المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دروب إلى أمبراطورية عاشوراء


هشام الحرك
05-07-2009, 08:27 AM
دروب إلى أمبراطورية عاشوراء : هشام الحرك
إنها من أكبر الأمبراطوريات في العالم أجمع وعبر كل العصور اشتملت على الغرايب والنوادر وغرر المقالات ، ودرر الدلالات ، وطريقة الزهاد ، وحديقة العباد ، قصيرة المباني ، كثيرة المعاني وقادتها من أعظم القادة وسياستها من أعتق السياسات المخمّرة في بطون التاريخ ، كُتبت في اللوح المصون بيد المنون ولهجتها مميزة عن كلّ اللهجات عبر كلّ اللغات وأداؤها لايماثله أداء وحنكتها لاتقارن ومرونتها تشد الانتباه وبناؤها لايتعرض لكوارث الأرض وزلازلها ومكتبتها غير خاضعة لأوامر الإتلاف أو الحرق أو الضياع وهندستها أعجزت الفكر الهندسي الابداعي والتقاني وأسلوبها أحاط بكل شيء علماً ماجعل منها جنة تحتوي على الروعة في أجمل صورها وعلى السرمدية في أخلد سرمديتها التي منعتها عن الصدأ وحصّنتها ضد اللصوص القادمين على سطوة مجدها لم يزل فناؤها قبلة الإقبال يتوجه إليها بنو الولاة ، وكعبة الآمال يطوف بها وفود العفاة ، ولا يزال كذلك ما طلع نجم وذرَّ شارق ، ليكون معتصماً لأولي البصائر الربانيين الروحانيين السمائيين العرشيين النوريين ، السكوت النُّظّار ، الغيَّب الحضَّار ، الملوك تحت الأطمار ، أشرف القبائل ، أصحاب الفضائل ، أنوار الدلائل ، حياتهم طافحة بالأسرار والمكابدات... عميقة ، مدهشة ، ملغزة ، إنسانية.... ملحمة عاشورائية بحق ، وأن البلاغة الفائقة والاستخدام السائب لمخزون الكلمات ليسا بديلاً عن خطة العمل فا الحسين عليه سلام الله ينفذ خطة رسول الله حين قال له عليه وآله صلوات الله ستعيشان المحنة في كربلاء ، لقد كان الحسين عليه سلام الله أول المرشحين لقطع الرأس وتصفية الجسد حسباناً من تعليمات المؤتمر الأول[1] (http://www.bashaer.org/vb/newthread.php?do=newthread&f=42#_ftn1) أنهم قادرون على تصفية الجسد الإمامي الذي من أجله خلق الله الأكوان جميعا ، وبعد تصفية الجسد الحسيني شرب القاتل نخب التصفية ظناً منه أنه تمكن من إلقاء مراسيه على اللجة السحيقة لتغييب الحسين عليه سلام الله وإيداعه في المتحف المثير الفارق في عتمة أعماق البحار إلى الابد وتلك من أحلام ومقررات المؤتمر الأول إذ باء قادته بغض الجبار وخسروا الدنيا والآخرة ، ويذكر الكاتب والأديب نبيل فياض هذا السطر في كتابه أم المؤمنين تأكل أولادها: ( بيت عائشة ، كان الموضع الذي اختاره عمر لانتخاب الخليفة الجديد. « قال عمر لأهل الشورى: اجتمعوا إلى حجرة عائشة ، بإذنها ، فتشاوروا ، واختاروا منكم رجلاً ) والإمام باق إلى يوم النشور ، تمتعوا بسقيفتكم ... وهذه المتعة من أقدس واجبات الطاغية وصقوره ومحافظيه وأصدقاؤهم وحلفاؤهم إذ أن هناك من هو سابح في جهله وضلاله من بعض العرب والمتمسلمين من كل ستر وغطاء ، فبدت سوآتهما للناظرين قبيحة ومرعبة ويستحقون الرجم بكل ما تطاله اليد .
