأ ان هذا السكوت حيالها يعبر عن اقرار لها، مما يمنحها صفة الشرعية.
ويذكر الشهيد المطهري نموذجاً من نماذج التمرين التي استقلت بشعائر لها خاصة، الا وهو (يوم الاربعين): عندما يحين موعد الاربعين نسمع جميعاً بالتعزية الخاصة بيوم الاربعين والناس جميعاً يعتقدون بان الاسرى من آل بيت الرسول (ص) قد ذهبوا في ذلك اليوم من الشام الى كربلاء والتقوا هناك بجابر الانصاري.في حين ان المؤلف الوحيد الذي يذكر هذا الموضوع هو السيد ابن طاووس في كتابه (اللهوف) لكنه هو نفسه كذّب ذلك، او على الاقل لم يؤيده في مؤلفاته الاخرى، وهذه القصة لاتذكرها الكتب المعتبرة اطلاقاً، كما انه ليس هناك اي دليل عقلي على حصولها. ولكن هل من الممكن اقناع الناس بعدم حصول مثل هذه الواقعة التي يسمعونها كل عام على المنابر وفي المجالس والتعازي الحسينية ؟!»(2)


والسؤال الخطير الذي نثيره في الختام، هو:





هؤلاء الرجال الكبار ـ الامام الخميني، الشهيد الصدر، الشهيد المطهري وغيرهم ـ مع مالهم من عظيم الاثر والمنزلة، لماذا لم يخلّفوا تياراً من حملة الوعي وظاهرة اصلاحية ترقى بالمجتمع الى ماهو صحيح ومعقول ؟لماذا اخذت دعواتهم بالضمور، بعد رحيلهم، شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق منها الا حروفها على صفحات الكتب، وهي حروف بحكم المحظور ؟

ان سلطة المجتمع الذي مازال يميل الى الاسطورة والخرافة وتقديس المظاهر التي تنتسب الى المقدسات ولو زوراً، كان لها الدور الكبير في اختفاء تلك الخطابات والحجر عليها، ومحاربتها كما تحارب الافكار المنحرفة والبضائع الممنوعة !
ان حاجتنا الى تربية العقل النقدي اكبر بكثير من حاجتنا الى التمدد في حجم العلوم والمعارف التقليدية التي بين ايدينا.




(1) مغنية، محمد جواد، تجارب محمد جواد مغنية بقلمه. انظر: الاسدي، مصدر سابق، ص 129.
(2) مطهري، الملحمة الحسينية، مصدر سابق، ص 12، 13.

--------------------