إن الله العلي القدير ربّ العباد ، وخالق الخلق والسموات والأرض ، والمنعم على عباده بنعم ليس لها من حصر أو عد ، لن يضيره أذى وكفر وشرك بعض العباد ، وإساءتهم لرسله وأنبيائه وكتبه ، لأنّ هؤلاء جعلوا للشيطان سلطاناً عليهم ، وتشرفوا به أن يكون وليهم ، فكيف يمكن للعروبة والإسلام أن تسلم من أذى وترهات وإساءات أمثال هؤلاء ؟ أما أنا فحسبي عناية الله ، لقد استشهد الحسين عليه سلام الله لإتمام السطور الضائعة في تاريخ حضارة إيمان الجدّ الأعظم عليه وآله صلوات الله وكان يستحمّ باستمرار زخات لا تهدأ من تلك المقذوفات الخطرة والمدمية على أيد العملاء وأعوانه المجرمين بينما كان الحسين عليه سلام الله يبادلهم إياها بنصائح الرشد عسى أن يعودوا عن غيّهم وما نجى منهم سوى إبن الطاهرة الحر بن يزيد الرياحي الذي دخل إلى الحسين مناجياً إياه التشفع عند الباري قبول توبته فاستجاب الحسين عليه سلام الله ودعا الله له قبول التوبة وانضم إلى صفوف الجيش المظفر لآل محمد عليهم صلوات الله فأبلى بلاء حسنا وضَمِنَ آخرته واستشهد على ولاء آل البيت عليهم صلوات الله والبقية من التائبين تأتي تباعاً ، وكان العقل المدبر لعملية الذبح الحسيني الإستثنائية تلك قد وُضِعَ لها المخطط الكامل والناجح في رواقات المؤتمر الأول التي أعلمت المنظومات الدموية في العالم وخلاياها السرية بالمخطط الساعدي الذي استمر يمشي الهوينا حتى بدأت المجزرة وهي درة تاج أشياخ بدر من الحفيد المخلص ، فأُتخم هذا الذبح كبرياء لجج المجزرة التي استمرت ليولد كل لحظة يزيداً جديدا يَذبَح وحسيناً جديداً يُذبح كل يوم وأرض كربلاء تستنسخ على كل الكرة الارضية وعاشوراء ترفع أمبراطوريتها إلى أعالي السماء ... اللهم تقبل منا هذا القربان ، لتملأ عبارة ( الله أكبر ) مآذن الكون وتصدح خلوداً على مدار الزمن ، والنهضة الحسينية نهضة الإصلاح والتصحيح والبناء الأزلي كانت حبيسة صدر الحسين عليه سلام الله فضاق صدره حتى قذفها بركاناً شكّل تقاسيم لحن خلّدها الحق تعالى حين ملأ قلبه بعزيمة الدفاع عن رسالة الجدّ الأعظم محمد عليه وآله صلوات الله غير آبهٍ بالطوفان الأموي مرتفعة إلى الله الذي سبّح نفسه فسبّحناه وقدّس ذاته فقدّسناه ومجّد عظمته فمجّدناه ، وفسّر زرادشت هذه المسألة كما يلي : "يامن التقيتم هنا أفسر لكم في حكمة الحكيم أن تسبيحه وتمجيده وأنغام النفس التقية التي هي حقيقة عظيمة والتي أراها تتصاعد من هذا اللهب المقدس أصغوا بإمعان إلى حقيقة ظواهرها وتفكروا في ألهبة النار بعقل نقي ومخلص وأقول لكم – والكلام للمؤلف – لاتتركوهم يغتالون كتابنا المقدس .... وعن جعفر بن محمد ع أنه قال في دعائم الإسلام للقاضي النعمان : استوت السفينة يوم عاشوراء على الجودى ، فأمر نوح ع ومن معه من الجن والإنس بصومه ، وهو اليوم الذي تاب الله فيه على آدم ، وهو اليوم الذي يقوم فيه قائمنا ، أهل البيت عليهم سلام الله ، وذكراها مؤسسة مستديمة وجامعة ثقافية روحية ورابطة اجتماعية تربط العبد بربه وتجمع الناس تحت سقف رحمة الله وسيادة قانونه ، انطلقت صرخة مدوية من حسيننا من أجل نشر رسالة الباري وإتباع المبادئ التي خطها لأشرف المخلوقات وجعله سيداً حراً كريماً بعيداً عن الذلة والهوان خارج عن قيود البشر ولا ترغمه قوانينهم الجائرة فجعل منه موالياً حراً كريماً سيداً عزيزاً ، سيدي لم تكد رسالتك تبدأ حتى نجمت لك النواجم من أمتك وتدبّ لك العقارب من أبناء جنسك الكربلائيين لعرقلة خطواتك وإضاعة مجهودك وتأخير غاياتك بينما انت تبذل الجهد وتحرق نفسك بخوراً لأمتك وإذ بالصيحات تعلوك وتعترضك وتخنق أنفاسك ولو كانت عبقريتك لدى أمة تحترم الانسانية لرفعتك إلى السماك واغدقتك بسبل الكرامة بينما لا تكاد عبقريتك تخفق في سماء كربلاء لترى فجر مهدها فيغرب لحدها حال ظهورها ، ولا يعلمون أن لك كرامة عند الله لو أردت بها أن تعيد السهم إلى القوس بعد انطلاقه لفعلت لكنك أبيت إلا أن تأتي مساكن الأبدية عند الله لنيل المتعة الخالدة ، ورفعت العلم وتسنّمت خلافة الأرض بديمومة الأذان الإلهي حتى قيام الساعة ، ومنذ أن خُضِّبَتْ الكعبة باللون الأحمر بدأت القصة بالدم وانتهت به ، بدأت باسماعيل يوم ضحّى بنفسه تسليماً لله وطاعةً لأبيه قصة دامية وإن لم تُرقْ فيها الدماء ، وانتهت بذكرى الحسين إذ جاءت إلى الحرم تقطر دماً من كربلاء ، رمى سهمه إلى قبة الفلك ، وسبقه إلى حضرة المليك المقتدر ليفوز بحقه ويلتقي أهل عترته ، ولأن قرار سيد الملحمة الإمام الحسين عليه سلام الله وهو يقارع سلاطين القهر والجور من حكام بني أمية كان مبنياً على طاعة الله تعالى والعبودية له وحده دون سواه من خلال إصلاح الانحراف الذي حدث في مسلكية النظام السياسي في الدولة الإسلامية آنذاك وما تبعته من انحرافات نتيجة الاستمرارية على قبول الانحراف من قبل مجتمعاتنا ونتيجة ضعف الإرادة فسيطرت إرادة الأنظمة الجائرة المتعاقبة وفرضت علينا إرادتها وقوانينها محاولة أبعادنا عن دستور الباري ورسالة السماء المنقذة لنا كبشر.. ولكنهم خسئوا بحول الله ، .. ومع كل جور وبطش النظام الحاكم المقبور في بغداد ، لكن الناس بقيت على التزامها بمبادئ ثورة الإمام الحسين عليه سلام الله لأنها نهضة لم تأت لمحاربة ابن عراب السقيفة فحسب بل جاءت لمحاربة كل طاغية أينما كان وفي أي وقت ، وما حركة الحسين عليه سلام الله سوى نموذجاً في الديمقراطية أساسها الحق وحرية الرأي ، لم يفرض رأيا وإنما طرح منهجاً إصلاحياً سياسياً ، وكان محاوراً بامتياز للأفراد والجماعات وكان نُصب عينيه تصحيح الانحراف الذي ابتليت به الأمة حينما خذلت رسول الله عليه وآله صلوات الله بسكوتها على الباطل وانجرارها بقبول الماجن الظالم حاكماً ومتولياً لأمرها لأجل هذا اقتضى الأمر إلى نهضة حسينية لتثبيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإبراز سيرة النبي عليه وآله صلوات الله من جديد بعدما انقض عليها المارقون من خلال ابتزاز الناس بأموالهم وأرزاقهم وممارسة العنف بشتى الوسائل وإفشاء الإرهاب الانساني والفكري والاقتصادي والإعلامي وتضليل المجتمع بتزييف الحقائق فكان موقف الحسين عليه سلام الله يرفض موافقة الطغاة وعدم مفاوضتهم والاستهانة بتهديداتهم وإرهابهم موقفا تربويا ومسلكيا للمجتمعات والأجيال والحكومات والقيادات والمرجعيات على مر العصور ، الإمام الحسين عليه سلام الله لم يخرج باسم حزب أو طائفة أو فئة من الناس ، وإنما خرج مع كل الشرائح الإنسانية والديانات السماوية خرج من الناس الذين اجتمعوا تحت راية الحق راية الله أكبر التي خطتها رسالة السماء وبشر بها خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد عليه وآله صلوات الله ورفعها خفاقة أهل بيته الأطهار عليهم صلوات الله وكانت حركته الإصلاحية تنحى بدورها الرسالي لتغيير كل ما فرض من ظلم وجور وضيم على الناس كل الناس وليس على فئة أو دين من قبل الطغاة والظلمة فكان حرباً على الاعتداء والانحراف وكانت مسيرته مسيرة رسالية لطلب الحق واجتثاث الظلم مصطلحاً وفعلاً إلى غير رجعة ونصرة المظلومين والمستضعفين حقاً لا شعاراً وهتافاً فكانت التضحية سامية وكانت الإرادة قوية لا تقهرها العواصف ولا توهنها الجيوش بعدتها وعددها ، وبقي الحسين عليه سلام الله رمز انتصار المناضلين من أجل بناء أممهم وإعمار مجتمعاتهم ولم يكن حكراً لفئة أو دين بل كان رمزاً لكل الناس تتبناه كل الحركات والقيادات والمرجعيات المناضلة من أجل تحرير شعوبها من القهر والظلم والحيف ، وبقي هكذا درساً تتناقل نهضته الشريفة كل الأجيال المتجايلة وتستلهم أفكاره كل الناس بغض النظر عن انتماءاتها الدينية والمذهبية والفكرية والعرقية والقومية ، يا حسين .. لقد زيّنتَ الشهادة وما زيّنتك ورفعتها وما رفعتك وهي الأحوج إليك منك إليها ، لقد جعلتها هوية الخلق كل الخلق عبر كل القرون وحققت غاية الوصال بين الأرضين والسمائيين لتدلُّ عليك فالموسيقى صدحت وتم الوصال وقرعت الطبول وقيامتنا اليوم قامت ، لقد زينت إسطرلاب أسرار السماء ، كحلاً تكتحل به عين القلوب فينجلي بصرها ، إعتقدَ الطاغية أنه فاز برأسك ولعله يعلم يقينا أنه رفع الشهداء إلى مستواك ورفع الصديقين إلى جنابك وهنا ما يجب علينا اليوم إرسائه في بناء إنساننا الجديد إنسان آل محمد عليه وآله صلوات الله بدون فروق ، هكذا هم آل البيت عليهم صلوات الله ، وأعتقد أن كل أئمة آل بيت محمد عليهم صلوات الله يلهجون وينطقون ويتنفسون ويتحدثون ويحاجّون الناس بنفس المنطق وذات النفس وكأنك تراهم بعددهم التسع والأربعون كنفس ومنطق ولهجة وحديث وحجة رجل واحد ورد في كل عصر بما ناسب عصره وكما قُتل علي عليه سلام الله وقتل كل أولاده وأن اختلفت أساليب القتل ولم ينج منهم أحداً مثال ذاك الإمام من ولده حينما رأى تردي الكثير من النفوس إلى أسفل سافلين أليس هذا قتلا له بطريقة ما ؟ وجميعهم اجتباهم الله إلى دار خلده لإتمام رسالتهم بين خلق السموات قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ، هل يمكننا أن نكون كميل والمقداد وميثم ؟ لو جاز لنا ذلك لأكرمنا الله بالكينونة معهم وقتذاك ولكن الله يعلم مسبقاً أننا لا يمكننا أن نكون أي منهم ولا أقل من ذلك لأنّ الله تعالى يعلم السرّ وأخفى ويعلم خائنة الأنفس .
بحث مقتطع من كتابي فلسفة عاشوراء


[1] (http://www.bashaer.org/vb/newthread.php?do=newthread&f=42#_ftnref1) المؤتمر الأول : هو أول مؤتمر عقد بعد احتضار الرسول نال رغبة أو رهبة من كرامة الإسلام